انتخابات الخارج والدعوة الى الغائها

احمد الكناني
2014 / 5 / 13

لا داعي للدخول في لغة الارقام والنسب المئوية الصادرة عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات بالنسبة للعراقيين المقيمين خارج البلد ، بعد وصفها بأنها مخيبة للآمال.. هكذا قيل ، و وصف خبير قانوني عراقيي الخارج بالامبالاة وعدم الشعور بالمسؤولية ،وقيل ايضا انهم طلَقوا بلدهم ولم يعد يعنيهم امرالتغيير المنشود ، وقيل غير ذلك...
لكن المتتبع لتقارير المراسلين من مراكز الاقتراع يلاحظ كلاما حول حضور مكثف للجاليات العراقية على شكل طوابير طويلة وفي ساعات الصباح الباكر... ترى ما اللذي يدعو هؤلاء المراسلين لنقل الاوهام بدل الحقائق؟
وكيف يمكن الجمع بين الاحديث عن نجاحات باهرة لوفود المفوضية في انجاح عملية الاقتراع وبين النتائج المخيبة للامال ؟
ثم ان اجتماع الاضداد هذا بين نجاح مفوضية الخارج وبين ضعف مشاركة عراقيي الخارج ليس وليد انتخابات 2014 ، فقد حصل نظيره في الدورات الانتخابية السابقة ، وفي وقتها تعالت اصوات بعض النواب منادية بألغائها لانها لا ترقى الى مستوى الجهود و الاموال المبذولة بأزائها ، لكن وقفت بالضد منها اصوات اخرى معللة عدم مشاركتهم في الانتخابات يجعلها ناقصة وغير وافية للأغراض التي تنظم لأجلها؛ وان كانت بنسب قليلة .
والان وبعد نهاية العرس الانتخابي كما يسمونه ،وبعد افتضاض سوق عكاظ وافتراق جمع المتبضعين بحصصهم ، ولا ضير في ذلك في مقابل الجهد الجهيد الذي قاموا به ، لكن باعتبار ان السيناريو اصبح مكررا ومملَا وبنفس الحوارات السابقة من ان انتخابات الخارج لم تؤتي الثمار المرجوة قياسا بالتكاليف الباهضة التي تتحملها الحكومة ، حيث وصلت الارقام بحسب تقديرات الخبراء الى حدود 150-$- للناخب الواحد ، في بلد بحاجة الى صرف هذه الاموال في موارد اهم، فالموقف من انتخابات الخارج يتطلب هذه المرة تشريعات اكثر جدية تجعل مصلحة البلد هي العليا . اذا ما لاحظنا الكثير من دول العالم المستقرة لا تقيم وزنا لانتخابات الخارج ،و تكتفي بفتح سفاراتها لمن يشاء ان ينتخب ، بالاضافة الى تقنيات الانترنيت الحديثة والمتاحة للجميع اينما كان ومن دون تحديد يوما بعينه .
وبدل من مناقشة الاسباب الحقيقية من وراء عزوف عرقيي الخارج عن المشاركة ، ومن ثم الوصول الى قرار بتقليصها اوالغائها ، يلاحظ العكس تماما وهو التوسعة في نطاق بلدان المهجر والتوسعة في مراكز الاقتراع داخل المدينة الواحدة ، ووصل العدد الى العشرين دولة والمراكز تعدت المائة ؛ بناء على توصيات اعتباطية غير مدروسة تتحدث عن بعد مراكز الاقتراع عن سكن الناخبين ،وهذا يعكس الخلل في تقييم الاسباب التي تجعل المواطن في الخارج غير مهتم بالانتخابات ، وبالنتيجة تأتي الحلول لتفاقم المشكلة بدلا من حلها ، والا كيف يعقل فتح مركزان انتخابيان لا تتجاوز المسافة بينهما العشر كيلومترات بين ليدكم و فيرفيلد في بلد مثل استراليا تتوافر فيها وسائل النقل الخاصة والعامة. اذن المشكلة ليست في عدد الكيلومترات وانما هي عوائق من نوع اخر بحاجة الى رصدها ومعالجتها ان كانت هناك نية للاصلاح ، ومن المفترض باللجان التابعة للمفوضية ان تعمل على دراسات ميدانية حرفية للوقوف على اسباب ودواعي الخط المنحني النازل في نسب المشاركة من انتخابات الى اخرى ، ثم تقديم المشورة للاستفادة منها في الانتخابات القادمة . اما اذا تحولت القضية الى دكاكين للاسترزاق فيكون الموضوع خارج مستوى هذا المقال.
هناك مجموعة نقاط تدور في خلج كاتبها كعراقي يعيش خارج الوطن يمكن طرحها على اساس كونها اسباب تشكل عائقا امام المواطن العراقي المقيم في الخارج او من اصول عراقية من الادلاء بصوته في الانتخابات:
1- من الاسباب التي تدعو العراقي في الداخل الى الاقتراع هي الامل في وضع حد للتحديات العظيمة التي تواجهه في حياته اليومية من الوضع الاقتصادي المتدهور ، والفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة ، والحالة المتدنية للخدمات الاساسية ،ويفوق كل ذلك التحدي الامني الذي يهدد حياته في اي لحظة .. لكن اين كل ذلك من العراقي الذي يعيش بعيدا عن كل تلك التحديات ، ما اللذي يجبره على الذهاب الى مراكز الاقتراع سوى الاحساس بالانتماء الى الوطن الام ليس اكثر .
2- طريقة التفكير عند عراقي الداخل وعراقي الخارج مختلفة تماما ، ففي الوقت الذي يحلم الثاني بحكومة مشابهة لحكومة البلد الذي يعيش فيه على الخصوص في بلدان اوروبا واميركا واستراليا ، تتحكم في الاول نوازع الانتماء الى القبيلة والمذهب والدين مما يشكل عاملا مثبطا عند عراقي الخارج من المشاركة لعدم الفائدة من تحقق حلما بعيد المنال.
3- وتتفرع عن النقطة السابقة حالة المشهد العراقي وانقسامه الى مناطقية و قومية ومذهبية فالاكراد في الشمال والسنة في الغرب والشيعة في الوسط والجنوب ، اذ لا يمكن تصور ان الكردي يختار شيعيا لكفاءته ، او الانباري للكردي ،اوالنجفي للسني مع الاحترام الشديد لوحدة شعب العراق بكافة الوانه ، وانما ينتخب من قوميته اومن مذهبه ، وتتحكم في كل هؤلاء الاحزاب القومية والدينية بشكل مطلق مما يجعل الامور محسومة مسبقا على اساس مناطقي ، الامرالذي يصور الوضع عند النخبة من عراقيي المهجر الى ما اشبه بالحالة المرضية الميؤس منها ،وتجعل من مشاركته بالانتخابات ليس اكثر من القيام بعمل عبثي لا جدوى منه ، اذ من الصعوبة بمكان ان لم نقل باستحالة الوصول الى الدولة المدنية التي تعتمد الكفاءة في ادارة البلد بغض النظر عن خلفية من تفرزه الاصوات وانحداره العرقي او الديني .
4- حالة عدم الاهتمام بنتيجة الانتخابات مهما كانت تمثل ظاهرة لقطاع كبير من الناس بالنظر لوضعه المعيشي الخاص والذي لا يتغير بتغير الاحزاب الحاكمة ، او نتيجة موقف عدائي من الوضع السياسي ككل ،او لاسباب اخرى ، ولذا تفرض الحكومات غرامات مالية في حال عدم المشاركة للحد من تلك الظاهرة . هذه الظاهرة تلقي بظلالها على عراقي المهجر ايضا فيفضل عدم المشاركة لانعدام اهمية النتيجة بالنسبة له ،ولا توجد غرامات تفرض عليه ، اذن ما اللذي يلزمه لخوض انتخابات تحدد شكل حكومة لا تعنيه .
5- دراسة بلدان المهجر كل على حدة وفق التنوع السكاني ومدى تأثير ذلك على نتائج العامة للانتخابات ؛ اذ الملاحظ ان نسب اعداد الناخبين في الخارج غير مؤثرة على مجمل الاصوات في الداخل العراقي ، وهذا امر ظاهر للعيان ففي استراليا مثلا وبالتحديد في مدينة فيرفلد ذات الاغلبية الاشورية ، هؤلاء ستذهب اصواتهم في الاغلب الى المقعد الاشوري او الكلداني ، وما تأثير ذلك على مجموع الاصوات في العراق !!
هذه مجموعة اثارات ليست اكثر من ذلك لجلب انتباه المعنيين بالشأن الانتخابي علَها تجنبنا سيل التهم والشتائم الموجه الينا عقب كل دورة انتخابية .