امثال مقدسة : الجمل وثقب الابرة

احمد الكناني
2014 / 5 / 10


قيل ان الامثال تضرب ولا تقاس ، لان المقصود من ورائها الحكمة وجوهرالقصة وهو المصحح لتعدية المثل من واقعة الى واقعة اخرى ’ فلا تقاس احداهما بالاخرى .
لكن هل ينبغي التزام الحرفي بالمثل كما ورد في الاصل من دون ادخال تعديل عليه فيما لو اريد الاستشهاد به ؟
بالتأكيد نعم ، لابد من التقيَد به حرفيا .
والسؤال الاهم : ماذا لو نقل المثل من لغة الى لغة اخرى ؟


هنا يلاحظ جوهر القصة من دون النظر الى الالفاظ اذ لكل لغة خصوصياتها ، ونقل الالفاظ من لغة الى اخرى من دون ملاحظة تلك الخصوصيات خطأ كبير.
ولتوضيح الفكرة يمكن الاستفادة من المثل القائل : " كناقل التمر الى هجر " الذي استشهد به الامام علي في احدى رسائله الى معاوية حيث جاء فيها :" فلقد خبأ لنا الدهر منك عجبا اذ طفقت تخبرنا ببلاء الله تعالى عندنا ونعمته علينا في نبينا ، فكنت كناقل التمر الى هجر "
ونقرأ ايضا في قصيدة الغضب الخلاَق لشاعر العرب محمد مهدي الجواهري :
وناقل التمرعن جهل الى هجر كناقل الشعر موشيا الى اليمن

وروي ايضا النقل الى خيبر لا الى هجر كما في البيت المنقول عن النابغة الجعدي :
وإنَّ امرأ أهْدَى إلَيْكَ قَصَيْدةً كَمُسْتَبْضِع تَمْرَاً إلَى أرضِ خَيْبَرَا.

وكذلك حسان بن ثابت :
فأنا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا الى اهل خيبرا

والخارجة بن ضرار المري :
فأنك واستبضاعك الشعر نحونا كمستبضع تمرا الى اهل خيبرا

وسواء كان المكان هجر اوخيبر اوالبصرة فالمهم هو نقل التمر الى الاماكن التي تشتهر بكثرة انتاجها للتمر ، وفي العامية يقال كبائع الماء في حارة السقائين ، والملاحظ من الاستشهادات المتقدمة ان المثل يضرب لمن يضع الشي في غير موضعه و يقوم بعمل عبثي لا فائدة منه ،كأن يصدر بضاعته الى المكان الذي تشتهر به، وهذا هو معنى ومؤدى المثل، اما الالفاظ الواردة في المثل كالتمر وهجر اوخيبر فهي ليست دخيلة في المثل بقدر ما تقتضية الصياغات اللفظية للغة التي جاء بها المثل.
ولو نقل هذا المثل الى الانكليزية لقيل: " كناقل الفحم الحجري الى نيكاسل"، ولو نقل الى الفارسية لقيل: " كناقل الفرش الى كاشان " وهكذا.
ولعل المثل الوارد في الاية 40 من سورة الاعراف " حتى يلج الجمل في سم الخياط " من هذا القبيل ايضا ، لانه ورد بذات الالفاظ وبنفس مضمون القصة بلغة الانجيل وهي غير عربية ، لكن لفظ الجمل في العربية يطلق على البعير ، ويطلق على الحبل الغليظ ،وهو الاكثر انسجاما مع ثقب الابرة من البعير ، ويؤيده القراءة المروية عن ابن عباس حيث نقل عنه : ان الله احسن تشبيها من ان يشبه بالجمل ،يعني ان الحبل مناسب للخيط الذي يسلك في سم الابرة و البعير لا يناسبه . وهذا النوع من التفسير يستحسنه المهتمين بالبلاغة من المفسرين وفي مقدمتهم جار الله الزمخشري ، اذ لا توجد مناسبة او سنخية بين البعير وثقب الابرة سوى انصراف لفظ الجمل الى الحيوان المقرب جدا عند العرب ، اما الحبل وثقب الابرة فأكثر وقعا في النفس من البعير .والمهم في هذا المثل بيان امر يستحيل وقوعه عادة لتقريب فكرة ان المستكبرين والاغنياء لا يدخلون ملكوت السماوات {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ}
و ورد في انجيل متَي :19 ان شابا غنيا سأل اليسوع عن الاعمال الصالحة فأجابه " ان اردت ان تكون كاملا فأذهب وبع كل ما تملك ووزع على الفقراء ..." هنا قال اليسوع لتلامذته " الحق اقول لكم انه من الصعب على الغني ان يدخل ملكوت السماوات ، وايضا اقول : انه لأسهل ان يدخل الجمل من ثقب ابرة من ان يدخل الغني ملكوت الله .." .
وعليه فبعض الامثال في لغته له خصوصية الافهام قد يفقدها اثناء انتقاله الى لغة اخرى ، والشواهد على ذلك كثيرة قد تدخل في باب اللطائف المضحكة لاناس استعملوا المثل في لغة اخرى من دون الالتفات الى خصائص تلك اللغة .
ارجوا ان تكون الفكرة قد وصلت .