ملحوظات على لقاء وحوار السيسي

محمد طلعت
2014 / 5 / 9

بغض النظر عن الإعجاب أو عدمه من قبل المؤيدين أو حتى الرافضين للسيسي.. سأقول كلمة حق قد لا يقولها أحد - أو بمعنى أصح لم يلتفت إليها أحد- خاصة وإنى انتظرت أن أرى مقولة رشد فيما سمعته ورأيته من لقاء السيسي مع الإعلاميين أو في حواره التليفزيوني مع لميس الحديدى وإبراهيم عيسى.

وسوف ابتعد عن كل اللغط والهراء والمقولات الساذجة من قبل كاريزمة السيسي أو المقولات الحاقدة التي لا ترى في الرجل أى حسنة.

وأقول إننا أمام شخص فاهم ما يقول، ويجيد اللعب في المنطقة التى يحتكرها. يعرف ما يراهن عليه وواثق من الفوز به. عازف جيد على الوتر الذي يحبه المصريون.

لكن بين اللقاء والحوار وجدت ساقطة وقع فيها السيسي، وبلهجة أكاديمية أقول هناك أكثر من ملحوظة تأخذ على السيسي. فهو في لقاء الإعلاميين المذاع على هذا الرابط:
(http://www.youtube.com/watch?v=4zZ8Kzf7T3Y )
فى الدقيقة:6:00، يخونه ذكاؤه، ويقول ما لا يجب أن يقال حول ضرورة تمرير بعض "سيل من المعلومات" من قبل الدولة للإعلام لتشكيل وعي الشارع المصري، وهذا لمصلحة وخدمة الدولة.!

وفي الدقيقة:10:00، يعترف اعترافا ضمنيا بأن ما حدث في مصر والذى أوصلنا إلى عزل الإخوان، أنه تم من خلال تشكيل الرأى العام في مصر للوصول إلى 30 يونيو ومنه تم تشكيل الرأى العام لعدم قبول عودة الإخوان مرة أخرى.

وفي الدقيقة: 18:00 يتحدث حول أن الحكم في مصر الآن لن يكون للنظام بل سيكون الحكم للرأى العام، ومن هنا وجب تشكيل الرأى العام المصري وتمرير الرسائل الإعلامية له من قبل الدولة لمصلحة الدولة في المقام الأول...

هذا الكلام خطير جدا، وهذا ما سبق وقد كتبت عنه. في مصر لا يحدث شيء بالصدفة، ودور الإعلام في مصر ما بين 25 يناير إلى 30 يونيو ساهم بشكل كبير في تحريك الشارع المصري لهدف معين من تصحيح وضعية يسقط حكم العسكر إلى تحويله تسلم الأيادي فضلا عن اللعب على وتر الوطنية لتهيئة المناخ العام في مصر للنفور من كل ما يعزف ضد النغمة العامة السائدة في الإعلام في ذلك الوقت، وليس المقصود طبعا هنا بإعلام الفضائيات، إنما تم استغلال كل منفذ في مصر حتى الجدران لبث وتمرير رسائل إعلامية لتجييش الناس مع شيء ضد شيء آخر، وكانت الغلبة لمن أجاد وعرف استخدام كروت اللعبة جيدا في الواقع المصري، وهذا ليس عيبا إنما هو عين الذكاء السياسي ..

إذن بالاعتراف الذى بدا بين الحروف على لسان السيسي، ومطالبته من الإعلامين الاستمرار والتأييد والبقاء على استكمال اللعبة.. ناهيك عن أن الإعلاميين أنفسهم يطلبون ميثاق شرف أو عقد إعلامي ينص على ذلك الاتفاق الضمني بين الإعلام وبين الدولة حول ما فيما يتم تمريره وما لا يتم تمريره.

إذن نحن أمام منظومة إعلامية تابعة وتقدم خدماتها المجانية للرئيس الجديد، وأمام دولة تفرض وصايتها على شعب فيما تعطيه له من معلومات وتوجيهات.. وبالتالي فنحن بصدد سنوات قادمة سوف يتم تشكيل وعي المصريين إعلاميا في حالة فوز السيسي رئيسا. وهنا السؤال والخطورة في حد ذاتها، فماذا سوف يمرر للشعب المصري؟ وما هي الأرضية التى يتم عليها تشكيل وعى الشعب المصري؟

والأكثر خطورة من ذلك وعي السيسى نفسه بأهمية تشكيل وعي المصريين وهنا النقصية الفكرية لديه، حيث اختلط عليه الأمر بأن تشكيل وعي المصريين لن يتم من خلال الإعلام وحده لأن منظومة الإعلام (وهذا عرف عالمي) غير محايدة، إذ يتم تجييش الناس سواء تحريضا أو تأييدا للحظة محددة. وبناء على هذا فلن يقدم الإعلام الصورة المثلى لتشكيل الوعي لسنوات طويلة ويجب أن يضع في اعتباره أن هذا لن يتم إلا من خلال منظومة التعليم أولا وأخيرا لتغيير وعي المصريين منذ مراحل التعليم الأولى حتى الجامعي. بهذا يضمن إنتاج جيل على درجة عالية من الوعي إذ أراد.. أما ما يطلبه من الإعلام فهو إدراك لحظة ما وسرعان ماينتهى مفعولها بانتهاء اللحظة نفسها وغالبا ماينتهى الأدراك هذا بكوارث وقد أثبتت التجربة الإعلامية في مصر في عهد الناصرية أو في عهد مبارك بتغيب وعي المصريين وليس تشكيلا لوعيهم.

أما عن الحوار التليفزيوني في الجزء الأول والثاني وهو على الرابط التالي:
( http://www.youtube.com/watch?v=bcsZOZPJHf4 )
(https://www.youtube.com/watch?v=QPO2ggxTyRM)
فقد جاء تأكيد على مقولات السيسي السابقة في اللقاء مع الإعلاميين بوجوب تشكيل الرأى العام في المقام الأول والأخير لضمان وضعية استقرار البلد والحكم في المرحلة القادمة.. مدة عرض الحوار أكثر من 200 دقيقة، تؤكد كلها على دور الإعلام في المرحلة القادمة في تجييش مشاعر الناس الوطنية والعاطفية نحو مصر والسيسي، وهذا ما لم يفلح فيه المذيعان(لميس وإبراهيم) فقد فشلا في تقديم الصورة المطلوبة منهما في إظهار الرجل على حقيقته بل تعاملا معه وأنه الرئيس بالفعل، فلم يكن إبراهيم عيسى في مستواه، وبدا أكثر من مرة يخرج عن الإطار الموضوع مسبقا، ويلجمه السيسي أكثر من مرة، فإبراهيم يعرف الكثير من كواليس ما يتحدث عنه السيسي في تشكيل الرأى العام، والعودة به لحضن الدولة الوطنية على حساب دولة الإخوان، وعيسى واحد من الإعلامين الذين لعبوا هذا الدور باقتدار أو بمعنى أدق كان واحدا من الذين تم تمرير له سيل من المعلومات ليقدمها للرأى العام لخدمة ومصلحة الدولة.. أي بدا عيسى "يتحنجل" بما يعرفه، لكن السيسي كان دائما يلقمة حجرا من علامات الحزم التى تبدو على حديثه بين الحين والآخر.!

الحوار ككل لم يكن في مستوى التوقعات المرجوة من هذه النوعية من البرامج الرئاسية. فانتهت الدقائق المائتين ولم نخرج سوى بالمزيد من إعجاب العامة المعجبة بالأساس بحالة السيسي. أما عن البرامج والمشروعات فكان الحديث هلاميا يستدعى فيه السيسي قوى الخير ضد قوى الشر في عالم مثالي يدفع فاتورته عموم المصريين من بسطاء الحال كما كان الحديث عن حياة السيسي الشخصية وعلاقاته بالشارع المصري والحي الذى ولد فيه. أحاديث فشلت هى الأخرى في تقديم الرجل كما ينبغي.
وعلى أية حال الحوار ككل مرصودومسجل إن صدق أيديناه وإن خلف نذكره وإن لم يستجب نخلعه أو سوف يعزله الجيش بالإرادة الشعبية.!

قد جاءت أغلب الدقائق المرصودة بين اللقاء والحوار التي دارت حول التجليات الإيمانية والظهور بصورة التقى الصادق الأمين المؤمن إلخ إلخ...

سبق وقلت في مقال سابق إن السيسي يمثل حالة أو ظاهرة اجتماعية في حد ذاتها ويجب دراستها، ومنها سوف نتطلع على أبعاد وتفاصيل الشخصية المصرية الحالية خاصة الشخصية التى تعلمت ودرست داخل عمق الدولة المصرية وتمتعت بالعديد من المزايا والمنح سواء الوظيفية أو المالية، ومنها تشكل وعيه على خلفية الإحساس الوطني العالى مع الإحساس الديني الأقرب إلى الصوفي أو إن صح القول الأزهري "المودرن" الذى كان يمثله لنا كـ"قدوة" السادات فيما قبل. هذه الشخصية التى تفرض على نفسها وعلى المحطين بها نوعا ما من هيبة السلطة سواء سلطة الدولة أو سلطة الدين معا.. أو بمعنى أقرب ذلك النموذج الذي يمثله أثرياء مصر الاتقياء، الذي ظهر لهم قطيع من المشايخ الذين يقدمون ما يريده أهل الصفوة والحظوة من رجال الثروة والمناصب، يقدمون لهم الحلال في امتلاك جنة مصر وخلطها بجنة الله..!

تلك الصورة التى طالما رأينا عليها الرئيس المؤمن، وهى في واقع الأمر سطحت معنى التدين والإيمان في الواقع المصري.. والسؤال الآن ما فائدة تكرار هذا النموذج الذي يصر السيسي على الظهور به في كل لقاء أو حوار؟!

وبقت كلمة أخيرة لبهاليل ودروايش السيسي نقولها بصدق: إن نقدنا للمرحلة أو الحالة التي يمثلها السيسي ليس هدفنا في كل الأحوال بل هي رغبة منا في إعطاء السيسي نفسه جملة من أدوات التصويت والتصحيح والترشيد وإعادة البناء، ولا أتردد في القول إن في تجربة مصر الحالية ومستواها الفكري أمر لهو خطير ويحزن أولي الألباب، فالأمر لا يحتمل أي تجريب بالخطأ بما يستدعى ذلك منا جميعا النقد، لأن الصمت أو المشي مع قطيع التطبيل فهو الشكل الآخر من الكيد وإضمار الشر لهذا الرجل ولمصر ولو بشكل غير مباشر. فتعلموا النقد والبناء من أجل بلادنا.