نقد الفكرالمهادن مرّة أخرى

وليد الفاهوم
2014 / 5 / 6

نقد الفكر المهادن مرّة أخرى
وقف العقل مرّة على الإشارات الضوئية، وهل يقف العقل ؟ وهو يعمل حتى وإن كان صاحبه نائما ! لكن أرادوا له أن يقف ! فوقف مسايرة، وليعرف آخرتها . قالوا له : أمرق عند الشارة الخضراء ! وقف عند الحمراء ! وهذا هو النظام . قال: كيف يكون ذلك وفي الصين يقفون على الإشارة الخضراء ويمرّون على الحمراء ؟ قالوا : أنت لست في الصين ! هنا نظام آخر ... قال العقل : أنا أبُ النظام ، أنا الذي وضعت كل هذه الأنظمة، ووضعت لكل ما يناسبه، ويناسب عاداته وتقاليده أو التي صارت من العادات والتقاليد مع مر الأيام .. أنا باني كل هذه الأشياء، أنا خلقها بعد الله ! وهل يقف العقل الأكبر عند شارة ضوئية ؟ وهل يقف الله عند شارة ضوئية اخترعها قبس من نوره ؟ أنا هو ذلك القبس الذي لا ولن ينطفئ كنار المجوس .
لقد كان وما زال هذا الجدل، منذ اختراع الشارات الضوئية ، وكل الأنظمة التي تحدد سلوكيات البشر، ومن قبل ايام المعتزلة بكثير ... ومنذ آدم وحتى ما قبل آدم بألف ألف آدم ! كما قال أحد علماء الشيعة في نقده للرواية التوراتية بخصوص الخليقة . بأن عمرها ما يقارب العشرة آلآف سنة، بحسب التسلسل التاريخي لبني آدم ، وهل التوراة كتاب تاريخ ؟ ثم تابع رجل العلم قالئاً : بأن الخليقة كانت حتى قبل آدم بألف ألف آدم، وبأنها كانت منذ مليون أو مليوني عام كما يقول العلم والحفريات في أفريقيا الوسطى حتى اليوم . فهل تعرفون لماذا قال الشيخ هذا الكلام ؟ لأنه أعمل العقل والعقل النقدي حتى في النصوص المقدّسة، ولم يغلق باب الإجتهاد، واحترم العلم، وتحفظ من الإسرائيليات التي اخترقت الإسلام .. والتي تدّعي بأن الخليقة بدأت منذ ما يقارب العشرة آلاف عام ! بموجب التاريخ الديني الذي سجّله أحبارها على مدار أكثر من خمسمئة عام . لست شيعياً ، ولست سنياً متعصباً ... لكنني أحمل ما بين كتفي رأساً يفكّر باستمرار، وذو عقل ناقد للعقل ذاته ! لا يؤمن لا بثقافة القطيع، ولا بالخزعبلات ، ولا يحترم "المثقف" العامي الجاهل، الخوّاف من ثقافة القطيع، ومن كبش القطيع، ولا بطاعة وليّ الأمر، على العمياني، ولا أعاني من العقد الذكورية النرجسية ولا من سطوتها، ولا من سطوة ما شوّه الأديان السماوية، ولا من ذكورية الله التي ألصقوها به زوراً وبهتاناً، ولا أحتكر الحقيقة المطلقة، فأنا في قلب الله والله في قلبي، لا أخافه إنما أحبه لكثرة ما بيننا من انسجام ! أقول كلمتي ولا أمشي.. والعظمة أن تقول ما تعتقد، وأن تمارس ما تعتقد به حتى لو كان كل ما حولك مغايراً، وحتى لو كانت كل النزعات المذهبية والدينية في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية مغايرة. وواضح بالنسبة إليك أنها من صنع البشر، من صنع الفكر الديني البشري .. وهي نتيجة حتمية لطغيان هذا الفكر الديني البشري الإقصائي والإرهابي . من خلاله دخل الإستعمار والصهيونية، تعاونه الرجعية لكي يستمر التخلّف والشطط الديني . الخادم الأمين للإسلاموفوبيا ! ولو لم يجد هذا الإستعمار وتلك الصهيونية تربة خصبة لهما لما استطاعا التسلل والإختراق والتسلّط . الغرب ينمي النزعات والنزاعات المذهبية، يغذي التيارات الإسلاموية في الظاهر وفي الباطن، وفي كثسر من الأحيان على المكشوف .. ويستخدمها لأطماعه وطموحاته .. وحين تتضارب المصالح يضربها ببعضها البعض .. ينشر الديموقراطية ويصادق الدكتاتوريات الثيولوجية والعلمانية والملكية والملكية الدستورية ... ليضرب كل من تسوّل له نفسه أن يقول : لا . يناصر "الديموقراطية" في كل من السعودية الوهابية وقطر التي تقطر ديوقراطية إخوانية والإمارات التي تفوح منها عطور الليبرالية .. ويحافظ على الكراسي والعروش المتشاكسة والمتنافرة ليُبقي على سيطرته . فبدل أن تكون التعددية المذهبية نعمة تصبح نقمة . وليسود التشتت والفرقة وليطغى الجهل ، وليكون بدء التاريخ من جديد بالأميّة السياسية والإجتماعية والتخلّف وانعدام الوعي . إقرأوا معي ماذا يقول أحد الفقهاء العلمانيين المتذبذب بين العلم والإيمان المتسعود : "لا عاقل راشداً مؤيداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ، ولكن هذا لا يعني أن السياسة الأمريكية سياسة إمبريالية ، جاءت لإحتلال الشرق الأوسط ، وسلب خيراته ونهب بتروله ، كما كانت الدول الإستعمارية مطلع القرن العشرين . " أولاً "لا عاقل" . معنى ذلك أنني وكل من لايوافق على هذه الترهات مجنون ، وثانياً أن أمريكا غير إستعمارية ... والمصيبة أن أخانا هذا علماني ويمجّد العقل ويدعي "أن التاريخ الحقيقي للإنسان لا يبدأ إلا مع ظهور الوعي" ، فعن أي وعي يتحدّث هذا الواعي ! ؟ أعن وعيه بالدنانير أم عن وعي الجماهير الغفورة جداً ؟ وهل هذا فكر مهادن أم فكر مزيّف للوعي ؟ أم كلاهما ؟ ويتابع أخونا في العقل : "أن أمريكا في 1991 دافعت عن الكويت وحررتها ". ممن ؟ من صدام حسين الذي شنقته أمريكا وأزلامها ، يوم عيد الأضحى بعد غزو العراق سنة 2003 ، تحت راية لاإله إلا الله ! لم أكن مع سياسة صدام في يوم من الأيام ، لا في حربه مع ايران ولا في حرب الخليج الأولى ولا في الثانية ، ولكنني في الوقت ذاته ضد الإستقواء لا بالدين ولا بالأجنبي ! أتساءل : وهل الوضع في العراق أفضل اليوم ؟ ويتابع لا فضّ فوه : "فماذا جنت أمريكا ؟ هل أخذت قطرة بترول كويتية واحدة مجّانا ... ؟" لا يا روح قلبي ! أليس الإحتكار أشد ؟ وهو الذي يفرض السعر بقوّة قواعده في السعودية وفي كل دول الخليج ، وفي الشرق الأوسط واحة السلام !
وبعد ، ما دمنا في سيرة الإستقواء بالخارج ، فإن أخانا في الدين ، يأتينا بمثل عن الرسول الكريم ، من أنه استقوى بالأنصار من أهل المدينة المنوّرة على أبناء جلدته وعشيرته من قريش، وأن عبد الناصر اسقوى بالخارج لردع العدوان الثلاثي عام 1956 ، كما واستقوى الأفغان بالولايات المتحدة وأوروبا لصد العدوان الشيوعي ؟؟؟ ولنتابع من عندنا : وكذلك استقوى الثوار الليبيين بالغرب وبحلف الناتو ، والثوار السوريون بقطر وبالسعودية وبالسلاح الأمريكي والفرنسي والبريطاني ... وبالقاعدة وبالإخوان المسلمين "ضد بعض حكامنا الهمج المتوحّشين !" حيث لم يجد هؤلاء الثوار غير الإعلام القطري والجزيرة والإعلام السعودي والعربية وحوالي ثمانمئة فضائية أخرى تبث إلى جميع أرجاء العالم وتترقوص على أنغام سيدة العالم . وبعد أيضاً ، فما هذا الخلط في الزمان والمكان والظروف والعقائد وفقه التلوّن ؟ وهل يقارن الرسول عليه السلام ، وعبد الناصر ، بالجيش الحر أو بجبهة النصرة أو بالقاعدة ودولة العراق والشام ؟ استقوى الرسول بالمؤمنين على أعدائهم ومن أجل الدعوة ، التي فضّلها على العصبية القبلية. واستقوى عبد الناصر بالسوفييت من أجل أبناء شعبه، ومصالح بني قومه، والمحافظة على إنجازاته في الإصلاح الزراعي وبناء السد العالي، وصموده في وجه العدوان الثلاثي . فأي خلط هذا يا صاحب العقل ؟ والتدخل الأجنبي في ليبيا جاء نتيجة للقصور العربي والإسلامي بوضع حد للقذافي ! هكذا ! فماذا نقول عن عدم تقصير حكام العرب والمسلمين والمتأسلمين والإسلامويين بالشأن السوري ؟ ! وصاحبنا الذي يؤمن بآخر الدواء ، يقول : "أن لا شفاء إلا بالكي بالنار الغربية" ، ولا يدري أنه كالمستجير من الرمضاء بالنار ! ولا يكف إلا بعد الإشتشهاد بقول روزا لوكسيمبورج، الشيوعية، شهيدة الطغيان الألماني ، ليبدو أنه يساري أو تقدّمي : "أن الثورة لا يمكن التنبؤ بها ساعة واحدة قبل اندلاعها"، وهي تتحدث عن الثورة البروليتارية ، بمعنى أن ساعة اختمارها ونضوجها غير معروفة . اما هو فيتحدث عن ثورات الفوضى الخلّاقة ! وعن الربيع العربي، وعن ثورات الشرق الأوسط الجديد ذات المقاس الإسرائيلو-أمريكي! التي لا اختمار فيها ولا نضوج ، إنما ستولد طرحاً ، هذا إن ولدت ، لأنها هجينة عاقر . هذا هو الواقع ، والذهان أن نفقد صلتنا بالواقع ! واقع الجوع والجهل والمرض ، واقع التضحية بالشعب من أجل الكرسي والعرش ، واقع الظلم والإستبداد، واقع التخلّف والشطط الديني ، واقع التعصب الديني والمذهبي وعدم قبول الآخر المختلف . ومن يقول كصاحبنا بأن الديموقراطية لا تصلح للجياع ولا تتأصل إلا في بلاد الوفرة غلطان ، وستين غلطان ! لأنها أولاً وقبل كل شيئ تؤمن حق التعبير وحق الخبز للجميع ، وحقوق المرأة ، والعدالة الإجتماعية . وهي تختلف في تطبيقاتها من بلد لآخر بحسب ظروفه وثقافته ومدى وعي ناسه . الديموقراطية تربية واستعداد وحاجة ، وهي ليست لعبة بيد أمريكا وإسرائيل، تتسلى بها علينا ، وتأتينا بها على ظهر دبّابة ! هي عملية إنماء وليست أداة تدمير . أتذكرون موجة اغتيال علماء الذرة والكيمياء والفيزياء في العراق وخارج العراق إبان الإحتلال أو الغزو سنة 2003 . الديموقراطية والليبرالية عملية إنماء تراكمي . أتذكرون حادثة تدمير الباص الذي أقل أربعين طياراً ومساعد طيار في السنة الأولى من الحرب الكونية ضد سوريا ؟ جاء في التقرير السنوي الإقتصادي لمجلة الإقونومست 2011 أن معدل الدخل اليومي للفرد في مصر والعراق 8 دولارات أمريكية ، وفي سوريا 7.. وفي اليمن 5.. وفي إسرائيل 80 دولار ! ومؤخراً نعلم أن دخل الفرد في غزة المحتلة 3% من دخل الفرد الإسرائيلي ! فهل هذا الفرق الهائل جاء من السماء، ويدلنا فقط على أن الإسرائيليين مجدين ومجتهدين وخلّاقين ومبدعين و... شعب الله المختار بالجينات ؟ وأن العرب والمسلمين اتكاليين تبعيين غير مبدعين ... أم أن هنالك من وما يعيق تقدمهم ويشتت شملهم ، ويفسد فيما بينهم ، ويثير الصراع فيما بينهم دينياً ومذهبياً حاضرة وبدوانا ... ولمن يدّعي أن "بنية الفكر العربي اتباعية وليست ابداعية"، أحيله إلى منسوب العلماء العرب ، الذين ماتوا ، والذين تمّت تصفيتهم بدم بارد ، أحيله إلى موضوع هجرة العقول والأدمغة العربية إلى الغرب ، وأحيله إلى تاريخ القرون الوسطى ونقاط الضوء في تاريخ العرب المسلمين منهم والمسيحيين . فلالتقدم أسباب ولالتقهقر أسباب ... والمسألة ليست مسألة جينات ، ولا مسألة موروثات ! فالعقل النقدي ينمو ويترعرع حتى في أشد ساعات الليل حلكة، وهي التي تسبق طلوع الفجر . أما العقل النقلي المهادن فلا بد أن يكون القرن الواحد والعشرين خريفه ! وفي القرن السابع لم يهادن عمر بن الخطاب (رض) أصحاب سهم المؤلّفة قلوبهم وتجرأ وعطّل النص القرآني بخصوصه وبخصوص إلغاء حد السرقة في عام الرماد، كما وولّى إمرأة على السوق . وبعد ، أليس لنا في ذلك أسوة حسنة ؟