المصالحة والمجتمع المدني

محسن ابو رمضان
2014 / 4 / 29

المصالحة والمجتمع المدني
بقلم / محسن ابو رمضان

نظرت منظمات المجتمع المدني بخطورة بالغة لحالة الانقسام السياسي والجغرافي الذي جرى في حزيران /2007، واعتبرته انتكاسة حقيقية لدى النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته وعناصره ، سواءً فيما يتعلق بالمؤسسات التابعة للسلطة مثل الحكومة والمجلس التشريعي وكذلك للمؤسسات التابعة ل.م.ت.ف .
تكمن خطورة الانقسام ليس فقط ببعده الوطني ، حيث أن دولة الاحتلال كانت ترسم منذ زمن إلى فصل قطاع غزة بالكامل عن الضفة الغربية في سياق منظومة المعازل والباتوستانات التي تنفذها على طريق تحقيق التجزئة والتفتيت لكي يصار إلى استحالة التواصل الجغرافي والمؤسساتي الذي يشكل الأرضية والآلية للدولة الفلسطينية المنشودة، بل تنبع خطورته أيضاً بانتكاسة الحالة الديمقراطية من خلال تقليص مساحة الحريات العامة بما يتضمن سلسلة القرارات والقوانين التي أدت إلى تحجيم حق الجمعيات الاهلية بالعمل والحق بالتجمع السلمي والصحافة الحرة وكذلك فيما يتعلق بالحقوق الاخرى ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال تعطيل مؤسسات العمل الديمقراطي التي تلعب دوراً حاسماً بالرقابة والمسائلة في ظل ضعف الشفافية ، كل ذلك في اطار سيطرة الحزب الحاكم لهذه القوة في هذه المنطقة أو تلك .
وبناءً على إدراك منظمات المجتمع المدني لمخاطر الانقسام على الحركة الوطينة ومستقبلها إلى جانب تراجع تجربتها الديمقراطية بصورة كبيرة ، قامت بالعديد من الفاعليات والانشطة وحشد الرأي العام باتجاه المطالبة بانهاء الانقسام واستعادة الوحدة كان ابرزها في مارس /2011 ، والتي تزامنت مع نشاطات الحركة الشبابية تحت شعار " الشعب يريد انهاء الانقسام".
إلا أنه رغم الانشطة والائتلافات والاطر والمساعي والمحاولات وآليات الضغط والتأثير فقد استمر الانقسام لأنه تجذر وتمأسس وأصبح له تشعباته وارتباطاته وعلاقاته الاقليمية والدولية التي عملت على ترسيخه وتعزيزه في ظل استمرارية الرهان السياسي على العنصر الخارجي سواءً على المفاوضات أو على مآلات الحراك الشعبي العربي الذي افرز في احدى محطاته صعود قوة تيار الاسلام السياسي ، الأمر الذي عزز من الانقسام بسبب الرهانات الخارجية وبسبب مأسسة المصالح التي تولد من خلالها نخب وشرائح له منفعة مباشرة في إدارة الانقسام واستمراريته .
من المفيد إدراك أن اتفاق المصالحة الأخير الذي تم الاعلان عنه في غزة قد جاء بسبب المتغيرات الهائلة في توازنات القوى، حيث وصل الرئيس عباس إلى نتيجة مفادها تعنت اسرائيل بالعملية السياسية وانحياز الولايات المتحدة لها خاصة في ظل استمرارية الانشطة الاستيطانية التي تقوم بها دولة الاحتلال والتي تعيق موضوعياً من فرص اقامة الدولة المستقلة، وقد وصلت قيادة حماس إلى نتيجة مؤادها أهمية تحقيق المصالحة بعدما أحدثت المتغيرات العربية خسائر كبيرة لحركة الاخوان المسلمين وبعد اخراجها عن القانون بالعديد من البلدان العربية ، وقد انعكس ذلك بالسلب على حركة حماس من حيث ضعف الرهان على الحلفاء الذين كان هناك توقع بأن يستمروا بالحكم لفترات زمنية طويلة إلى جانب الأزمة المالية التي اصبحت تعاني منها الحركة .
ورغم هذا الادراك فإن الإعلان عن توقيع اتفاق المصالحة في غزة جاء خطوة هامة ونوعية بالاتجاه الصحيح على طريق وحدة النظام السياسي الفلسطيني واستعادة عافيته وتفعيل بعده الديمقراطي بما يصون من حقوق المواطنين وكرامتهم وذلك بغض النظر عن الدين والجنس والعرق واللغة والاصل الاجتماعي وعلى قاعدة دستور مبني على فكرة المواطنة المتساوية والمتكاملة.
يكشف رد فعل دولة الاحتلال والولايات المتحدة العنيف تجاه المصالحة صحة هذه الخطوة التي يجب أن تسير إلى الامام وبغض النظر عن هذه التهديدات ،فالمدخل الانسب لمعالجتها ومواجهتها يكمن أساساً بالوحدة والتلاحم والفعل السياسي المشترك القادر على الاستمرار في دفع مسيرة الكفاح الوطني لتحقيق أهداف شعبنا بالتحرر والعودة .
لقد كان أحد اقطاب اليمين المتطرف في حكومة دولة الاحتلال " ليبرمان" يعتبر الرئيس ابو مازن بأنه ضعيف لأنه لا يمثل كل الفلسطينيين ، وها هو عندما عاد ليمثل كل الفلسطينيين في الضفة وغزة أصبحنا نسمع تصريحات جديدة عنوانها أنه أغلق باب السلام والمفاوضات بهذه الخطوة، وكأن المفاوضات كانت تسير على ما يرام وقام الرئيس ابو مازن بافشالها، إنه أدعاء مكشوف لا ينطلي على احد وهو تكرار للسيناريو الذي مورس مع الزعيم الراحل ياسر عرفات مع اختلاف اشكاله وملابساته .
لقد تمييز وفد م.ت.ف الذي قدم إلى غزة بالجدية والاخلاص والمرونة واستطاع عبر هذه الميزات من توقيع اتفاق المصالحة مع قيادة حركة حماس ، فهو لم يتمترس وراء جمل او مواقف مسبقة بل كان مرناً ومثابراً ومصمماً على تحقيق الاعلان وذلك عبر الاتفاق على محاور مترابطة ومتكاملة تبدأ بتشكيل حكومة الوفاق الوطني والتحضير لانتخابات بعد ستة اشهر من تشكيلها وكذلك تفعيل الاطار القيادي المؤقت ل . م.ت.ف ، حيث ان ترابط هذه المحاور الثلاث سيقود بالضرورة إلى وحدة النظام السياسي الفلسطيني سواءً السلطة او المنظمة على قاعدة من الشراكة والديمقراطية.
لقد بات ضرورياً وضع المصالحة في سياق الاشتباك السياسي مع دولة الاحتلال وذلك عبر العمل على تغير المسار أي باتجاه اتباع منهج سياسي جديد مستنداً إلى استكمال عضوية دولة فلسطيني بالمحافل والمنظمات الدولية وكذلك توسيع حملة التضامن الشعبي الدولي مع كفاح شعبنا وقضيته العادلة مرتبطاً مع العمل على عزل دولة الاحتلال كدولة استيطان وتمييز عنصري والتي تعمل باستمرار على تجاوز القانون الدولي ووثيقة جنيف الرابعة إلى جانب تعزيز صمود المواطنين وتفعيل المقاومة الشعبية .
إن اتباع هذا النهج الجديد والذي يستند إلى مبادئ حقوق الانسان والقانون الدولي سيعمل على تغيير توازنات القوى على الارض وسيخلق حالة اشتباك سياسي وحقوقي مع دولة الاحتلال لشعبنا يرمي لاستكمال كفاحه الوطني على طريق ،تحقيق اهدافه بالحرية والعودة .
وبالوقت الذي من الضروري ان يعمل اتفاق المصالحة على اتباع منهج سياسي جديد بعيد عن الرهان على المفاوضات كوسيلة وحيدة وعلى الاحتكار الأمريكي لها ، فإنه من الهام أن يتم اتباع منهج جديد ايضاً في إدارة الملفات الداخلية يستند إلى احترام حرية وكرامة المواطنين وضمان حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمدنية واحترام التعددية،وتجنب الاقصاء وتعزيز الشراكة ، حيث ان صيانة هذه الحقوق يشكل المدخل الرئيسي لتعزيز مقومات الصمود الوطني .
لقد بات مطلوباً مراجعة القرارات والقوانين التي تمت أثناء الانقسام خاصة تلك التي تتنافى مع القانون الأساسي ومع معايير حقوق الإنسان والعدالة ، إلى جانب تعميق البعد الديمقراطي للنظام السياسي الفلسطيني على قاعدة المواطنة المتساوية والمتكافئة وضمن أسس سيادة القانون بعيداً عن الواسطة والمحسوبية والعلاقات الزبائنية مع هذه القوة النافذة أو تلك .
من هنا يجب أن لا يقتصر دور المجتمع المدني على المتابعة والترحيب والمطالبة بل يجب أن يتعدى ذلك إلى الحث والدفع باتجاه تنفيذ اتفاق المصالحة بالسرعة الممكنة ودون إبطاء إلى جانب التقدم باقتراحات لصيانة النظام السياسي وتعزيز بعده المبنى على معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية في سياق إستراتيجية وطنية فلسطينية جديدة تعتمد المواجهة بأشكالها الشعبية والدبلوماسية والقانونية على طريق تحشيد الموقف الدولي وتفعيل أصواته الرامية لعزل دولة الاحتلال والمطالبة بضمان حقوق شعبنا بالحرية وتقرير المصير والعودة .