الانتخابات الرئاسية الجزائرية

سمير أمين
2014 / 4 / 21


بين الجزائر ومصر الكثير من القواسم المشتركة الموروثة، منذ عهد بومدين وعبدالناصر. فقد حقق مشروع التصنيع والتحديث الشعبى الوطنى المتماثل فى كل من البلدين تقدمًا اجتماعيًا إيجابيًا مهمًا، ولكن لم يتمكن من تجاوز حدوده، وبالتالى فتح الطريق للارتداد عنه. واستفاد الإسلام السياسى الرجعى من الكارثة الاجتماعية التى أنتجها استسلام نظامى ما بعد بومدين وناصر، إلى وصفات الليبرالية الجديدة. غير أن هذا البديل الزائف المحزن، لقى هزيمة، على الأقل فى الوقت الراهن. ومع ذلك، هناك اختلافات كبيرة بين البلدين جديرة بالذكر.

فقد تعرض مجتمع الجزائر ما قبل الاستعمار، إلى التفكيك من جراء هجمة الاستعمار الفرنسى؛ وتمت إزاحة الطبقة الحاكمة الأرستقراطية السابقة من السلطة الحاكمة تماما. وكانت النتيجة أن تحول المجتمع الجزائرى إلى مجتمع العامة الشعبوى، الذى يطمح مواطنوه إلى المساواة على نحو لم تعرفه الدول العربية الأخرى. وعززت حرب التحرير الجزائرية هذه التطلعات الاستثنائية، بصورة أكبر. وفى هذا الصدد، تختلف المسيرة التاريخية للجزائر عن غيرها. وفى مصر، تولت الطبقة الحاكمة المصرية المنفتحة على البرجوازية الأرستقراطية عملية التحديث منذ البداية، فى زمن محمد على باشا، وإن كانت قد قبلت فى وقت لاحق الخضوع للإمبراطورية البريطانية والنظام الأمريكى.

وفى الجزائر، كشفت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» عن وجهها الإجرامى طوال الحرب الأهلية التى كانت قد بدأتها من تلقاء نفسها. وقد هزمت على يد الجيش والدولة بدعم من الشعب. كما هزمت الدولة الجزائرية، فى عهد الرئيس بوتفليقة، مشروع إنشاء ما يسمى «الدولة الإسلامية» التى تحمل اسم «ساحلستان» فى الصحراء الغربية، على حساب الجزائر ومالى والنيجر. وكان من شأن هذه «الإمارة»، على نمط دول الخليج، أن تحتكر البترول واليورانيوم والثروة المعدنية الأخرى، وأن تنحاز إلى النمط الأمريكى للعولمة.

وانتهج الشاذلى بن جديد، الذى خلف بومدين، نفس سياسات السادات ومبارك المتطرفة: الخصخصة بلا حدود، وتورط كبار الضباط فى نهب ممتلكات الدولة، وتفكيك السيطرة الوطنية على البترول، والانفتاح غير المنضبط على الشركات العابرة للقوميات، والفساد. وكانت الجبهة الإسلامية تعتزم متابعة هذه السياسات، ولكن لمصلحة «الأمراء» حصريا، تماما مثل فعل مرسى. ولكن تم تصحيح هذه السياسات جزئيا فى الجزائر تحت حكم بوتفليقة، بعد الحرب الأهلية؛ مع خطوات استعادة سيطرة الدولة على الاقتصاد والبترول على وجه الخصوص، بما فى ذلك إعادة التأميم، جنبا إلى جنب مع الانصياع للمطالب الديمقراطية والاجتماعية وحقوق الأمازيغ، على نحو أكبر بكثير فعليًا من أى دولة أخرى فى المنطقة العربية. لذا ليس من المستغرب أن تقدم الجزائر دلائل على امتلاكها قدرة، على مقاومة النظام العالمى الإمبريالى، أقوى من العديد من البلدان الأخرى. ولاشك أن الطبقة الحاكمة الجزائرية مقسمة وغير واضحة؛ لكن الطموح الوطنى لا يزال حيا بين العديد من قادتها، على النقيض من مصر، والمغرب، والأردن على سبيل المثال حيث تنحاز البرجوازية المحلية تماما وتخضع للإمبريالية العالمية. ولجميع هذه الأسباب، تعتبر الجزائر عدوا محتملا يعتزم الغرب تدميره، إن لم يكن من خلال نظام إسلامى (وقد هزم) فعلى الأقل من خلال التلاعب بالمطالب الديمقراطية المشروعة، وفى نهاية المطاف انفصال الصحراء ومنطقة القبائل.


فلا يمثل انتخاب بوتفليقة مفاجأة. على الرغم من كبر سنه وحالته الصحية، حيث تدعم الأغلبية خطته لإنعاش البلاد، وترفض بالتأكيد عودة الإسلاميين. فضلا عن أن انتخابه يتيح وقتا لتسوية النزاعات الداخلية بين الطبقات الحاكمة، وتجنب الفوضى. غير أن الناس اقبلوا على التصويت بلا حماس؛ فهم يتوقعون أكثر مما تم تحقيقه. ولا يزال مستقبل الجزائر غير مستقر. ويرتبط توطيد سياسة مستقلة مرتبطة بالتقدم الاجتماعى، الذى هو شرط لنجاحها، وهو ما يعنى، كما فى أماكن أخرى فى العالم اليوم، تقدما كبيرا فى التحول الديمقراطى للمجتمع. ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كان هذا التحدى مفهوما ومقبولا من قبل القوى السياسية المؤيدة للنظام أو المعارضة له، على حد سواء.