رواندا 2014

سمير أمين
2014 / 4 / 21

رغم مرور عشرين عاما على إسقاط طائرة رئيس رواندا، هابياريمانا، لم يتم إلقاء الضوء بصورة كاملة على هذا الحدث، الذى أعقبه مباشرة مذابح جماعية قامت بها ميليشيات الهوتو ضد السكان من التوتسى. ومن ثم، هناك فرضيتان متساويتان بشأن هذا اليوم:

1) أطلق المتطرفون الهوتو النار على الطائرة، لجعل الحدث ذريعة لبدء التطهير المخطط والتخلص من الرئيس الذى كان يعارضه، أو (2) أطلق التوتسى النار على الطائرة حتى تحدث مجزرة تبرر «جيش التحرير» التابع لهم المتمركز فى أوغندا من أجل «تحرير» (أو «غزو») رواندا، حتى وإن كانوا قد قللوا من حجم المجزرة التى سيصبحون ضحاياها.

ولم تكن المأساة حربا عرقية، كما يقال عادة. حيث ينتمى الهوتو والتوتسى إلى نفس الأمة، ويتحدثون نفس اللغة. والهوتو، هو الاسم الذى يطلق على الأغلبية (85٪) المكونة من الفلاحين الخاضعة لسلطة الطبقة الأرستقراطية التى تسمى التوتسى وهم يمتلكون العديد من الماشية وليس لديهم عمالة راعية ويكرسون وقتهم لإدارة البلاد. ويماثل هذا الوضع نظام الطائفة فى الهند، من دون تطرف: حيث يسمح بالزيجات المختلطة. وكانت رواندا حتى عام 1919 مستعمرة يحكمها الألمان من خلال تسوية تترك للأرستقراطية امتيازاتها الاقتصادية، وتبرر اختيارهم أن التوتسى هم «الجنس الأسمى» ولهذا السبب كانت حركة التحرر الوطنى مشوشة. وكما حدث فى بلدان أخرى، انضمت الطبقة صاحبة الامتيازات المحلية (وهى هنا التوتسى) إلى المطالبة بالاستقلال، على أمل الحفاظ على مكانتها، بينما ربط العديد من قادة الهوتو مطلب الاستقلال بالمطالب الاجتماعية التى تهدف إلى إلغاء امتيازات التوتسى. وفى بوروندى تم التوصل إلى حل وسط بين هاتين الرؤيتين، ولكن فى رواندا استولت الهوتو على السلطة بالكامل. ونتيجة لذلك، هاجر عدد من قادة التوتسى إلى أوغندا وشكلوا فى المنفى «جيشا» بدعم من أوغندا والولايات المتحدة.


وتهتم فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة بالمنطقة، وبالتالى تقاسمت المسئولية عن الوضع. وهى لا تهتم بثروات رواندا المشكوك فيها، ولكن بالموارد المعدنية الهائلة فى الجزء الشرقى من الكونغو المجاورة، لا سيما المعادن النادرة. ومنذ البداية، كان جيش كاجامى الحديث، مكرسا بالكامل منذ البداية لخدمة سادته فى الولايات المتحدة، وهو أداة مفيدة بهذا المعنى: فهو لا يتحكم فى رواندا فقط، ولكن يعمل أيضا فى الكونغو بحجة مطاردة فلول رواندا السابق من الهوتو، وكان لديه طموح متغطرس للسيطرة على كينشاسا، حتى تخلى كابيلا عن دعمه العسكرى السابق لهم، وأعاد احتلال المحافظات الشرقية من الكونغو. وكانت هناك فترات من التوتر بين الولايات المتحدة وفرنسا وبلجيكا، حتى تقبل الأوروبيون، فيما يبدو، القيادة الامريكية للمنطقة. ولكن هذا الأمر غير مؤكد. حيث تدعم كل من البلدان الأفريقية: وأولها أوغندا الحليف الرئيسى لواشنطن فى المنطقة وجنوب أفريقيا وزيمبابوى وأنجولا، أحد الطرفين: أى كاجامى أو كابيلا.

وتعتبر حالة رواندا درامية. فلا توجد أى دلائل على أن المنطقة بسبيلها للخروج من الحروب المستمرة والفوضى، مما يتيح التدخل الإمبريالى الدائم. ويمكن أن يكون الحل الوحيد المقبول هو تخفيف ميراث رواندا من العنف عبر بناء نوع من «الكونفيدرالية» الفضفاضة فى منطقة البحيرات العظمى، تتضمن رواندا وبوروندى وتنزانيا وأوغندا والكونغو (توجد أقليات من الهوتو / التوتسى فى جميع هذه البلاد)، والسعى لتطبيق مشروع سيادة مشتركة بعيدة قدر الإمكان عن القوى الغربية. وهى مهمة هائلة أمام الشعبية والديمقراطية فى المنطقة