الحركة التشكيلية في البصرة ... 3

شاكر حمد
2014 / 4 / 17

( 3)
أشرنا في السطور الأولى من هذا المقال الى الظاهرة المزاجية الشخصانية التي عمم فيها الكاتب إحسان وفيق السامرائي تقييمهُ للحركة التشكيلية في البصرة , والتي تسببت في إغفال العديد من المنجزات بفعل الموقف غير الحيادي منها. بشكل خاص من جمعية التشكيليين بعد التغيير الذي حصل في العراق عام 2003. وقد تأسست الجمعية بدوافع فنية ومهنية بحته ولإرساء تقاليد المجتمع المدني في ظروف الحياة الديمقراطية. وعملت في ظروف بالغة التعقيد أمنياً وسياسياً ومالياً. كما واجهت مواقف شخصيّة عدائية ومحاولات متعددة تهدف الى حلها وتشكيل تجمع من أشخاص حاولوا إفشال عملها, ولم يتحقق غرضهم فظهروا في تجمع حمل إسم ( إتحاد التشكيليين الرواد ) سرعان ماإصطدم هو الآخر بالحقيقة المرة, حقيقة الدوافع الفردية , وتضارب الأهواء الأنانية, وصراع المراكز وبالتالي الإنقسام والتمزق.
سنحاول هنا الإكتفاء بهذه الإسباب دون غيرها لظهور هذا التجمع وإلغائة بصمت مريب وسريَّةٍ تامّة. مانودُ التنبيه عليه هو موقف الشخوص – كبار السن – والمثقفين والأُدباء الذين ساهموا بتطفل وإنتهازية في محاربة الجمعية وتشويه الحركة التشكيلية ومنهم من تحدث من منابر إتحاد الأدباء لزيادة التشرذم ومنهم من إتخذ منبره الخاص عرَّاباً للخلافات, كالموقف الذي نقرأُه أمامنا الآن في مقالات إحسان وفيق السامرائي..
في عرضهِ لسيرة أحد الفنانين صفحة 97 يطلعنا على شخص متعدد المواهب, ومن حق الفنان أن يدّعي ما يشاء من المواهب خارج إهتمامات حرفتهِ فاللّوحة الملونة المعروضة للفنان ترشدك الى مصداقية القول وإمكانيات الرسام الحرفية المتواضعة, وهي بعيدة عن ذلك الأُفق ( السريالي الرحيب !) الذي إكتشفهُ إحسان عبر منظار جهلهِ بالمدارس الفنية.
مع ذلك إستطاع إحسان أن يلتقط من حالة الفنان لمسة تصلح لمواجهة الجمعية ,ويبدو أن الجمعية تشكل عقدة نفسية له لأنها أوجدت نفسها بدون رعايته (الأبوية), وفي مواقف الطعن العابرة يعمل على تمهيد البيئة اللغوية الفوقية بالإطراء المناسب للفنان ليتخذ الهجوم صفة الدفاع عن ( حقوق مغدورة) يتبنى إحسان دعوى الدفاع عنها... في أن رسومات الفنان عن جامع المقام وجسر هول ( خلقت له مكانة واسعة في تأريخ الحركة التشكيلية في البصرة ) ونتساءل عن الرسومات التي خلقت المكانة الواسعة؟ وأين هي الآن؟.. (رغم التطفل الذي ظهرمؤخراً عند بعض التشكيليين.... وآخرها إعتذار جمعية التشكيليين في البصرة عن قبول معرضه الأخير بحجة عدم تأطيره للوحاتهِ وهو يخل بهيبة الجمعية لأن اللوحة عندهم تعتمد ظاهر الشكل لاالجوهر وهي قياسات ساذجة لانعرف كيف صارت أحكاماً.) ص 99.
لاأتصور أن الكاتب يجهل تقاليد العروض الفنية وشروطها, فهو مُتابع للمعارض وتقاليدها, إن لم يكن ساذجاً أو منافقاً, أولها قبول الفنان لشروط قاعة العرض, أو الجهة الداعمة للمعرض, خدمةً وترقيةً للعمل الفني و لمكانة الفنان وموازاتهِ بغيره من المشاركين في العروض وهي تقاليد عالمية تخص أصنافاً ومستويات محددة من الأعمال ومنها مايخص اللوحات الزيتية على القماش وتأطيرها, ومثلها الرسوم الورقية وحفظها بالزجاج. تقاليد لايحتاج معها الفنان الى تذكير أو أن تكون سبباً في الإمتناع عن العرض. وأخيراً ما مصلحة الكاتب في تبني وجهات نظر شخصية تقع خارج مهمتهِ, بصفتهِ باحث وناقد للظاهرة الجمالية وتطوراتها, بعيداً عن الهبوط الى الخلافات والخصومات المهنية. ويجب أن يتحلى بالموضوعية والحيادية في تقييم الظواهر الفنية وأن لايستند الى الرأي من طرف واحد والأصح أن يتعرف على رأي الجمعية أيضاً ليتوصل الى معرفة الحقيقة وبلا إنحياز لطرف , والأهم من كل ذلك أن لا يجعل من نفسهِ حاكماً ويسلط سيفهُ على الناس.
فهل نسجل هذه المواقف في باب ( التطفل الذي ظهر عند بعض التشكيليين )؟.أقول نعم فما يُميز أُسلوب الكاتب إنجرافهِ لمواقف, الى حد التطفل, والإنحياز بصيغة التمجيد في مقابل ( نسيان !) مقصود لمنجزات فنية هامّة لتصويرهِ الساحة الفنية بنظرةٍ أُحادية توالي وجهة نظرهِ, وبشكل خاص في تسجيل السيَّر الشخصية للفنانين.
يتضح من سياقات عروض الفنانين ولع الكاتب في تعميم معارفهِ الشكلانية – السطحية – بالمدارس الأوربية وعدم التمييز بينها فالسريالية والتكعيبية شملت الجميع حتى الذين إختصّوا برسم الأهوار والشناشيل والوجوه .
في- ص 101-يطلعنا على جانب من تجربة الفنان عبد الملك عاشور..( وعالم "عبد الملك" عبر أكثر من ثماني وستين لوحة سريالية وتكعيبية وتجريدية وثلاثين عمل واقعي رسمها خلال رحلةٍ متفاوتة الأبعاد...) كيف يُقنعنا بهذا العدد وهذا التصنيف؟
وهنا يجب أن نفصل مرحلتين في أعمال الفنانين جميعاً وفي البصرة بشكل خاص بحكم معاصرتي لتجاربهم.. مرحلة ماقبل التغيير التأريخي في العراق عام 2003ومرحلة مابعد هذا التأريخ..وقد إنعكس التغيير بلمسات لونية متوهجة وزاهية وبرّاقة وذات طبيعة إحتفالية سايكولوجياً بالمقارنة مع أعمالهم في العقود الماضية ذات الهيمنة اللونية الفقيرة والسطوح الخشنة.. ولا ننسى المحاولات التجريبية لمراحل الدراسة والتقلب بين الإتجاهات والبحث في المصادر. علماً أن لغة الألوان لاتختلف عن لغة اللسان البشري الناتجة عن علاقات العمل والبيئة والمكان والزمان وحاجات الناس.
في مكان آخر سيقول لنا ( إن مايثير في أعمال " عبد الملك" ذلك الخط الفاصل بين واقعيتهِ الرومانتيكية وبين التكعيبية والسريالية...). ونضيف أن لهذا الفنان محاولات تمتد لثلاثة عقود لاتدخل فيها (الواقعية الرومانتيكية)ولا( التكعيبية والسريالية) وعلى الكاتب أن ُيُعزز تأويلاتهِ بالإسنادات تلافياً للوقوع في هذا الخلط .
هناك تحول في تجارب الفنانين اللونية ظهرت بشكل ملموس في المرحلة الجديدة , بعد التغيير في 2003 نحو التجريد اللوني ونثار الأشكال الدقيقة المشبعة بالألوان وهي مرحلة تجريبية سايرت التقنيات الي وفرتها المواد التكنولوجية والصبغات البلاستيكية الفسفورية وألوان -الأكرلك- سريعة الجفاف . ولاننسى مؤثرات الثقافة المرئية التي وفرتها المحطات الفضائية ومواقع التواصل الإجتماعي. فقد أصبح بإمكان الفنان أن يتابع المعارض العالمية ويتعرف على التجارب الحديثة متى ما أراد, ونضيف أن الطفرة في التلوين شملت جميع الفنانين وبدرجات متفاوتة في التعامل مع فضاء الحرية الجديد.
نُشير الى الحذلقة الفلسفية ,التأويلية, المُقحمة على الفن و النبرة الإستعراضية من قبيل ( وهذه التجريبية تعكس بصورةٍ عامة العناصر التكوينية الأربعة" الماء والهواء والتراب والنار" وهي الرموز الفلكية لمفاتيح عالم منفر أمام صراع ضارٍ بين " الهمجية والحضارة.. الإرهاب والخلق") و رغم حشر العبارتين الأخيرتين فالتعبير جميل ويدل على أن الكاتب قرأ غاستون باشلار وربما إقتبس منه الكثير وبالأخص من كتابه "جماليات المكان " ترجمة غالب هلسا..ومع ذلك فالعناصر الأربعة بعيدة كل البعد عن إهتمات الفنانين وعلاقتها بالفن التشكيلي.

يستعرض الكاتب ومن خلال بعض التجارب الشخصية, الفنية, لفنانين هاجروا من العراق, إلى ما يمكن أن نسميه بثنائية (ألإغتراب والوطن) وتنشأ عنها جملة متواليات – مسببات ونتائج يسودها الضباب في لغة الكاتب تُوقع القاريء في مطبّات عشوائية وذلك عبر عموميات تختلط فيها الأزمنة والتواريخ وتختلط الآوراق. فالحديث عن إغتراب الفنانين يرتبط بالإحتلال, من وجهة نظره, ولابد من توضيح هذه المسألة وقراءة وقائعها التأريخية وهي بالغة الأهمية - ومعذرة للقاريء مقدماً عن الإطالة في هذه الظاهره والتي تبدو بعيدةً عن سياقات محورنا التشكيلي - ذلك أن للهجرة موجات ولكل موجة دوافعها وظروفها ونتائجها .. أولها الموجة السبعينية وتحديداً عام 1978 وشملت المثقفين اليساريين والشيوعيين والمستقلين الهاربين من قمع السلطة وحزبها القائد الذي حدد البقاء بالإنتماء للحزب, وما تلا ذلك من حملات لايتسع المجال هنا لسردها.
الموجة الثانية كانت في التسعينيات وحتى سقوط النظام البعثي. وقد شملت هذه الموجة المثقفين كافة بمن فيهم البعثيين والذين كانوا أبواقاً للدعاية الحربية في الثمانينيات. وبعد توقف الحرب وحرب الخليج الثانية ( إحتلال الكويت ) وما تبعها من تداعيات كالإنتفاضة الشعبانية والحصار على الشعب العراقي وسياسة التجويع الشمولية.. فكانت هجرة جماعية لملايين العراقيين طلباً للعمل في الأردن أو الإقامة في سوريا أو العمل في ليبيا بعقود إذلال تحمل عبارة ( عقود الرحمة للعراقيين للعمل في الجماهيرية ....) وخضع الترشيح فيها لموافقة السلطة البعثية ومخابراتها.. أو اللجوء الى أوربا وأمريكا وإستراليا.
الموجة الثالثة كانت بعد سقوط النظام البعثي في 2003 على يد (المُحتل). وإقتصرت هذه الموجة على كبار البعثيين وقادة النظام السابق وضباطه وأجهزتهِ المخابراتية والأمنية والإعلامية وهؤلاء إستقروا في سوريا والأردن ومصر وليبيا القذافي وغيرها وبدأ عملهم من هذه الدول ضد الوضع الجديد في العراق. بالطبع يجب التمييز هنا في العناوين والتواريخ تجنباً لخلط الأوراق, وإختلاف وجهات النظر حول مفهوم الغربة والإغتراب ومفهوم الوطن. فالذين غادروا العراق بعد سقوط النظام شعروا بالإغتراب كغيرهم ولكنه إغتراب عن موقع السلطة التي فقدوا فيها إمتيازاتهم الى الأبد. وهؤلاء سوف يشعرون بالإغتراب داخل الوطن الذي لاسلطة لهم فيه.. في (ص 114) يعقب الكاتب على غربة أحد الفنانين ويسبق اسمه لقب دكتور ( لقد كانت أحلام المغتربين دائماً وطن ترفرف عليه الحرية والسلام إلاّ أنهم صُدِموا بوطن أكلته الطائفية والعشائرية والوصولية والشعائر الحارقة وغسلت قيعانهِ الدماء ). نعم طفحت كل العيوب , بعد سقوط الدكتاتورية, العيوب الكامنة في المجتمع العراقي والتي شخَّصها علي الوردي من قبل. وإصطدم بها الملك الأول على العراق عام 1921.و لم يميِّز الكاتب في الهجرات ولا الدوافع التي تمخض عنها التغرب والإغتراب. وهل كان العراق قبل التغيير واحةً للسلام ؟ وهل كان النظام السابق بريئاً من نشر (الطائفية والعشائرية والوصولية والشعائر الحارقة) ؟.
تشير تجربة هذا الفنان الى ( إغتراب ) – عقد عمل رسمي – في ليبيا في التسعينيات الماضية,في حقبة الدكتاتورية. لكن المفارقة في محاولات خلط الأوراق وتشويه وجه الحقيقة. مايريد الفنان أن يقوله أن الإغتراب إرتبط بالإحتلال! ومعلوم أن الإحتلال إقتلع الدكتاتورية ونظامها السياسي . ونقطة الإغتراب يشدد عليها الكاتب فيشير الى مجموعة لوحات للفنان – لاوجود لها - عن (خراف ضالّة وبيوت منفردة) وأستطيع أن أعفي هذه اللوحات -إن وجدت- من أية خلفيةٍ سياسية ,وبالمقارنة مع لوحة الفنان المنشورة ,فهي لوحات إنطباعية وقد تُعبر عن واحة من الإحساس بالحرية والإبتعاد مؤقتاً عن كابوس الإرهاب السلطوي والخوف من الموت في ذلك الوقت كما عبر عنه الفنان في النص الذي حصره الكاتب بين قوسين ( كنت محاصراً... فدفعني شعوري بالتحدي... لأنني لاأريد أن أُقتل... إنما أنا بإنتظار موت مؤجل..) (ص 114 ) يُفسر الكاتب هذه الظاهرة الإنطباعية بأنها ( كانت إعترافاً فعلياً بالمصير ورمزاً للعراق ونبوءةً لوباء الإحتلال لو نظرنا لها كواقع مُعاش في المعادلة الإفتراضية...) ياسلام.. لوحات إنطباعية تمثل منظراً ريفياً لاغير جعلها الفنان (المُعجزة) نبوءةً لإحتلال سيأتي بعد عشر سنوات؟
كانت نبوءة سقوط النظام حتمية في حكم التأريخ وغدت واقعاً مُعاشاً ( في المعادلة الإفتراضية ) فالنظام البعثي تهرأ وتفكك قبل دخول قوات الإحتلال بوقت بعيد.بل كان يزرع النبوءة في ثقافة أتباعهِ والجماهير المسحوقة بقدوم الأمريكان في أية ساعة.. ولأهداف قد تكشفها مرويات التأريخ السريّة للأجيال القادمة.
نقرأ الخوف في نبرة الفنان وتحديداً الخوف من القتل, فلا الفنان يذكر لنا الأسباب الكامنة وراء هذا الخوف ولا الكاتب .. إنما يكتفيان بالنبوءآت التي تحققت يوم 9-4-2003. لكننا نستطيع أن نسترجع متواليات ذلك الزمن في عقوده الثلاثة الآخيرة لنتعرف على سايكولوجية الخوف التي تغلغلت في نفوس العراقيين وأحدثت الإنفصام الكبير في الشخصية العراقية. وفي لغة الكاتب وبين السطور نستشعر نبرة الحنين الى الماضي الزيتوني, وهي نبرة الفنان الخائف من منطق التأريخ الذي أزاح كوابيس الخوف.
يعاني مثقف السلطة الماضية إزدواجية المواقف وتناقضها وبالتالي يعاني من الإغتراب وهو خارج معادلة السلطة. يقول الكاتب شامل حمد الله في عموده في جريدة الصباح ليوم 8- 4-2014 ولمناسبة مرور أحد عشر عاماً على سقوط النظام البعثي..( يعيش في العراق جيلان من مناهضي الحزب السابق في سلطة العراق, وجيلان ممن لايقبلون وضع العراق الحالي , أكثر مساويء الماضي في نظرنا هي محاسن في نظرهم...). ولنفس المناسبة, الذكرى الحادية عشرة لسقوط الدكتاتورية, كتب عبد المنعم الأعسم يوم 9-4- 2014 في موقع -صوت العراق- ( مايمكن تسميتهِ بحذر – التحرير- فقد تحرر العراق من موصوف الدولة الإستبدادية وأجهزتها القمعية التي كانت تُدير شؤون البلاد كأية قوة نموذجية للإحتلال الغاشم, وإن لم تكن قوة أجنبية. والمفارقة هنا في هذا المشهد تتمثل في أن الكثير من الجماعات العراقية إستذكرت هذا اليوم.. منها من يَمتنّ له لما أعاد له من حقوق مهضومة ويسَّر له فرصاً كانت مصادرة ومُحتكرة, وهناك من يغضب عليه لأنه ألقى به الى ساعة الحساب وخارج إمتيازات السلطة, لكن ثمة من هذه الجماعات مَن يمتَنّ بالسر للتاسع من نيسان ويشكرهُ على نِعمهِ الوافرة, ويشتمهُ بالعلن, ثم يتظاهر ضده من على واجهة الشاشات الملونة..) إنها الإزدواجية .
.....
تستوقف القاريء لغة التعالي الكارتونية على مدينة محكومة بقدر الإستسلام. ولابد أن يتذكر الكاتب إحسان وفيق حالة المدينة وتمزقها في ظل الدكتاتورية والحروب والترحال والفقر والحصار والموت بالجملة . وبما أنه يُدرك العلاقة الجدلية بين وضع الفنان – الذاتي – بوصفهِ رقماً من أرقام الدعاية الحربية, أو كياناً صامتاً إنطوائياً خارج الميدان الثقافي.. وبين الواقع الموضوعي المظلم . فالقاريء يشم رائحة الطائفية الأُحادية في تعابير مثل ( الشعائر الحارقة ) بينما يستعرض الكاتب لوحات وتماثيل وقاعات عرض, وبعين متقلبة, غامزة , وذاكرة إنفصامية مؤدلجة بموروث ثقافة الماضي. لذلك إفتقرت رؤيته للمادة التحليلية لطبيعة الأعمال الفنية وخصائصها التجريبية, فإستعاض عن هذا الفقر المعرفي بالإطناب في ( الشاعرية!) الإنشائية وهو يعرض سطور وعبارات مقتطعة من إستبيانات الفنانين الذين خصَّهم ببحثهِ. فضلاً عن كم النصوص المقتبسة من مرجعيات فلسفية لاصلة لها بمادة قراءته وبحثهِ وتليها الزلاّت الهابطة والتسويقية.
الظاهرة الجديدة التي إتسم بها الفن التشكيلي في البصرة خاصةً وفي العراق عامةً بعد التغيير وهو في الواقع تحرير العقل العراقي من النمط الأحادي في التفكير.. تتميز بالتنوّع الموضوعي وإنفتاح الرؤية وتعدد الفضاءآت والتعبير الصريح عن حالة الواقع. وعكست هذه الرؤية موجات تجريبية طاغية من الصرعات التحديثية وبشكل خاص في لغة الألوان والمساحات والتعامل بالخامات الجديدة ومواد الطبيعة. وتعكس ذلك المصورات التي إختارها الكاتب والتي أخطأ في تنسيب بعضها لغير أصحابها مما وضع القاريء في إلتباس الربط بين الصورة وبين التعليق الذي يعنيها, والأغرب من ذلك تنسيب لوحة لمستشرق أُوربي لوضعها فوق أحد الفنانين البَصْريين (الرواد). ويفترض الكاتب قوالب نظرية وأساليب لاتمت للفنان بصلة ولتعزيز حججه وإفتراضاتهِ كان عليه الإستناد الى اللوحة المنتقاة للدراسة. ولكثرة الأمثلة وتجنباً للتكرار نكتفي بالقليل منها وبإختصار...فاللوحة المنسوبة لجنان محمد علي تقوم على دراسة لونية تجريدية قد تمدُّ جذورها لإصول إنطباعية ذات اللون المُشرق والفضاء المفتوح... بينما يتحدث الكاتب عن الشناشيل وفلسفة الشناشيل عند الرسامة الدكتورة جنان محمد علي, وإبتداءً من المدخل الفلسفي المحشور إرتجالاً لِآرسطو.. يواصل الكاتب ( تجلياتهِ) حول الشناشيل وأُصولها البزنطية ويعود للثلاثة الأوائل الذين رسموها وعدم تأثر الفنانة بهم..في الواقع أن الفنانة لم ترسم الشناشيل كما يزعم لا لإغراض سياحية ولا بصفة منهج في الرسم وما يُفهم من مقاله لا علاقة له بالواقع وبالفنانة. وما كتبه في الأربع صفحات ونصف ليس غير تكرار لما ورد في صفحات سابقة عن فنانين آخرين.
تشير المصورات إلى أن أغلب الفنانين صوروا تحسساتهم للمشهد الجمالي بحرية وبدون رقابة فوقية وبإستقلالية فردية. ولا يمكن بأي حال نسيان الإرث الثقافي السياسي العائد الى ترسبات النظام السابق ومعاصرة جيلين لحروبهِ ومنظوماتهِ الدعائية, كما أشرنا في إقتباساتنا أعلاه.