الشجرة القيثارة

محمد نوري قادر
2014 / 4 / 15


انها الشجرة القيثارة والجوع المدوي للشمس
تترنح من غبار البراري كل يوم , تروض الفك المفترس , تروض وتبتسم
والآهات تسكن جوفها الخفي
انها العاشقة المكحلة بأريج السلالات وعشبة الخلود
الشجرة التي لامست كل شيء , والتي توارى عشاقها الذين يمسكون مفاتيح (بوابة النسيان) في ( جنائن آدم )
الشجرة التي ترتدي مزهوة (ثياب حداد بلون الورد)
الشجرة التي تتنهد الآن , ونحن نصرخ
الشجرة المضيئة بإيقاع عشاقها, تئن من وجع الصمت , ونحن صرعى هلوسة الاعمى
الشجرة التي عانقت الضوء في الأبجدية الأولى, تمد يدها , تدعوك , لتمرح بجوارها , لتنام في فيئها , وحين لا تجد ما يكفي , نعود للنهر ونمضي
أما تراها عكست ظلها في المرآة وتتمايل بغنج لتراقص طيفك وطيفي, بأنفاسها السومرية ؟
هي واحة من القصائد , كل قصيدة تترنم الشغف في الحقول والتفاتة الطائر للعش وصوته الندي الذي نبتهل له أمام القشعريرة والاصيل والاغلال والافواه المكممة والمنخفضات الخانقة والايادي الباردة والضجر
هي , كما الضوء لا تخشى الانفاق , تعانق اردان الرياح وما ترتديه الحكمة
لنصغي .. لنصغي لصدى أجراسها , لنرتل ابتهالات ذلك النهر , وتلك الطيور , لنسلك طريق النجوم , لنقف كما نخلة , لنزيح الاشباح , فما زال الصباح ينتظر
نحن في الغبار , لا نقوى ان نمد أيدينا , وان نغني ..
انني اتحدث عنها لا سواها , عن عشقها وعشقي
اتحدث عن الأوفياء الذين رسموها , الذين يمسكون بخصرها ويتحسسون رهبتها
انها شجرتي
شجرتي التي لا تشبهها شجرة ولا يطربها غير همسي
شجرتي التي ارسم لكم فصولها الآن , فصولها المدماة والآم مفاصلي ,وعويل ثماني عجاف وما بعدها , وهمس المتعجرف ومخاطه على جدران كوخي, والعانس في الصمت وليلنا الطويل , وبائعو الأقراط بالثمالة ,الساجدون بفم القشعريرة , والعابثون بضفائر النخلة ,وبائعات الهوى بابتسامة رضى من اجل نافذة مفتوحة ,والسكاكين في جهاتها الاربع, وغرف بأفكار عفنة ومقرفة بلا نوافذ , ومحطات التسول , والقصائد الموروثة وايقاعها ما بين سمسار نزق وإيماءة بدوي أخرق وثمارها الفاسدة التي منحتني الحمى , والانقاض وشحوب الحواس والشفاه المذمومة .
ارسم ارتفاع الضجر وانخفاض السكون والدم المسفوح بالثرثرة .
ارسم القبائل التي جمعتها البذاءة والعري على هذيان نديمها, واحمر الشفاه الذي لطخ خيمتها , والطيور التي هجرت دفئها, والمتربص في الوله , الجاحظة عيناه من شدو العصافير في ممرات الهيام .
ارسم تصدع الفم في المرآة والخطى المتثاقلة كالأجفان من النعاس ,والأقدام الهزيلة ووقعها وروائح البغاء .
ارسم سوط الشرطي على جدرانها ووقع خطواتي ودماء بكارتها.
ارسم المدججين في كل فصولها بالكراهية , وصوت الطيور الذي افزعه الليل الموحش , والثكالى الذين افترشوا المقاهي والأرصفة .
ارسم الغرباء وبغيهم , واحتراس المتدثر بشحوبه , وارتداء الثياب القاتمة وزيارة الأضرحة , والعراة في البراري القاحلة, , والتسكع اللامجدي في الظهيرة .
ارسم براثن الذئب وشهيته للدم وشهوته المعلبة , واشقاء الفزع والغفران على سفحه المقطب بالأسى , والتنكيل المزمن , والأفواه المطبقة , والزاني وسجاياه .
ارسم المقرفص بالرضى في المتاهة ودورانه, وتورم الأسى , ونشيد الاعمى , والمتلعثمة سبابته وزفيره والوهن .
ارسم الدمى الراقصة والأجوف في مساعيه والمماطلة بخطى مفتعلة , والأحراش المكتظة على شواطئنا ,وذلك الذي يرتدي العمامة ويتحدث بلغة المقصلة والقمامة تزاحم سريره .
ارسم اصواتا واناشيدا فقدت بريقها في الدخان المتصاعد , والفئران التي قضمت البراءة , والفسق وخدوشه , والطفح السرمدي الذي يلتف حول خصرها.
ارسم المشاغب وتأتأة الحواس والمحتشدون بألفة على انقاض العزلة والنبش في المنخفضات.
والخراف والأفاعي والابتسامة الساخرة , والوله ببصيرة أحمق وما تقيئه والأصنام والسجود المزمن دونما سبب .
ارسم الممرات الملوثة وضيوف الزلة المتوارثة, ومن يربت على أكتافنا بصوت عاقر , والبرابرة الجدد وخيامهم والمراعي الظامئة وطوفان النواح , والجرذان التي لم تترك اي شيء وكلابهم السائبة وطلاسمهم والبخور .
ارسم الحرافيش والمدن التي طمرتها أوجاعها والتحريض وهزالها , واكاذيب المفلس وسهام بطشه , والمسافر بالخداع ويديه ملطخة بصهاريج اللغو .
ارسم خبازا يكتب شعرا بدم أوردته, وأزرق يرتل ويلون ويقرأ مباهج الضوء في الممرات , وفيض من الضوء طمروه نديا خلف اسوار المدينة خشية من بريقه , وعاشقة طريق الشمس التي كانت تهلهل وتهدي خاتم زفافها في الطريق الى المقصلة .
ارسم طرائد الغفلة والمسربلين بالوله وهم يذرفون الدموع , والمعاول الصدئة وفؤوس الزاني ترتفع وتنخفض بالإشارة .
ارسم المقامر اللقيط الذي بعثر المفاتيح بهذيانه , وايقونات لا تحصى أطفأها شلال الضغائن, وخريفا طويلا نشب أظافره سفوح اجسادنا وأوراق التوت التي تساقطت , والجراد ولعابه الذي يسيل لرائحة القمح والمراكب الرثة وركابها الثملين بالروائح الفاسدة .
ارسم تنهيدة أم أثكلها الغياب وغرقى الوهم وازدراء البهجة بمزمار صدأ , والليل وافتراشه سطوحنا بإيماءة مبتذل ونحن نتلوى ونتلظى على صفيح ساخن , والمشاكس وظله والفم الأدرد وهو يمد لسانه والفخ الذي اوقعنا فيه بغتة , والأنفاق المهلكة ... _
تلك هي فصولها هذه الدامية
أما آن الأوان لنرتقي ؟
لنطمر أوجاعها, لعلنا نصل ذات يوم بطمأنينة للمرفأ
اللهاث لا يجدي
باتت الجداران صدئة , والاعمدة ينخرها التسوس
لا مفر ... لا مفر
ان نتدثر الضوء ,ان نغور بعمق في النهر
انها ظلنا وغرسنا
اطفئوا الجمرات
من بدونها يحمينا
هذه الشجرة القيثارة .