روسيا والأزمة الأوكرانية

سمير أمين
2014 / 4 / 14

تهيمن على الساحة العالمية الحالية محاولة المراكز التاريخية للإمبريالية (الولايات المتحدة وغرب ووسط أوروبا، واليابان؛ المسماة "الثالوث") للحفاظ على سيطرتها الخالصة على كوكب الأرض من خلال مزيج من: (أ) ما يسمى سياسات العولمة الاقتصادية الليبرالية الجديدة، التي تسمح لرأس المال المالي العابر للقومية، التابع للثالوث، أن ينفرد بإصدار القرارات وحده في جميع القضايا بما يحقق مصالح هذه الدول وحدها. (ب) السيطرة العسكرية على الكوكب من قبل الولايات المتحدة وحلفائها التابعين (الناتو واليابان) من أجل القضاء على أي محاولة من أي بلد خارج الثالوث للانعتاق من الاستعباد.
وفى هذا السياق تعتبر جميع دول العالم خارج الثالوث (وبالتالي روسيا أيضا) أعداء محتملين. ويوضح التطور الحالي لمأساة أوكرانيا حقيقة الهدف الاستراتيجي للثالوث. وقد نظم الثالوث في كييف "انقلابا أوروبيا/ نازيا". وليست ادعاءات الإعلام الغربية، بأن سياسات الثالوث تهدف إلى تعزيز الديمقراطية، سوى مجرد كذبة. فلم يشجع الثالوث الديمقراطية في أي مكان. بل على العكس، كانت هذه السياسات تدعم بصورة منهجية أشد القوى المحلية عداء للديمقراطية: في يوغوسلافيا السابقة وشرق أوروبا، ودعم الثالوث في بلدان الجنوب القوى الأشد تطرفا في معاداة الديمقراطية، مثل الإسلام السياسي الرجعى المتطرف، ودمر بتواطئه هذه المجتمعات: وتوضح حالات العراق وسوريا ومصر وليبيا، أهداف المشروع الإمبريالي للثالوث.
•••
لذا يجب دعم سياسة روسيا (كما وضعتها إدارة بوتين) لمقاومة مشروع الاستعمار في أوكرانيا (وغيرها من بلدان الإتحاد السوفييتي السابق، في القوقاز وآسيا الوسطى). كما ينبغي مساندة الهدف من إقامة مجتمع "اليورو آسيا"، مستقلا عن الثالوث وشريكه الأوروبي التابع له.
ولكن هذه "السياسة الدولية" الروسية الإيجابية، لا بد أن تفشل إذا لم تكن مدعومة من قبل الشعب الروسي. ولا يمكن أن تفوز بهذا الدعم على أساس "الوطنية" وحدها. ولا يمكن أن تقدم الليبرالية الجديدة لروسيا سوى التدهور الاقتصادي والاجتماعي المأساوي، وشكل من أشكال "التنمية الرديئة" وتزايد حالة التبعية في النظام الامبريالي العالمي. وتقدم روسيا إلى الثالوث، البترول والغاز وبعض الموارد الطبيعية الأخرى؛ ويمكن أن تتراجع ??صناعاتها إلى حالة التعاقد من الباطن لصالح الاحتكارات المالية الغربية. وفى مثل هذا الوضع، الذي تعيشه روسيا اليوم في النظام العالمي، ستظل محاولاتها للتصرف بصورة مستقلة على الساحة الدولية هشة إلى أقصى حد، مهددة بالعقوبات والتي سوف تدفع حكم الأقلية الاقتصادية إلى الانحياز الكارثي لمطالب الاحتكارات المسيطرة في الثالوث.
•••
ومن ثم، تختلف السياسة الشعبوية، قدر الإمكان، عن وصفات "الليبرالية" والمساخر الانتخابية المرتبطة بها، التي تضفي شرعية على سياسات اجتماعية رجعية. ولعلي أقترح بدلا منها، إنشاء أي نوع من أنواع رأسمالية الدولة الجديدة ذات البعد الاجتماعي (أقول الاجتماعي، وليس الاشتراكي). ويفتح هذا النظام الطريق في نهاية المطاف إلى الإدارة الاجتماعية للاقتصاد، وبالتالي التقدم نحو أحد أشكال الديمقراطية التي تستجيب لتحديات الاقتصاد الحديث.
ولا يمكن أن تؤدي هذه التحركات الروسية إلى نتائج إيجابية في الصراع الحالي بين سعي موسكو لاتباع سياسة دولية مستقلة من ناحية ومن ناحية أخرى اتباع سياسة داخلية اجتماعية رجعية. ولكن هناك ضرورة لاتخاذ خطوة ممكنة: يمكن أن تنحاز شرائح من الطبقة الحاكمة السياسية إلى مثل هذا البرنامج إذا قام على التعبئة والحركة الشعبيتين. ومن شأن إحراز تقدم مماثل أيضا في أوكرانيا، والقوقاز وآسيا الوسطى، أن ينشئ مجتمعا حقيقيا في الدول الأوروبية والآسيوية ليصبح لاعبا قويا في إعادة بناء النظام العالمي. ويقضي ما تبقى من سلطة الدولة الروسية داخل حدود صارمة تفرضها وصفة الليبرالية الجديدة على فرص نجاح أي سياسة خارجية مستقلة، وعلى فرص روسيا في أن تصبح دولة ناشئة فعليا، تتصرف كفاعل مهم دوليا.