الحركة التشكيليه في البصره (2)

شاكر حمد
2014 / 4 / 6

(2)
المقطع الثاني من الكتاب حمل عنوان( الفنان والشاعر) وهو عبارة عن مقالات عن عدد من الفنانين من وجهة نظر الكاتب إحسان وفيق السامرائي, وتبدأ القائمة بالفنان محمد راضي لنقرأ سيرة هذا الفنان الرائد وتربطني به صداقة الفن والعروض المشتركة والتدريس في معهد الفنون الجميلة. وأعني بهذه الروابط معرفتي للفنان عن قرب, عليه لاأتفق مع إحسان على غياب الفنان ثلاثة عقود عن العمل الفني ( الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ومرور أكثر من ثلاثة عقود ختمها إشتعال الحرب قدم الفنان "محمد راضي" والفنان "علاء بشير" معرضهما المشترك فشارك بأكثر من"21" إستعاض فيها عن الريشة بالتنقيط والقلم الجاف فيها رسم واقعنا المميت والزوايا المثيرة للثورة وإمتزجت بالدم والرماد لتظهر اللوحات وكأنها صرخات إنسان مثخن بالجراح.....) أولاً نعترض على إنقطاع الفنان ثلاثة عقود منذ الخمسينيات من القرن الماضي ولو أضفنا لها توقفه عن الرسم بنصيحة الأطباء لفهمنا أن الفنان ترك الرسم منذ تخرجه من معهد الفنون الجميلة في بغداد منتصف الخمسينيات الى بداية القرن الجديد. الأمر الذي يتنافى مع سيرتهِ في هذه العقود الثلاثة وما بعدها.. ومنها معرض جماعة المثلث عام 1969ومعرض جماعة الأربعة ( محمد راضي عبد اللة وعلاء بشيروسلمان البصري وشاكر حمد ) وثانياً نفهم من النص المقتبس من( ؟).. أن الفنان شارك بتخطيطات بالقلم الجاف. ولا يهمنا التأويل لكن الحديث عن التخطيط الورقي وتقنيات القلم والأحبار لاتستدعي التطرق الى الألوان كما يقول في مقاربته مع لوحات علاء بشير..( بينما حملت ألوان "محمد راضي" هموم الواقع المجلل بالصراخ والعدم والشعارات السياسية الذي – هكذا وردت في النص – حملت بقع الدم والبارود....) – صفحة 40- ومنعاً للإلتباس الذي سيقع فيه القاريء كان لابد من نشر إحدى التخطيطات بدلاً من اللوحة الملونة لمحمد راضي وهي عمل قديم يجاري التقاليد الشكلانية للمدرسة البغدادية. ومع ذلك لم يخبرنا الكاتب عن مكان – قاعة العرض – وزمان هذا المعرض . وهي السياقات المتبعة في العروض الفنية.
تأخذنا السياقات التعبيرية في التمجيد بدلاً من التحليل . فما قيل عن هذا الفنان ينسحب على الجميع فكلهم (تأثر بأستاذه فائق حسن ثم إبتعد عنه ليجد هويته الخاصة. ) ولفائق حسن أفضلية التدريس للمنهج الواقعي غير أن رؤية هذا المنهج توقفت عند زاوية منظورية أفقية واحدة بينما تعددت زوايا النظر في الفنون العالمية وأنتجت مفاهيم جديدة غائرة في أعماق العمل الفني. لذلك لم يواصل نهج فائق الاّ القليل من مقلديه ولأغراض تلبي طلبات الذائقة التجارية التي سادت في أوقات الترف الفني لطبقات المالكين والمتاجرين بالأعمال الفنية.
وما نقرأُه عن الفنان عبد اللطيف الناهي أفخم مما نقرأُه عن سيزان وكوربيه ( لاندري لم تُذكرنا لوحات الفنان "عبد اللطيف الناهي" بذلك الحس الدافيء( البارد)- التشديد من عندنا – المثير لأيام طفولتنا في أيلول ونزولنا من السطوح التي تعودنا النوم فيها ليال الصيف عائدين الى الغرف.)... الحس الدافيء البارد!.. أراد الكاتب إبلاغنا بأن إلوان الفنان باردة ( جداً ) غير أن اللوحة المعروضة للفنان تُشعرنا بالحرارة. بعد ذلك نواجه إبتعاداً عن هذا الإحساس المرهف بالألوان حين يعترف الكاتب بأن ( الكتابة عن فن "الناهي" وإستذكار أقرانه لن نتغرب أو نبتعد عن الرسم إلاّ أن غياب اللوحات هو مايثير عندنا الإغتراب فقد ضاعت الصور ولم تحفظ الكاميرا " البوكس" الشمسية منها إلاّ شطوباً وظلالاً منكسرة...)- صفحة 57- فما هو مصدر التأويل حول الألوان وذلك الحس الدافيء البارد الموهوم..؟ ولماذا شعر الكاتب بالتغرب والإغتراب و اللوحات( ضائعة !) بالتصوير القديم وبقاياه من الشطوب والظلال المنكسرة ؟
لاأستطيع أن ألخِّص الصفحات الثلاث التي خصصها الكاتب لفنان لم يُعرَف له أثر في الفن والثقافة من قبل إسمه "سلمان الشهد" سوى تخطيطات يشوبها الإستهلاك والإبتذال وغير الضجة التي يثيرها إحسان ومعها الغبار والدخان والسفسطة المبتذلة.. ( فالمتوالية الإجتماعية لأعماله " كانت تُعبر عن دوافعه التأملية عندما إتبع خطوطاً إيحائية مستقيمة للتعبير عن حالتهِ التمردية إبتعدت عن الجانب الإنفعالي فأخذت شكلاً ثلاثي الظهور تداخل فيه " الزخرف والخط واللون ") والجملة الأخيرة فقط تحمل المضمون الذي يتعلق بعمل هذا الفنان وهي الزخرف والخط واللون. أما (حالتهِ التمردية) و( الإنحياز الفكري عنده أكثر واقعيةً بحكم المعنى الفلسفي الذي يقدم فيها لوحاته لأن الطرح التأريخي للفن والذي هو جزء لايتجزأ من الصراع الآيديولوجي... يهدف لإيجاد المبررات الحقيقية للإنسان وخططه وجدلياته.) فلا تتعدى تهويمات تأملية فارغة وبعيدة كل البعد عن طبيعة عمل الفنان وخصائص حرفته وتقنياتها, أراد الكاتب أن يُشغلنا فيها عن تخبطهِ في ميدان التشكيل وإلتباس الرؤية في التقييم.
يرى إحسان وفيق إن تقييم منجزات الفن تتطلب التعالي والنظر من فوق الى الفن والجمهور والفنانين , بعين الفيلسوف الأعمى, المُكابر بالنصوص الفلسفية المقتبسة من المقالات والمواقع والكتب, لتزكية أعمال لم يشاهدها ويقيم عليها إفتراضات وتصورات وهمية.. ولتجنب هذه الهلوسات السطحية لابد أن يكون الإحتكام للفن من داخل الفن وخصائصهِ. وليس من خارجهِ..ليس من الآيديولوجيا والفلسفة والشعر والسياسة.وهكذا تصدرت الصفحات الثلاث مقولات عن حرية التعبير لكروتشة وشوبنهاور.. فضلاً عن العنوان الفلسفي ( الفراغات الصوفية في اللوحة) والذي يعلوه إسم الفنان. والأمثلة قد تثير سأم القاريء لمجانيتها وتعميمها على الجميع فكلهم فلاسفة يتوزعون بين السفسطائية والإفلاطونيية. ورغم التمويه اللغوي السطحي الذي ميَّز أسلوب إحسان لتغطية الأعمال الفنية الرديئة والتسويقية, نتلمس بعض الإشارات مثل الرسوم الواقعية , أو الرسوم السياحية وحتى التجارية منها. لقد تراكمت السطور الضبابية في الصفحات من قبيل (.... لم يتميز عن فناني العراق لكونهِ عرف كيف يخلق الحركة في اللون)أولاً لايوجد دليل على حقيقة معرفته باللون , خاصةً وهو فنان فطري,وثانياً ما علاقة تميّزه – إن وِجد – بفناني العراق؟.. ( بل لأنه نجحَ في بعث ما لايمكن تحديدهِ من الخيال الإنساني عندما حوَّل من الزخرف التجريدي الى قالب خلاّق مزج فيه الحقيقة بالأسطورة أما اللون عنده فهو آية جذابة تعيش اللوحة وكأنها الحقيقة.) –صفحة 67- في الواقع لن يحصل القاريء على جملة مفيدة توضح له رؤية هذا الفنان سوى مايلي من التعابير الساذجة ( مزج الحقيقة بالأسطورة) أو (أن اللون عنده فهو آية جذّابة تعيش اللوحة وكأنها حقيقة.)
يفترض الكاتب, بهذه اللغة, إن القاريء – المُشاهد هو التابع النموذجي في أُميَّتهِ المعرفية لأُمَّية الفنان ,الجاهل بنظر إحسان, وكلاهما يتقاسمان الجهل والإطراء والإملاء في خطاب التغريب والمداهنة. الفنان يجهل, بتقدير إحسان, مفردات حرفتهِ وأبجدية الألوان فيلقي عليه ثياب الأمبراطور و يُملي عليه النرجسية الوهمية المطلوبة لجلوسهِ في غير مكانهِ. وهو الأسلوب الذي إتبعه في تغطيتهِ لمعرض مايسمى إتحاد التشكيليين,- وهو معرض ملصقات سبق لجمعية التشكيليين أن قدمته مشروعاً لمؤسسة مساعدة منظمات المجتمع المدني وحصلت الموافقة على تنفيذه وجوبهت بالمماطلة في صرف الأموال ليتضح بعد ذلك, وبقدرة قادر, تحويل المشروع الى إتحاد التشكيليين الرواد – وبعده لم يستطع هذا الإتحاد تقديم أي مشروع آخر وإنتهى الأمر بحل الإتحاد.
تتجلى أُمية الكاتب في تطرقه للأسماء التي نهضت بالفن التشكيلي بصفته وعياً للحداثة وليس تقليداً إستهلاكياً ومن هذه الأسماء علي طالب وفاروق حسن وسلمان البصري وشاكر حمد...فقد زلَّ وأخطأ أكثر من مرة في إشارته لسيرة الفنان علي طالب ومنه تدريسه في إعدادية المعقل والمعروف أن الفنان كان يدرِّس التربية الفنية في الإعدادية المركزية وبعدها في معهد إعداد المعلمين قبل أن ينتقل الى بغداد. كما أضاع التضبيب الأنشائي على الكاتب رؤية المقاربة بين أعمال الفنان وأعمال مجايليه وأساتذته. في الوقت الذي يُقر الكاتب ( تفرّد) إسلوب علي طالب بالعناصر السايكولوجية والبصريات إلاَّ أنه ,الكاتب, لم يتعرف على خصائص تجربته فيرجعها الى مؤثرات شاكرحسن آل سعيد..(وقد أثبتت بأنها تشكيلة بصرية جريئة ومثيرة بسبب الهندسة المجسمة وتقاطع الضوء والمحور الشكلي الذي غُمرت به زوايا اللوحة" الخطوة الهندسية الأولى من التجربة وتركيب الألوان هي ملاحظات جاء بها الفنان شاكر حسن آل سعيد.) ونبيِّن أن أُسلوب الفنان علي طالب, في ذلك الوقت وما بعده, لم يستند إلى عناصر هندسية مجسمة, ولايتصل من قريب أو بعيد( بالملاحظات التي جاء بها الفنان شاكر حسن آل سعيد) وبالتالي لامعنى للقول أنها تشكيلة بصرية جريئة ومثيرة بسبب الهندسة المجسمة. مضافاً لذلك التعويم اللغوي في( تقاطع الضوء والمحور الشكلي الذي غُمِرت به زوايا اللوحة) فكيف يمكن وضع ( محور الشكل ) في زوايا اللوحة؟ وأخيراً لم يذكر الكاتب شيئاً يتعلق بهذه اللوحات, عنواناتها,عددها , حجومها. وحسب معرفتي ومشاركتي في هذا المعرض – المربد الأول- أن المشاركة إقتصرت على لوحة واحدة لكل فنان , ما عدا النحت الذي لم يحدد بشروط . ومثل ذلك التعويم قد يُشعر القاريء بالسأم من تكرار اللاَّمعنى في الكتابة بإدعاء الخوض في عالم يجهلهُ القاريء والفنان.. ونعتذر مقدماً لهما ببعض ماورد من هذا الهراء..( فالجانب التصويري عنده لم يمثل الروابط المألوفة التي غذّاها النسيج اللوني الذي إعتاد إختراقه والتوغل فيه حتى الصباغ – هكذا في الأصل – الداخلي بل أثر على إعطاء نوع من الديناميكية التسجيلية لأن الخطوط المرسومة عنده لم تكن محددة الإتجاه.) فكيف أصبحت هذه الديناميكية تسجيلية؟ وما علاقتها بالخطوط المرسومة عنده والغير محددة الإتجاه؟ ومتى أصبحت الخطوط ذات إتجاه محدد؟ – النص عن الفنان علي طالب -.
ويجد الكاتب في أعمال سلمان البصري منبراً لخلط الفترات الزمنية وربطها معاً فالفنان بدأ رحلته بسيرورة حداثوية مؤلفة من عناصر رمزية لشخوص – figures- مقطوعة الرؤوس ومعلقة في الفضاء. وكان هذا الموضوع عراقياً أصيلاً يدور حول وضع الإنسان في ظل متوالية الأنظمة الدكتاتورية الشمولية التي مرت على العراق. ولا يتماشى هذا الإتجاه مع قول الفنانين البولنديين لجواد سليم ( عليكم برسم ظواهركم الإجتماعية...) – في إشارة الكاتب - وذلك لأن الفنانين البولنديين ومنهم يوسف جابسكي كانوا ينتمون لثقافة المدارس الأُوربية, التعبيرية والإنطباعية. وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية عادوا الى بلدهم وإلتحق يوسف جابسكي مدرساً في البوزآرت في فرنسا. ولم يكن في نصائحهم للفنانين العراقيين ذلك النمط التعبيري – ما بعد الإنطباعية – والذي إتسم به إسلوب سلمان البصري. ولهم الريادة في تحويل مسار الفن العراقي من الغرفة – المرسم - الى الطبيعة .
في الواقع أن سلمان البصري كان مشغولاً بالظاهرة المأساوية في العراق وهي ظاهرة تدمير الكيان الشخصاني للفرد العراقي, وكانت رؤيته تنقسم الى عهدين عهد الدكتاتوريات وعهد الهجرات. وقد أشار الكاتب الى التدمير الذي ألحقته الدكتاتوريات والهجرات على الإنسان ولكن الكاتب يقع في تناقض بين مايراه وما ينشده في عمل الفنان فيخوض في تكوينات الفنان التي يعبر فيها عن ( الجانب السري من الإنسان وطبيعته وأرضه بالحجوم والهياكل المحشوّة بالأصباغ وبما يمتاز به الأسلوب التخطيطي من كشف للشرايين الفنية....)( إلاّ ان "سلمان" حاول بإفتراض المجهول أن يعطي للفن المهاجر معنىً عقائدياً ويُلبسه أكفان ورمزيات موميائية...) بالطبع إن الفنان يحمل في حقائبهِ كمَّا هائلاً من الذكريات الخاصة بالإنسان العراقي وبمدينته وتلاحقه أخبارها طوال الحروب والتمزق الإجتماعي.. وقد تجلى ذلك في نهجه الخاص في الرسم... وبعكس مايراه الكاتب من ( أن الفنان " سلمان البصري" مع جهدهِ الظاهر في تشريح الإنسان وإقراره للمشاعر الإنسانية لم يحاول إعطاء صورة واقعية للمأساة العراقية التي تعاون الإحتلال والحقد العنصري على تشكيلها عندما إنغمر باللون والرمز....) فأي تعبير عن المأساة العراقية أبلغ من (إقرار المشاعر الإنسانية) بلغة تشكيلية تخاطب الوعي الأوربي. يكرر الكاتب مقولة الإحتلال ومثلها الحقد العنصري.. ولنا أن نُسهب الحديث في هذا الموضوع في مكان آخر.. ونقول هنا فقط أن الإحتلال هو المرحلة الحتمية لحروب النظام البعثي ومن مغامراته ونظرتهِ الدونية للإنسان. وكان النظام المقبور يترقب الإحتلال وعلى موعد معه. أما الحقد العنصري فهي ثقافة ذلك النظام.
إن رمزيات الفنان سلمان البصري عبّرت عن الحالة الشمولية للمأساة. ولايستطيع الفنان الهبوط الى المباشرة والتطبيل في ملصقات تكمن فيها نبرة الحنين الى الماضي تحت لافتات مقاومة الإحتلال .
ثمة تغطيات أدبية ومقولات لفظية عامة في تحليلات الكاتب لتجارب الفنانين تُلغي الفواصل الزمنية والمراحل والتجارب التقنية وتحولاتها والتي شملت الجميع .
ما كتبه عن فاروق حسن وتجربته كان الأقرب الى رؤية الفنان الحرفية المستندة الى إستعارات كولاجية وعناصر التصوير الفوتوغرافي وهو ماينسحب على أعمال شاكر حمد ( كاتب هذا المقال ) لكن الكاتب لم يتوصل الى إدراك العلاقة بين اللوحة المنجزة بالزيت وبين الكولاج كمشروع تحضيري لإفكار تنظم على الورق. لنقول أن التجربة في المواد – الصبغات – لاتخضع لقوانين خارجية إنما تنساب عبر تحولات وإنعطافات ومصادفات عفوية أساسها التناغم اللوني ومتعة الرسم بحرية. أما إشارته الى التوظيف السينمائي في أعمال فاروق فقد تكون صحيحةً غير أنه لايعطينا الدليل على هذا التأثيروفى أي عمل أو مرحلة تخص الفنان.
نلاحظ هنا أن الكاتب يبحث في التجارب الفنية بوصفها تجارب شخصيِّة محاولاً ربطها بالواقع والحدث التأريخي, ولكن بصورةِ مقلوبة وقسّرية. ونورد أمثلة مختصرة وسريعة من هذه المقاربات ويمكن وضعها في باب العلاقة بين الذاتي – التجربة – والموضوعي – الحدث - . يقول في صفحة 86 ( و"فاروق" حتى بعد الخامس من حزيران 1967" إستعمل اللونين الأسود والبني للتذكير بالمأساة مثل رسم الخيول حين أعطاها لون رمال سيناء المحترقة كعروض تعبيرية فأعاد إختراق رمز أسطوري مثل حمزة البهلوان والسندباد من ألف ليلة وليلة وحكايات كليلة ودمنة"...) ونعقب على هذا النص المقتبس من مصدر لم يُذكر. إن إستعمال اللونين الأسود والبني لم يقتصر على فاروق حسن وإنما كان إمتداداً لظاهرة لونية عراقية تميزت بالإقتصاد اللوني وبتأثيرات المدرسة البولندية الجديدة – آرتموفسكي ومحمد مهر الدين – ومن قبلها فائق حسن ولا علاقة لها برمال سيناء وكانت تأثيرات محمد مهر الدين واضحةً في أعمال فاروق حسن لتلك الفترة وتميزت بالسطوح البنائية وتعدد الخامات والتغطية بلون واحد, وهي الظاهرة المميزة التي أغفلها الكاتب وهو يحاول أن يجد روابط تأريخية (قومية) للفن التشكيلي. كما إن رسم الخيول كان تقليداً محدود الأفق , مرجعيته مدرسة فائق حسن, وتوسع هذا الإتجاه ( سياحياً ) وتجارياً من قِبل المُقلدين و تم تخطيه من قبل أغلب الفنانين.
وبعد هزيمة 67 تحول الفن التشكيلي العربي عموماً والعراقي منه نحو موجة الفن المباشر إنفعالياً مع الحدث وبصيغة الملصق السياسي. ونتساءل ما علاقة هذه العروض التعبيرية عن رمال سيناء برموز ألف ليلة وليلة وحمزة البهلوان!.
يحاول الكاتب إيهامنا بالخلفيات السياسية لتجارب الفنانين الفردية كالتقنيات الحرفية.. يقول في صفحة 77 عن شاكر حمد (وبالرغم من أن " شاكر حمد" واحدا من الفئات الثقافية الملتزمة التي أرادت تحديد هوية المسار وطرحهِ إلاَّ إن رسوماتهِ ظلت تفاعلية لم تنشأ من فراغ لأن البداية زلقة فتعرّف من خلالها الى نمط من الفنانين الذين حاولوا خلق حركة وسطية لتحطيم البوابة الوهمية فكان لابد من توارث المشاهد وإضفاء ماإستجد من أفكار تلبست في حينها بالرمزية والتجريد لإحياء دواخل التجربة وتركها أمام متطلبات جوهرية تحققت في " الجبهة الوطنية وتأميم النفط ومكافحة الأمية"...)هذا الإستطراد يشبه الدخان لانستطيع أن نرى منه سوى عبارات متقطعة مثل ( البداية الزلقة ) لنفسرها بالتدخل في عالم السياسة. ومثلها ( الفئآت الثقافية الملتزمة ) وغيرها, كما في صفحات الكتاب - عددها 217 صفحة محذوفاً منها الصفحات الملونة البعيدة عن فلسفة الكاتب - حيث نلمس إضطراب الرؤية تحت وطأة التأويلات الجاهزة حول الفنانين فلا نستغرب التخبط حين يقرر الإسم ضمن (الفئآت الثقافية الملتزمة التي أرادت تحديد هوية المسار وطرحهِ) أو (نمط) من الفنانين, وفي باطن هذه التعابير حواجز ونظرة إستعلائية بعيدة عن الموضوعية المطلوبة في بحث ِالتجارب الفنية و الفنانين, والذين حاولوا خلق( حركة وسطية لتحطيم البوابة الوهمية) وهم مجموعة الرواد الذين شكّلوا جماعتي الظل والمثلث وفرع جمعية التشكيليين في البصرة. وعلى الكاتب أن يُضيف أن محاولاتهم إصطدمت بالبوابة( الوهمية ) القامعة للحريات وللفن وتسببت نشاطاتهم الفنية الثقافية الملتزمة فى تحجيم دورهم وإسكات صوتهم وتشريدهم خارج العراق أو داخله. أما الجهة التي أرادت تحديد هوية المسار ,لصالح ثقافتها الطبقية الحزبية الخاصّة, فهي السلطة الحاكمة يومذاك. ولم يستطع الكاتب أن يكشف دور السلطة ومخططاتها و ثقافتها في ذلك الوقت, وبشكل خاص في مخطط ما سُمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية.
أما الأفكار التي تلبست الرمزية والتجريد و تحققت في (الجبهة الوطنية وتأميم النفط ومكافحة الأمية) فالمقصود معرض الملصقات الذي أقامته جمعية الفنانين التشكيليين فرع البصرة, والمشار إليه في أكثر من مرة في الكتاب وبمفارقات مشوشة. ولا علاقة لهذا المعرض بجماعة محددة.
في الواقع أن الفئآت الثقافية الملتزمة التي أشار لها بصيغة الغمز ( أرادت تحديد هوية المسار) هي الثقافة التقدمية اليسارية التي ميَّزت تلك الحقبة من الصراع في العراق.. ويعترف الكاتب بتلك الإتجاهات الفاعلة في ( الأجواء المضطربة خلال عهود الفاشية...) ليعطف على تجربة شاكر حمد اللونية وأبعادها الرمزية..( ونستكشف هنا بأن لون" شاكر حمد " قد بدأ يأخذ خواصَّه التبشيرية المعنية بالخصب والأمل والخروج من الشكل المألوف عندما تدخلت في موضوعاتهِ... القيود المحطمة والألوان النارية المحترقة والموضوعات التجريدية والشطوب والتأشيرات...) إنها وجهة نظر الكاتب.