منهج الجابري في فهم النص ..عرض و تقييم (3)

احمد الكناني
2014 / 4 / 5

بعد ما كان القرآن المكي مقتصرا في خطابه على النبي والمشركين توسع في المدينة ليشمل الخطاب جهات متعددة ، فبالاضافة الى خطاب النبي والمشركين هناك خطاب لليهود و المسيحيين ، وخطاب الفئة الجديدة المسماة بالمنافقين ، وخطاب داع الى السلم، واخر محرض على القتال ، وثالث ذام للقاعدين والمتخلفين من المسلمين المتخاذلين ، والى اخره...
هذا الزحام في الخطاب نتيجة ازدحام الاحداث المتتالية وعلى مدى عشر سنين هو عمر القرآن المدني يجعل مهمة مسايرة التنزيل شاقة عسرة ، يضاف اليها تمدد في طول السور و والابقاء عليها مفتوحة لاستقبال الايات في آن واحد، و بتوجيه من النبي لكتَاب الوحي توضع الاية في السورة الفلانية و هكذا ، اذ لم يكن الحال كما كان في مكة حيث قصار السور و تبتدء الاخرى من حيث ما انتهت سابقتها ، هذا الامر جعل الدكتور الجابري يمهد بمقدمة مطولة قبل الدخول في تفسير السور المدنية ، اعتمد فيها السرد التاريخي للاحداث في المدينة منذ هجرة النبي اليها ؛ وذلك لبيان المسار العام للسيرة و احداثها في مرحلة المدينة و الذي سيتطابق معه التنزيل بصورة وصفها بأنها شبه تامة ، اذ لا توجد مطابقة تامة بين مسار السيرة و التنزيل في القرآن المدني لكثرة الثغرات التي تعتري الاخبار والروايات الواردة عن تلك المرحلة حول فهم القرآن بعد رحيل النبي والى هذا اليوم ، والاسباب غير خفية على احد .وهذا الامر وجد طريقه الى التضخيم في الروايات و فتح المجال لقضايا لا زالت تثير جدلا على مستوى الدراسات القرانية كمسألة النسخ والمحكم و المتشابه وغيرها ، و سيأتي الحديث عنها من خلال عرض وجهة نظرالمفكر الراحل والتعليق عليها .
المقدمة التمهيدية تناولت مجموعة نقاط تتسلسل بتسلسل الاحداث في المدينة ابتداءا من البرنامج الذي خطط له النبي لحالة الجماعة المؤمنة الجديدة من تأمين العيش مع الانصار من خلال المؤاخاة ، وتقنين التعايش السلمي المشترك ضمن عقد اجتماعي مع بقية الاطراف و المعروف بمعاهدة المدينة و التي تضمنت ايضا نظاما داخليا لتحديد العلاقات ، مع تحديد وظيفة النبي كمرجعية توافقية في مواقع الخلاف . ومرورا بالانتقال الى استراتيجية الهجوم وضرب مصالح قريش التجارية ومعركة بدر،الى الصراع مع اليهود ،و انتهاءا بظروف نزول سورة التوبة ، بالاضافة الى نقاط كثيرة بحثها الجابري وفقا لمرويات السيرة والتأريخ قبيل تتبع مسيرها من خلال النص القراني،والتي لم اجد فيها شيئا جديدا سوى الحلول الوسطية المنتخبة من بين نقل الرواة ، فسأعرض عنها صفحا واقف قليلا على المواضيع المهمة التي بحثها تحت عنوان الاستطراد الوارد ضمن سياق تفسيره للايات ،وفقا للطريقة التي اعتمدها من التقديم للسورة بذكر ما اورده المفسرون و الرواة من اسباب النزول ، ثم ذكر النص القرآني مع تفسير مختصر و توضيح للمفردات ، بالاضافة الى التصنيف للسور الطوال على شكل عناوين رئيسية وربما تتفرع الى عناوين فرعية ، ومن ثم التعليق على السورة ، وغالبا ما تكون التعليقات بصورة اختصار للعناوين المقترحة في النص في محاولة لرسم تصور اجمالي عما يدور في السورة من مواضيع مطروحة ، وهذا بدوره يترتب على شكل نقاط متسلسلة فيما اذا كانت السورة من الطوال وبحاجة الى برمجة موضوعاتها . و في الختام يذكر الاستطرادات وهي الامر المهم في كل ماكتبه بحسب ظني لانه تطرق لمواضيع ذات اهمية بالغة في علوم القران ، وكانت له وجهة نظر خاصة ارى من الضروري الاطلاع عليها من قبل المهتمين بدراسة الكتب السماوية و القرآن على الخصوص ، وهي جدلية كون الخطاب القرآني نزل بلسان عربي مبين غير ذي عوج، وفي الوقت ذاته يحتوي على ايات محكمات واخر متشابهات كانت سببا لنشوء الفرق و المذاهب وتناحرها وتقاتلها فيما بينها ،ولا زلنا نعيش ارتداداتها ، ثم النهاية المأساوية لكل تلك الفرق ، فالجحيم مأواهم جميعا الا واحدة هي الفرقة الناجية .
وبالرجوع الى الوراء كثيرا و بالتحديد بدايات نزول القرآن لم يجد العرب في الجزيرة اي مشكلة في فهم الخطاب القرآني من حيث الاصطلاحات و الالفاظ اذ ان اساليب التعبير جاءت وفق المعهود اللغوي عندهم ، فالتعبير بيد الله فوق ايديهم دال عندهم على القوة المجازية فحسب ، لكنها تثير التساؤلات و المحذورات عندنا ،وتدخلنا في مطبات فلسفية وكلامية تاسست على وفقها المذاهب و الفرق الكلامية المختلفة ، حصل هذا منذ اواخر العصر الاموي عندما تحول المجتمع الى مسرح للملل و النحل و التصادم الفكري فيما بينهم فصار هذا مجسم والاخر مشبه نتيجة التأويل الذي طال الاساليب المجازية القرآنية ، ومن هنا نشأ التأويل .على الرغم من ان بداياته ترجع الى العصر النبوي نفسه وفي المدينة بالذات، حين اخذ اليهود يلمزون القرآن و يطرحون الاسئلة لغرض التشويش و الاحراج و التحدي ، موظفين تراثهم العقدي التوراتي ، ومن ثم نفي كون القرآن من عند الله ، لكنه بعد ذلك اخذ منحا معرفيا مع القرآن يرقى الى التفسير و التأويل ، ومن هنا ابتدء النقاش في الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه ولم ننته منه الى هذه اللحظة .
انطلاقا من فهم لفظة "الاية " في الخطابات القرآنية على انها العلامة اوالدلالة اوالحجة يمكن تصور معنىً جديدا لمسألتي الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، يختزل به الكثير من الابحاث المبتنية على المعنى المعهود في اذهاننا المنصرف الى المقطع اللفظي الذي تتكون منه السورة ،وذلك بدليل وحدة السياق وقراءة المقطع ككل لما قبل لفظة الاية وما بعدها ، و وحدة السياق هذه تدلنا على ان لفظ الاية لم ترد قط في الخطابات القرآنية بمعنى الجزء من نص القرآن حروفا والفاظا ، انما تعني العلامة و الحجة و الدليل .
وقبل عرض المسألتين بحسب تصور الدكتور الجابري يحسن اخطار ذهن القارئ الكريم الى معاني تلك المصطلحات ، فالنسخ معناه :ازالة الحكم او انتهاء زمانه ، و المحكم: هو المتقن بالشكل الذي لا تعتريه شبهة ، و المتشابه : ما لم يتضح معناه ويصعب تفسيره .
الناسخ و المنسوخ :
مسألة النسخ في القرآن وما تهيئه من فضاء رحب لابداء وجهات النظر المختلفة ، فان علماء الدين الاسلامي الاكثر من بين الديانات الاخرى اهتماما بقضية الناسخ والمنسوخ ، تبعا للصحابة و التابعين وما ورد عنهم من التأكيد على اتقان موارد النسخ كشرط لمعرفة القرآن كما في رواية أبي عبد الرحمن السلمي المروية عن حفص بن عمر "قال: مر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه على قاص او (قاض) فقال: تعلمت الناسخ والمنسوخ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت " ، و هو امر طبيعي بالنظر للفترة الطويلة التي تجاوزها النص القرآني خلال مسيرته التنزيلية وعلى الخصوص في فترته المدنية التي تحدث فيها عن موضوعات ظرفية في الغالب اي كان حديث الساعة في ذلك الزمان ، ومن الطبيعي ان تتنزل آيات تلغي او تنهي مفعول سابقتها او تكون الاحقة حاكمة على سابقتها فيما يتعلق بالاوامر و النواهي .
الا ان المفكر الراحل يحصر موضوع النسخ في الايات التي تتضمن احكاما شرعية دون تلك التي تتحدث عن امور عقائدية ،لان التزام النسخ في تلك الايات معناه اثبات البداء الذي اطال الحديث عنه المتكلمون و الفلاسفة من دون طائل ومعناه العلم بعد الجهل وهم محال على الله .
ثم تتضيق دائرة النسخ عند الجابري عند تنقيح معنى النسخ من اللبس والخلط مع مفردات المطلق والمقيد و العام و الخاص وهي مباحث لفظية لا مجال للنسخ فيها ، فالخاص لا ينسخ العام و المقيد لا ينسخ المطلق و انما يحدده و يقيده .
و النتيجة التي يخرج بها الجابري من موضوعة النسخ هي النفي المطلق لوقوعه في القران لعدم الدليل ، اما الايات التي تتحدث عن وقوع النسخ كما في الايه " ما نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا " لا تعني الاية هنا المقطع من القرآن الذي هو جزء السورة ، وانما تعني العلامة او الدلالة ، و الحقيقة ان القرآن نزل مفرقا على مدى يزيد عن العشرين عاما لتكون احكامه متلائمة مع تطور الاحداث وهو في جملته لا ناسخ فيه ولا منسوخ ، و الشاهد هو القران ذاته : " كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلت مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ " اي احكمت في منظومة كلية ثم فصلت عناصرها حسب مقتضى الاحوال ، وكل ما هناك هو وجود انواع من التدرج في الاحكام من العام الى الخاص و من المطلق الى المقيد و من المجمل الى المبين و من المبهم الى المعين ، فضلا عن ملائمة الاحكام مع مقتضيات الحال ، كأن يأتي حكم يراعي حالة المسلمين من الضعف ، ثم يأتي تعديل نفس الحكم ليلائم المستجدات ان تحسن حالهم ،وهذا ليس نسخا وابطالا للحكم وانما يعني اعماله بصورة معدَلة ، كما في اية السيف التي ادعي انها نسخت ايات السلم كافة .
و بناء على هذا تعتبر التفريعات التي تتحدث عن نسخ القرآن بالسنة ، او نسخ الحكم و التلاوة او الاول دون الثاني او الثاني دون الاول ...كلها تخريفات اثقلت كاهل الفقه الاسلامي من دون جدوى ، واذا كان هناك نسخ بمعناه الحقيقي فهو في معجزات الانبياء بمعنى ان الله ينسخ معجزة نبي سابق بمعجزة اخرى لنبي لاحق ..وهذا ليس ابداعا في الرأي فالشاطبي ايضا قلَص من مفعول النسخ ومداه الى المستوى النادر من الاشياء وفي امور جزئية بدليل الاستقراء .
المحكم و المتشابه :
تشغل قضية المحكم والمتشابه حيزا كبيرا من القرآن يصل الى اكثر من ثمانين اية يندرج معظمها في اطار الجدل مع اليهود و المسيحيين ، و اثباتها يأتي ضمن ذات السياق الذي اثبت به قضية الناسخ و المنسوخ؛ من تفسير الايات بالعلامات وليس المقصود بها ايات القرآن التي هي جزء السور ،فالايات المحكمات تعني الفعل الالهي الدال على وجود الله وعلى وحدانيته و قدرته على الخلق ، فهي العلامات و الدلائل و الظواهر الكونية التي تشير الى وحانيته وقدرته ، وهن ام الكتاب والاصل الذي ترد اليه الفروع . اما المتشابهات فهي العلامات التي اراد الله بها اثبات فعل خارق للعادة للانبياء كعلامات على صدق نبؤاتهم ، من هنا يفهم ان المحكمات و المتشابهات ليس من سنخ الالفاظ الغامضة كما يتصور .
و الخلاصة : ان المحكمات والمتشابهات لا مجال لها في خطابات القرآن كما ان الناسخ و المنسوخ كذلك ، لكن على هامش موضوع النسخ تبرز قضيتان:الاولى سياسية تتعلق موضوعة القتل وممارسة الجهاد ضد الاخر وهو اخر ما نزل من القرآن و يعتبر ناسخ لما قبله من موقف المهادنة و الصلح ، و الثانية اجتماعية تتعلق بموضوعة زواج المتعة والتي قيل بنسخها و زوال حكمها.و للكلام تتمة ...