قضية فساد.. وزير المالية المغربي الأسبق صلاح الدين مزوار

نبيل بكاني
2014 / 4 / 1

القضاء المغربي في صلب الاتهام، مرة أخرى. "سابقة سيسجلها التاريخ"؛ من العبارات القوية التي تضمنها بلاغ لجنة التضامن مع المهندسين، عبد المجيد ألويز و محمد رضا؛ خلال الحملة الترافعية التي أطلقتها اللجنة أمام مؤسسات حكومية سيادية، من بينها مبنيي كل من البرلمان و المجلس الوطني لحقوق الإنسان و مؤسسات تقريرية حكومية أخرى، بعد الحكم القضائي المخيب للآمال الصادر في حق المهندس عبد المجيد ألويز بإدانته بعقوبة شهرين موقوفا التنفيذ مع أداء غرامة مالية. و هو ما يعد تبرئة ضمنية لوزير المالية الأسبق صلاح الدين مزوار (وزير الخارجية حاليا)، و الذي يعتبر، حسب الوثائق الإدارية الرسمية المسربة، متورطا في عملية فساد إداري مالي من العيار الثقيل إلى جانب زميله نور الدين بن سودة المدير العام للخزانة العامة للملكة؛ اعتبارا للوضع الاعتباري و المنصب الحساس الذي كان يتولاه وقت حدوث الفعل. و هي الوثائق التي أشيع أن المهندسين السابق ذكرهما قاما بتسريبها من القسم الذي يشتغلان به في وزارة المالية، للصحافة التي حولتها إلى قضية رأي عام، بفعل الاهتمام الإعلامي المحلي و الدولي الذي أثير حولها.
هذا الحكم، يمكن النظر إليه أيضا، كإدانة رمزية لكل شعارات ربط المسؤولية بالمحاسبة و القطع مع عهد الإفلات من العقاب التي رفعتها الدولة، و لكل وعود الحكومة بمحاربة الفساد و كشف المفسدين. مثلما يمكن قراءته كإدانة مبدئية لكل مواطن أو موظف سولت له نفسه "الضعيفة" الرضوخ لنزوات ضميره، و التفكير في كشف أو تقديم شيء، أيا كان نوعه أو شكله، بوسعه الإشارة إلى مكمن من مكامن الفساد، أو إلى أي موظف حكومي سام له صلة بالفساد. كذلك، فهذا الحكم يمكن قراءته كإدانة مسبقة، لكل الأصوات "النشاز" المغردة –إن جاز التوصيف- خارج سرب الطيور المحظوظة، و لكل أولائك المطالبين بكشف الفساد و مجابهته.
يُعرف الفساد الإداري اصطلاحا، بأنه كل خلل في الأداء الوظيفي نتيجة غياب المسائلة و انتشار المحسوبية و إهمال المساطر القانونية المنظًمة. و بين الفساد الإداري و الفساد المالي يوجد ارتباط سيامي لا يمكن فصله بين الاثنين. و إيمانا بخطورته على المجتمع، فقد سعت عدة مؤسسات دولية معنية، إلى محاولة تحديد ماهيته و حصر شكله، موجهة تحذيراتها منه، حتى يتمكن المهتمون بالتركيز عليه و محاصرته. فشرحته منظمة الشفافية الدولية بأنه "استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة"، و أما البنك الدولي فعرفه على أنه "إساءة استخدام الوظيفة العامة للكسب الخاص". هذه التحذيرات، تلقفتها منذ زمن العديد من المنظمات المحلية، و كثير من الحقوقيين و النشطاء و الكتاب... ليحولوها إلى دعوات و نداءات كل بأسلوبه الخاص، و بشعار يعكس طريقة تفكيره. و قد كان ممكنا أن يكون وضع المغرب أفضل حال بكثير مما هو عليه الآن، لو أن أصحاب القرار انتبهوا لهذه التحذيرات و تعاملوا معها بقدر من المسؤولية يوازي خطورتها.
و في هذا الحديت المرتبط بموضوع أصحاب القرار في هذا البلد، لا مناص من إغفال حدث مهم، و يتعلق بشأن الدعوة التي أطلقا وزير العدل مصطفى الرميد، ضمن اللقاء التواصلي الذي نظمته، بالرباط، الجمعية الوطنية لإصلاح منظومة العدالة مؤخرا، حيث دعا بالحرف، كل المواطنين، إلى الاستعانة بكل التقنيات التكنولوجية التي تفتق بها العصر، من قبيل التسجيلات المرئية الصوتية و التسجيلات الهاتفية، التي أضحت معتمدة لدى القضاء المغربي، حسب ذات الوزير، في ذات اللقاء الذي بشر الحاضرين فيه، بعزم وزارته إطلاق حملة إعلانية في التلفزيون العمومي تشجع من خلالها المواطنين على التبليغ عن الوقائع المتعلقة بالفساد، و ذلك بواسطة الخط الأخضر –أي المجاني- الذي سيتم تشغيله لتمكين جميع المواطنين من الإبلاغ عن وقائع الفساد، هذا الكلام الصادر عن مسؤول حكومي رفيع برتبة وزير، بقدر ما يرسله من إشارات ايجابية تنم عن رغبة قوية، متجاوزة طروحة "الإصلاح" بمفهومه التقليدي، نحو التغيير الجذري الذي يحتاجه المجتمع بحق، داخل جهاز يوصف بأنه عماد تقدم البلد، مثلما هو مكن الفساد فيه و أهم أسباب تخلفه، بقدر الخطورة التي يحملها هذا الكلام و التي هي بحجم المسؤولية المترتبة عنه، أو المسائلة الجنائية التي قد تعقبه، خاصة و أن نتائح مثل هذه الأفعال على أرض الواقع، لن تكون بالهينة على المواطن الذي قد يذهب ضحية خطابات، لا تصلح في الواقع سوى أن تتخذ موضوعا للنقاش الأكاديمي داخل الصالونات النخبوية و قاعات الندوات، لأن الواقع في الخارج، أو الواقع المعاش، غير ذلك تماما، خاصة و أن هذه الدعوة، أو هذا الكلام، صدر في وقت لم تتوقف فيه بعد انتقادات المتتبعين لملف قضية محاكمة المبلغ عن "فضيحة" مزوار و خازنه العام، فالمهندس ضحية "التبليغ"، "عبد المجيد ألويز"، استعان هو الآخر بتكنولوجيا العصر –الانترنت- مثلما دعا سيادة الوزير تماما، إلا أنه في نهاية المطاف وجد نفسه تحت طائلة القضاء بتهمة تسريب "وثائق"، في حين تنصل وزير العدل من كل المسؤوليات التي يفرضها عليه الواجب الأخلاقي، قبل الواجب المهني، حيث تتحدد مسؤوليته في هكذا قضية، أثارت الرأي العام، و تتعلق بملف خطير و وازن و هو الفساد، تتحدد مسؤوليته الإدارية كوزير للعدل في ضمان شروط المحاكمة العادلة، و هي شروط نصت عليها أيضا، المواثيق الدولية التي تعهد المغرب بالالتزام بها.

و من شروط المحاكمة العادلة كما نصت المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حق كل إنسان "على قدم المساواة التامة مع الآخرين، في أن تنظر قضيته أمام محكمة مستقلة نزيهة نظراً عادلاً علنياً للفصل في حقوقه والتزاماته وأية تهمة جنائية توجه إليه".
أن "لا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات". و هو ما تم تغييبه في قضية المهندس المعني منذ بدايتها، فقد تعرض المهندس "ألويز" لتجاوزات طالت شخصه و ممتلكاته و حياته الخاصة و الأسرية، فحسب تصريح اللجنة المذكورة سلفا، قد تم اقتحام مسكنه الشخصي و مصادرة حاجياته الخاصة و فصله عن العمل و وقف راتبه الشهري قبل أن تنطق المحكمة بالحكم.
إن مجابهة الفساد، لا تحتاج إلى شعارات و خطابات، بقدر ما هي في حاجة إلى قوة؛ قوة ضمير و قوة الالتزام بالمسؤولية و قوة التشريع. و إلا سنجد أنفسنا دائما، و كما تعودنا منذ فجر الاستقلال ضحية شعارات مفرغة، و ضحية عدم إحساس بمسؤولية المنصب الإداري و السياسي الذي يفترض فيه أن يستعين بكل الآليات المؤسساتية و القانونية في فضح المفسدين و مكامن الفساد و توفير الحماية القانونية التي وفرها المشرع لكل من سعى بالطرق المشروعة إلى كشف أي معطيات أو معلومات تقود إلى الكشف عن عمليات فساد و توقع بالمتورطين فيها. فالشعار إن لم يكن محمولا بقبضة تقدر حجم المسؤولية التي ينطوي عليها، لا تبقى له أدنى قيمة لدى من لديه نية كشف وقائع الفساد و من لديه نية ارتكابها.