منهج الجابري في فهم النص .. عرض و تقييم( 2)

احمد الكناني
2014 / 3 / 29

سأستعرض في هذا المقال القصص القراني بحسب التصور الذي رسمه الدكتور عابد الجابري في منهجه لفهم النص ، اذ يراها بمثابة مرأة تتجلى فيها الدعوة ذاتها ، ماضيها وحاضرها ومستقبلها عبرالتاريخ المقدس للانبياء والرسل ،فهي نافذة واسعة يمكن الاطلالة من خلالها على جانب مهم من مسيرة الدعوة عبر نقل تجارب الانبياء مع اقوامهم ، و في الوقت ذاته هو خطاب جدلي و ازلي موجه الى الخصوم للاستفادة من تجارب الامم السابقة ، ثم ان حالة التساوق- التي يؤكد عليها الجابري- بين مسارالدعوة و مسارالكون والتكوين للقران تتجلى باوضح صورها من خلال تتبع تطور القصص القراني حسب ترتيب النزول .
وفي هذا التصور ابداع متوازن بين استخلاص النتيجة ضمن اطار القران ذاته و بين اجتناب الخوض في جدلية القصص والحقائق التاريخية ، ذلك ان معظم المفسرين وعلى الخصوص القدامى منهم كالطبري و البغوي و ابن كثير وعند دراسة القصص يستندون في مروياتهم على ما يصطلح عليه بالاسرئيليات لملئ الفراغات في النصوص ، ولا يجدوا مناصا من ذلك في تسليط الضوء على تفاصيل تلكم القصص من خلال مرويات كعب الاحبار و وهب بن منبه و امثال هؤلاء من اصحاب الخلفية اليهودية ممن فسروا القصص القراني بشواهد من التراث التوراتي الانجيلي المشوب بموروثهم القديم والذي لايخلوا من الاساطير ، فحاول المفكر الراحل الاقتصارعلى المادة التي يعطيها القران وحده بالابتعاد عن تلك الشوائب ، لان الهدف من السرد هو حكاية سيرة حياة هذا النبي او ذاك لاستخلاص العبرة التي تخدم حاضر الدعوة و مستقبلها ، و هذا يغني عن الخوض في تفاصيل تلك القصص ،ومحاولة فك اسلوب الايجاز المتبع في القران بالاطناب في ذكر الاخبار اليهودية حول القصص كما هو ديدن قدماء المفسرين .
وهنالك نقطة هامة اكد عليها الدكتور الجابري وهي جديرة بالتأمل : وهي ان القصص القراني تجري مجرى الامثال حيث يعرض القران قصص الانبياء بما يناسب مراحل الدعوة لبيان العبرة او الاستشهاد وقد لا تكون القصة ملحوظة بذاتها ، وكما ان المثل لا يقصد بذاته وانما للبيان والعبرة او للاستشهاد على صحة قضية ما فكذلك القص القراني لم يقصد فيه اصل القصة وانما المقصود العبرة من ورائها ، و الصدق هنا لا يتعلق بالمطابقة وعدمها للواقع الخارجي بل الصدق مرجعه مخيال المستمع و معهوده ، و عليه فالغرض من المثل و القصص القراني غرض واحد .
و بناء على هذا الفهم تتذلل كثير من الصعاب التي تعتري التاريخ المقدس لانبياء بني اسرائيل و بقية الحكايات الوارد ذكرها في القصص القراني ، و التي تثير علامات استفهام كبيرة حول التداخل النصي بين القران و بقية الكتب المقدسة ، من انها حقائق تاريخية ام اساطير صنعتها مخيلات الشعوب ولا اثرلها يذكر في سجل تنقيبات علماء الاثار و تحقيقات المؤرخين ، و هي معادلة معقدة تجمع بين طرفيها نقيضين يصعب اثباتهما من دون الدخول في المحاذير ، فأثبات القصص على انها حقائق تاريخية نطق بها الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه لازمه النوم ملئ الجفون عن نتائج بحوث الاثاريين و المؤرخين ، او التسليم للواقع الثابت تاريخيا مع التماس الاسباب لحكايات الوحي .
على ان الامر برمته سيجد مساره للحل اذا ثبتت مقولة المفكر الراحل بأتحاد القصص و الامثال في الغاية و الهدف ، وحينئذ لا جدوى من البحث في كون القصص حقائق تاريخية ام لا، لانها ليست مقصودة اصلا ، ويبقى المثل يتردد في المناسبات المختلفة من دون الالتفات الى القصة من ورائه طالما الغرض هو بيان العبرة او الاستشهاد .
والخلاصة : ان دراسة الجابري للقصة القرانية تمتاز بمجموعة مميزات : كونها تتبع الترتيب التاريخي للنزول ، و انها بحثت ضمن الجو العام للقران وحده و من دون اللجوء الى الموروث الثقافي التوراتي الانجيلي ، بالاضافة الى ان غرض القصة هو بيان العبرة اوالاستشهاد فيكون حالها بذلك حال المثل فلا يمكن اعتبارها حقائق تاريخية و لا ينبغي البحث في هذه المفردة لعدم جديتها ، و الحقيقة القرانية تتمثل في العبرة و الدرس الذي يجب استخلاصه منها ، وهو الامر المثير في دراسة القصص ، اي مسألة العلاقة بين القصص القراني و الحقيقة التاريخية ، فالقران ليس كتاب قصص بالمعنى الادبي ولا هو كتاب تاريخ بالمعنى العلمي انما هو كتاب دعوة دينية ، فلا معنى لطرح مسألة الحقيقة التاريخية ، نعم هناك وقائع تاريخية تحدثت عنها تلك القصص لكنها تدخل ضمن معهود العرب الثقافي و الفكري ...
لكن هذا الرأي على متانته ومعقوليته هل يمكن تعديته الى كل القصص ، او انه صادق على بعض القصص دون غيرها ، بمعنى ان جدوى البحث في الحقائق التاريخية للقصص من عدمها متوقف على كون القصص بمثابة الامثال او لا ، فأذا ثبت ان القصة كالمثل حينئذ لا معنى للبحث في الحقيقة التاريخية للقصة ، و السؤال هو :
هل ان القصص جميعها بمثابة الامثال او ان بعضها ليس كذلك ؟
و في مجال التقييم لابد من التفرقة بين القصص المأخوذ في موضوعها استخلاص العبر و الدروس ، و بين قصص التحدي و اثبات الذات ، فهذه وان كان مصدرها الموروث الثقافي العربي الا انها لا تجري مجرى الامثال ، فأطلاق الحكم على كل القصص و انها بمثابة الامثال تعدَ غفلة من الدكتور الجابري ، و حينئذ يأتي الكلام بطوله و عرضه في الحقائق التاريخية، ولا مفرَ اذن من السير في ذات الطريق الذي سلكه الاخرون .
والشاهد على ذلك قصة ذي القرنين التي ورد ذكرها ردا على الخطوة التي أقدمت عليها قريش للنيل من الدعوة بعد انتخابهم لثلة من كبار مثقفيهم ليختبروا النبي بسؤلهم عن رجل طواف بلغ مشارق الارض ومغاربها ما كان نباءه ؟ او ان اليهود سألوا عن اسم لوقرانائم الوارد في كتبهم فمن هو ؟
وسواء ورد السؤال من قريش او من اليهود فان الغرض من السؤال واحد وهو التحدي وطلب الإثبات من الدين الجديد على الإتيان بتفاصيل غير متيسرة لهم ان كان مصدر الإلهام هو الوحي كما يدعى ، فأي عبرة او درس يمكن استخلاصه من هذه القصة !! اذن لا مجال للعبرة في أمثال هذه القصص أصلا ، فكيف حينئذ ننزل هذه القصص منزلة الأمثال ، وعلى اثرها يقلل من شأن البحث عن العلاقة بين القصص القراني و الحقائق التاريخية ، على الرغم من الأهمية القصوى لذلك البحث الذي شغل بال المهتمين بالدراسات الدينية و الاجتماعية على حد سواء ، وكان الاولى بالمفكر الراحل النأي جانبا عن بحث تلك العلاقة الجدلية وعدم الخوض فيها بدل التقليل من شأنها وإثباتها كأحدى مميزات دراسته للقصص .
وأظن ان الإطار العام الذي اختطه لا ينسجم مع بحث الحقيقة التاريخية ، وذلك لان الالتزام باستخلاص المعنى من القران وحده والاعتراض على طريقة قدماء المفسرين من اعتمادهم على الإسرائيليات في توضيح القصص سوف يجعله يغض الطرف عن علاقة القصص بالحقائق ، وهو بحث سوف يقوده الى طرح اشكالية تداخل النصوص مع التوراة و الإنجيل بل الموروث الثقافي على عمومه ، وهذا ما يخرجه عن المنهجية التي اريد منها ان تكون ضمن حدود القران وحده ،. رغم انه اعتبرها انعكاس للموروث الثقافي والفكري للعرب ، وحتى لو قلنا بهذ الانعكاس يصعب ايضا التقيد ببحث الحقيقة التاريخية ضمن حدود القران وحده .
و الشاهد على ذلك انه اضطر لعقد المقارنة بين نص القران و نص التوراة وبيان اوجه الشبه بينها فيما يتطلبه البحث القصصي التاريخي الا انه جعل الهامش مجالا للتحرك في سلسلة البحث ولم يقحمه في المتن لئلا تنخرم منهجيته المرسومة ضمن اطار القران .
لكن الامر الغريب هو كيف يمكن تصور ان الدكتور الجابري يؤمن بأن القصص القراني بأجمعه كالامثال و يرتب عليه عدم جدية البحث في الحقيقة التاريخية ، كما يصعب تصور انه اذا التزم ببعض القصص دون البعض الاخر سيكون مجبرا لبحث الحقيقة التاريخية في ذلك البعض فعمم الامرعلى كل القصص للخلاص من متاهات الحقيقة والتاريخ .
وعلى افتراض ان القصص كلها بمنزلة الامثال الا ان ذلك لا يمنع من ان تكون القصة الواحدة تحمل كلا الوجهتين العبرة والتحدي ، فكيف يمكن التعامل مع هذا النوع من القصص كما في سورة الكهف و لقاء موسى و الخضر عند مجمع البحرين ...؟ وقد تقدمت الاشارة الى كلتا القصتين في مقال سابق بعنوان " التداخل النصي بين الكتب السماوية و الاساطير".
و خلاصة تصورات الدكتور الجابري عن القصص المكي في قسمه المخصص للانبياء و الرسل ؛ ان رحاها تدور حول دعوة الانبياء لاقوامهم ، ثم موقف تلك الاقوام الرافض للدعوة ، و من ثم نزول العقاب الالهي على تلك الامم نتيجة جحودهم نبؤات الانبياء، كما حصل مع "قوم نوح وعاد و فرعون ذو الاوتاد و ثمود و قوم لوط و اصحاب الايكة ..كل كذب الرسل فحق عقاب "
الامر الذي يجعل تلك القصص متحدة السياق مع التنكير و التكذيب الذي تتبعه قريش مع النبي ،والملاحظ في السرد القصصي المكي بعناصره الثلاث الدعوة و التكذيب و العقاب يوحي للقريشيين بان المصير الهلاك اذا استمرالعناد كما حصل للامم السابقة ، و النتيجة ان النصر سيكون حليف الدين الجديد كما كان حليفا للانبياء السابقين ، و كأن دورة الحياة تتكرر مع كل نبي قادم .
حتى ان السرد القصصي المفصل لكل من داوود و سليمان و الملكة بلقيس الوارد ذكرهم في سورة ص والاعراف يحمل ذات المغزى و بسياق واحد مع احداث بدايات الدعوة مع قريش، وفيها ايحاء للنبي ان يتصرف بتلك الروحية التي اتسم بها الانبياء من قبله فكما ان داوود و سليمان رفضا الاغراءات فعليه ان يفعل ذلك ويرفض المساومات وغراءات قريش ، و كذلك الحال بالنسبة الى قصة ايوب و ابراهيم ...
والنتيجة التي يخرج بها المفكر الراحل من قصص الانبياء هي انها تنتمي الى التاريخ المقدس ، وان ما يجري في هذا القصص من حوار بين الانبياء واتباعهم من جهة و خصومهم من جهة اخرى يشابه ذاك الحوار الذي يجري بين اصحاب الجنة والنار في وقت لم تقم فيه القيامة بعد.
وصيغة الماضي في حوار لم يأت زمنه بعد ؛ يتبع الاسلوب البلاغي العربي من تنزيل المستقبل منزلة الماضي لاثبات تحققه ، و هذا الاسلوب ظاهر في احاديث القيامة و اهوال الجحيم و نعيم الجنة .
و بالعودة الى مسألة الحقائق التاريخية التي ادار ظهره لها من قبل بحجة المشابهة بين القصص و الامثال يعود الدكتور الجابري كرَة اخرى ليؤكد ان لا واقع وراء التاريخ المقدس انما هي حوارات مشابهة لنداءات اهل النار لاهل الجنة ان افيضوا علينا من الماء او...هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا ، فأي حقيقة تاريخية في حوار افتراضي مصبه في الدرس و العبرة و الموعظة الحسنة .
و في النهاية يرتبط التاريخ المقدس للانبياء و اقوامهم بواقع الدعوة المعاش لاثبات حتمية المصير الذي سيلاقوه كما ذاقته الامم المكذبة من قبل نتيجة مواقفهم العدائية ، اما ما ورد خلال حكاية ذلك مما يخص الدعوة المحَمدية فهي حقائق تاريخية .. فالقصد هو الدرس الذي يستخلص من الحدث وليس موقع الحدث في القصة .
و تلك الحوارات بحاجة الى استقراء تام ودراستها ضمن الجو العام للقصص للبت بتلك النتيجة ، اذ لو كان الامر يتعلق بالحوار القصصي بين الرموز المتحاورة لصح تشبيههم بحوار اهل الجنة والنار ، وتوضيف ذلك الحوار في مصلحة حاضرالدعوة ، وحينئذ يكون القصد هو الدرس المستخلص من الحدث وليس موقع الحدث في القصة كما يقرر الجابري ، لكن تلك القصص تتحدث عن كيانات قائمة بكل المقومات مما يجعل البحث عن واقع تاريخي لتلك الكيانات امر حيوي لابد من التحقق منه لاثبات مصدر تلك الحكايات ، حتى لو كان مصدرها الموروث الثقافي العربي الا انه لا يفي بقصص التحدي و اثبات الذات المتقدم ذكرها مما هو بحاجة الى افق اوسع من ذلك المتعارف عليه في الجزيرة كما تقدم في قصة ذي القرنين .
والخلاصة التي نخرج بها من كل ما تقدم : ان القصص كالامثال و ان الحوار الجاري في قصص الانبياء كحوار اهل الجنة و النار كلاهما لا واقع تاريخي من ورائها ، و بهذا يتجاوز الدكتور الجابري حواجز البحث التاريخي للقصص بكل ما تحمله من عثرات ... و هي التفاتة على جماليتها غير مقنعة بالنسبة لي ، لانها غير مستندة الى استقراء تام للقصص ، و هناك من القصص ما لا يتضمن معنى الامثال ، وعليه تبقى اهمية بحث الواقع التاريخي للقصص القراني تحضى بالاولوية في سلم الدراسات الدينية لما يترتب عليها من اثار لا يمكن تجاوزها في مجال تقييم دور الدين في حياة الانسان .
بهذا المقدار من العرض و التقييم تنتهي مرحلة القرأن المكي و التي دامت ثلاثة عشر عاما من التنزيل كان طرفا الخطاب فيها النبي و المشركين ، و التي شغلت قسمين من الكتاب الاول و الثاني بالاضافة الى المدخل ، و بعدها سيأتي عرض مرحلة القرأن المدني و التي دامت عشر سنوات مزدحمة الاحداث و النتاقضات اطراف الخطاب فيها كثر ، و شغلت القسم الثالث و الاخير من الكتاب .