الحركة التشكيليه في البصره

شاكر حمد
2014 / 3 / 28


صدر عن دار الشؤون الثقافية وضمن كتب بصرية كتاب [ الحركة التشكيلية والعمارة التراثية في البصرة – قراءة وتأريخ - ] – الجزء الأول – للكاتب إحسان وفيق السامرائي – ومن هذا العنوان نتوقع إحتملات رحلة تأريخية ,عسيرة وشاقة, لأنها تخوض في ميدان تكاد تنعدم فيه الجذور الحقيقية للمعلومة المصدرية كالمدونات , سواءً في التشكيل أو في العمارة التراثية. وفي هذا الإحتمال أكثر من إستفهام حول ربط التشكيل بالعمارة التراثية , من الناحية البحثية التأريخية ولكل منهما, التشكيل والعمارة, ميدانه الحرفي الخاص . ولن نُخطئ في تساؤلنا حالما ندخل صفحات الكتاب المُتخم بالأخطاء والتواريخ والأسماء .. مع تقديرنا لجهد الكاتب.ونقترح عنواناً مغايراً للكتاب هو( مقالات في التشكيل والعمارة) مع تأكيدنا على فصل التشكيل عن العمارة, إلاّ في حالة بحث المؤثرات والتداخلات بينهما وهو ما غاب عن رؤية الكاتب.
(1)
قسّم الكاتب مادة الكتاب على ثلاثة مساحات.. الأولى مقدمة تأريخية لجذور الحركة التشكيلية في البصرة, وفيها يعترف الكاتب بفقر المدونة المصدرية..والثانية وهي المساحة المخصصة للفنانين التشكيليين ( البصريين) مقالات ولوحات والثالثة مقالات عن معارض عامة كمعارض الحزب الشيوعي ووجهة نظر الكاتب فيها إضافةً الى مقالات أُخرى. وسنُبدي رأينا, علماً إن ما يُكتب في ميدان التشكيل لايتجاوز حتى الأن مجال وجهات النظر, ولم تُنتج الدراسات النقدية سياقاتها المنهجية الواضحة رغم مرور أكثر من نصف قرن على دخول الفن التشكيلي العراقي ميدان التحولات الحديثة.
غالباً ما يطمح القاريء الى التجاوب مع جهد الكاتب لتقييم مادة الكتابة, بالأخص أذا كان هدف الكتابة تقديم الحقائق التأريخية, أي عدم الإخلال بها من وجهة نظر القاريء. ولهذا القاريء شروطه الموضوعية في التقييم ليفترض أن هذا الكتاب جيد ومفيد أو رديء ولا يستحق إضاعة الوقت في قراءتهِ وذلك :-
أن يعتمد الباحث منهجاً محدداً. أو يشير إلى أن مادة الكتاب عبارة عن مقالات في موضوع أو مواضيع عدة.
توفر الدقة في المعلومة والأمانة النقلية والحيادية في ذكر الأسماء والجهات التي يتناولها البحث.
تنقية الكتاب من التكرار ومن السياقات اللفظية المجانية والإبتعاد عن الشمولية والإغفال المتكرر لوقائع وأسماء بعينها في مقابل تزكية سواها وعلى حساب الحقائق الواقعية . ومن خلال متابعتي لما يكتبه السيد إحسان وفيق تملكني شعور لابد أن يدركه الكاتب ألا وهو الموقف الشخصي لكاتب عاصر ثلاثة أجيال من الفنانين وله تجارب تُحسب في إطار الثقافة الأبوية لمعاينة الأجيال الجديدة – أو هكذا ينبغي أن تكون – ومن المعيب أن يصطف كاتب, بهذا العمروالثقافة , مع هذا الطرف أو ذاك في خلافات المهنية وتشنجات العلاقات الشخصية والمشاركة في صراع ( التغالب)الذي شخَّصه الدكتور علي الوردي من قبل في طبيعة مجتمعنا العراقي. ومن الواجب تنقية الرؤية النقدية من الأحكام الجاهزة والطروحات القائمة على إفتراضات جامدة وغير قابلة للحوار. لقد خلفت العقود الماضية كمّاً هائلاً من التراكمات النفسية غير القابلة للتطويع مع مستجدات روح العصر وتعود في غالبيتها الى أزمنة الصراعات السياسية, والتى يشير لها السيد إحسان بالإيماء والغمز, لذلك إرتأينا معاينة إسلوب الكاتب وتعابيرة وتعميماتة في الفقرة رقم (2 )من هذا المقال...
في السطور الأخيرة من مقدمته التأريخية يعترف الكاتب بالخلل ويسميه النسيان في صفحة 35 (إن وقوفي عند عدد من الفنانين في دراستي العابرة سيثير عند البعض التساؤل والإتهامات لأنني لم أُفكر في تغييب البعض لدوافع مزاجية ولا أُريد أن أسبق الزمن لأن غايتي إثبات حقبة تأريخية مازال البعض يثير حولها الشكوك وإنني على ثقة كما أكد اللورد "كيرزن" بأن التأريخ مُعرَّض للنسيان وآمل أن يكمل أبناء مدينتي هذة الرسالة.) إذن مالداعي لتغييب أسماء العشرات من الفنانين الذين واكبوا الأحداث وقدّموا تجارب في غاية الأهمية ولهم إنجازهم الواضح وبشكل خاص بعد التغيير في 2003 ومن خلال مايقارب الثلاثين معرضا جماعيا وشخصياً أقامتها جمعية الفنانين التشكيليين فرع البصرة؟ .وإنتقاء أسماء محددة بعضها لاوجود له على الساحة الفنية إطلاقاً إلاّ في ذهن الكاتب سواءً من الأسماء ( الرائدة ) أو اللاّحقة. وبإستطاعة الكاتب مراجعة مطويات المعارض ووثائق الجمعية وصحف مهرجان المربد في دوراتهِ السنوية.
تركز جهد الكاتب حول مجموعة أسماء أراد لها أن تُحَجِّم الحركة التشكيلية ضمن إطار إنتقائي , مزاجي, كما في حالة مايسمى (إتحاد التشكيليين الرواد في البصرة) والذي أقامه عدد قليل من المنشقين عن جمعية الفنانين التشكيليين وبحضور إحسان في إجتماعهم الأول, وبهدف تدمير الجمعية ومقاطعتها بأساليب بعيدة عن القيم الثقافية لامجال لذكرها الآن. وتركيز البحث حول هذه المجموعة وتزيين صفحتها بالتعميم اللفظي والتعويم الإنشائي الخالي من الموضوعية والمضمون.
أورد الكاتب تواريخ لوقائع أحداث تتعلق بتأريخ الفن التشكيلي في البصرة ويسر القاريء- المواطن البصري – أن يستعيد تلك الأحداث بوضوح من خلال الإشارة الى مصادرها . والكتاب مليء بالسطور المقتبسة من دون الإشارة الى المصدر إن كان صحيفة أو كتاب أو رواية شفاهية, خاصة أنه يشير الى رواة الأحداث ( وقد إكتشفنا عبر عملية البحث مجموعة ذكريات مدونة أو مسموعة في أوراق الفنانين" جاسم حمزة ومحمد البياتي وجاسم محمد الأحمد ومهدي قنبر على وعبد الرضا بتور ولويس توماس وحسن العنزي" يتحدثون فيها عن الغائب من الأحداث وهو ما أشرنا له.) صفحة 14 فأين وضع الكاتب هذه المرويات , علماً أن بعض هؤلاء أو كُلهم مازالوا يشاركوننا الحياة.ومثل تلك الهفوات إشارة الكاتب الى (مقالات كتبها محمد راضي عبد الله وسلمان البصري في جريدة المرفأ البصرية عملا فيها على تدوين تأريخها الفني وإدخال ذلك في محاضراتهم عل طلبة وطالبات معهد الفنون الجميلة الذي تأسس سنة 1977) وهنا لابد من ذكر النص و العدد من المرفأ , ولايُكتفى بالتأشير العام , لمعرفة الحقيقة. وثمة ألتباس في هذه المعلومة.. وحسب علمي أن الرجلين لم يكونا كاتبين في ذلك الوقت . وإن الفنان سلمان البصري كان معي مشرفاً فنياً في مركز الأشغال اليدوية قسم السيراميك, ولم يُدَرِّس في معهد الفنون الجميلة في تلك الفترة – سنوات تبعيث التعليم وإبعاد غير البعثيين منه وهو من المشمولين بهذا الإبعاد – ونضيف الى معلومات الكاتب أن مواد تأريخ الفن في معهد الفنون لاتتضمن (تأريخ الفن في البصرة) وتقتصر مادة تأريخ الفن للصف الثاني على الفنون الإسلامية القديمة فيما تشتمل مادة التأريخ للصف الثالث على الفنون الأُوربية, وطرق التدريس للصف الرابع .ولم يُدرِّس محمد راضي مادةً نظرية في المعهد ذلك أنه شغل مركز رئيس قسم الفنون التشكيلية طوال خدمتهِ في المعهد.
تُشير ( البحوث ) التي إعتمدها الكاتب إلى وجود لوحات تعود لرسامين عرب وإيرانيين وهنود ويهود ( ففي بلاط السريدار خزعل خان أمير المحمرة " تمت إستضافة الفنان اللبناني قيصر الجميل ليرسم له ولأبناء أسرتهِ مجموعة من الصور الشخصية حيث منحه الشيخ خزعل مكافأآت قُدرت بسبع مائة ليرة ذهبية. وما زالت اللوحات الزيتية موجودة حالياً عند ورثة حفيده " المحامي سلمان الشيخ عبد الكريم الشيخ خزعل" وما زالت اللوحات الزيتية بطاقة فنية ولونية عالية وبإسلوب واقعي جذّاب إتخذ البساطة في التعبير إذ يُعتقد بأن الفنان اللبناني نقل إلينا أولى السمات الأوربية للفن العراقي.) والسؤال المشروع هنا ألا تستحق هذه اللوحات أن تُصوَّر وتظهر في الكتاب لتعزز هذا الرأي.
أجرى الكاتب مسحاً شاملاً للأسماء الفنية الرائدة في الأربعينيات ليتبعها في العقود التالية وفي هذا المسح ولغرض تقوية سنده لابد من وضع الأسماء والفترات الزمنية التي عاصروها كما هو متبع في الدراسات النقدية والتأريخية بذكر إسم الفنان والإشارة الى تأريخ ولادته ووفاتهِ وحتى مكان إقامته.. فالاسلوب الذي إتبعه الكاتب في تكرار قوائم بأسماء تبدأ بمحمد راضي عبد الله ومحمد عبد وطه الشاوي ويتبعها خلط يشمل أسماء من السبعينيات والثمانينيات.
إفتقر بحث الكاتب الى الدقة الموضوعية بشكل خاص في تطرقهِ الى التجمعات الفنية التي ظهرت في البصرة في العقود الماضية, وعبر خلط ينم عن جهل في طبيعة هذه التجمعات وأهدافها وإختصر ذكرها على أنها عبارة عن ( تقليعات لمجارات – هكذا وردت - العصر) والفن على مدى تأريخ الحضارة يتضمن التقليعات وأحياناً بشكل موجات إحتجاجية على نُظُم تأريخية متكلسة كالذي حصل من تقليعات في أوربا وأعطت ثمارها في تصويب مواقف وأذواق الطبقات الإجتماعية المختلفة من الفن. وقد تميز ظهور الجماعات الفنية بموجة بيانات فنية, ومن المناسب الوقوف على دوافعها الفكرية بالتزامن مع أحداث تأريخية عصفت بالمنطقة والعراق.وعلى ذكر الجماعات الفنية نؤكد على ضرورة الإشارة الى التجمع الفني وتأريخ ظهوره والأهم من ذلك أسماء المشاركين في هذا التجمع, كما بيَّن ذلك شاكر حسن آل سعيد في كتابه ( فصول من تأريخ الحركة التشكيلية في العراق ). التجمعان الوحيدان اللذان ظهرا في البصرة في عام 1969 هما جماعة الظل وجماعة المثلث..وأقامت الظل معرضها الأول في قاعة جمعية الإقتصاديين في البصرة وشارك فيه كل من علي طالب ومحمد الزبيدي وسلمان البصري وشاكر حمد وموريس حداد وعبد الله شاكر ونجاة حداد ومؤيد عبد الصمد. وأقامت الجماعة معرضها الثاني في بغداد في قاعة المتحف الوطني للفن الحديث – كولبنكيان – في نفس العام أما جماعة المثلث فتشكلت من محمد راضي عبد الله وفاروق حسن وعجيل مزهر وأقامت معرضها الأول في بغداد أيضاً. والغريب أن الكاتب إحسان وفيق أضاف ثلاثة تجمعات ظهرت في بغداد على أنها تجمعات ( بصْرية ) وهي جماعة الزاوية وجماعة الدائرة وجماعة آدم وحواء..والأغرب في هذا الخلط إدراج إسم جمعية الشراع وجمعية البصرة السياحيتان ضمن الجماعات الفنية, ولو توسع أكثرلأضاف قوائم بجمعيات التمور والعسل في أبي الخصيب, على غرار قوائم التشكيليين الرواد.
وبعد هذا النشاط وإمتداده الى بغداد تلقت الجماعتان ,الظل والمثلث, مقترحاً من جمعية التشكيليين في بغداد بتأسيس فرع للجمعية في البصرة بديلاً عن الجماعات الصغيرة.
من الضروري التوقف عند قراءة إحسان وفيق لهذه التطورات وإشكاليات ذلك الزمن...(وتم إفتتاح أول فرع لجمعية الفنانين العراقيين وضمت جمعية الفنانين العراقيين كل من الفنانين :- محمد راضي عبد الله وجبار داوود العطية وأدهم إبراهيم وفاروق حسن....) ونضيف أن هؤلاء لم يدخلوا الجمعية إلاَّ بعد حين من نشاطها وإن قائمة الأسماء التي ذكرها إحسان وتضم 49إسم لاعلاقة لنصف هذا العدد بعضوية الجمعية ولكوني عضواً في هييئتها الإدارية المؤسسة والدورة الثانية.. ومن هؤلاء من كان خارج البصرة مثل محمد الصكار ومنهم من كان طالباً في المتوسطة والإعدادية مثل كريم حميدي وجبار حميدي وسعد الطه وصبحي المدرس ولم أعرف طه الشاوي ومحمد عبد إلاَّ بعد التغيير في عام 2003 ولم تكن ماري زكريا ولا حسين البدري ويحيى محمد علي وقيس عبد الرزاق أعضاءً في الجمعية. فكيف جمع الأُستاذ إحسان هذه الأسماء ومن أي مصدر؟ فيما أغفل غيرهم. قد نكتفي بالخلطات العجيبة بغطاء النسيان لنعيد فرضية أن لايكون النسيان واحداً من إحتمالين الأول أن يكون طمساً لجانب من الحقيقة. والثاني أن يكون ضرباً من الزهايمر الذهني الذي لايتجانس مع أخلاقيات الكتابة. في نفس الصفحة 29 يشير الكاتب الى معرض الجمعية لمناسبة مهرجان المربد الأول, ويصفه بأنه (أول معرض مشترك مع فناني العراق عام 1971) ولإيضاح هذا الرأي نقول أن معرض الجمعية الأول أُقيم في مبرة البهجة وإقتصر على أعضاء فرع البصرة وافتتح في يوم سيء الطقس و(بمرور إجباري) للمعرض كما كتب شاكر حسن آل سعيد في صحيفة المربد. أما المعرض المشترك فكان في دورة تالية من دورات المربد. وفي هذه الصفحة أكثر من خلط وتجاوز, حين يتعرض إحسان إسم الجمعية فيقول ( ومعرضاً لجمعية التشكيليين العراقيين " بعد تغيير إسمها " بمناسبة ميلاد الجبهة الوطنية والقومية التقدمية...) ولا أدري كيف توصل الى هذا الإستنتاج ومتى؟ وما علاقة إسم الجمعية بما دار من صراعات وتداعيات سياسية؟ ونذكِّر الكاتب وهو يفتقر الى الدقة وينزلق تحت ثقل المزاج الذي تبرأ منه شكلاً, أن إلإسم القديم ( جمعية الفنانين العراقيين ) كان شاملاً لكل الفنون ولكنه في واقع عضوية الجمعية يخص التشكيليين حصراً كما ينص على ذلك النظام الداخلي للجمعية المركزية وفروعها. ويُستثنى من عضوية الجمعية ( الخطاطين).. وقد منحت عضوية شرف لهاشم الخطاط لمكانتهِ العالمية. وحلاًّ لإشكالية الإسم جرى تغييره ليقتصر على التشكيليين حصراً وصنَّف (النقاد التشكيليين ) بصفة ( عضو مشارك ). وما زلنا في صفحة 29 وإشارته الى معرض الملصقات ( ومعرضاً للبوستر السياسي شارك فيه الفنانون محمد راضي عبد الله والدكتور علاء بشير وأعضاء جمعية الفنانين التشكيليين وأعقبه معرضاً للملصقات السياسية أثناء حرب تشرين ومعرضاً للبوستر السياسي بمناسبة تأميم النفط و...) ولم يشارك محمد راضي وعلاء بشير في أيٍ من هذه المعارض وبإمكان الكاتب إحسان أن يُراجع الوثائق والمصورات لتلك الفترة.
النسيان طال الأسماء والعناوين فالفنان طارق مظلوم أصبح صلاح مظلوم والفنان الفلسطيني مصطفى الحلاّج صار الفنان السوري مصطفى الحلاّج والفنان كريم الأسدي تحول الى مهدي الأسدي.
أتمنى أن يُصحح الكاتب أخطاءه في طبعاته القادمة. ( وله الأجر والثواب!)
يتبع.....