تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال التحالفات السياسية ودروسها (1934-2014) (1-3)

جاسم الحلوائي
2014 / 3 / 27

تجربة الحزب الشيوعي العراقي في مجال
التحالفات السياسية ودروسها  (1934-2014)
(1-3)

محاولة تعريف
إن التحالف السياسي هو اتفاق بين أحزاب أو مجموعات أو شخصيات سياسية مستقلة على برنامج سياسي ويمكن أن يكون اقتصادي واجتماعي أيضاً، أو الاتفاق على قضية سياسية محددة. وعادة ما يكون الاتفاق بين قوى متقاربة سياسياً وذات مصلحة مشتركة في الاتفاق. إن الاتفاق على برنامج سياسي لابد وأن يستهدف تغييراً، جزئياً أو كلياً، في طبيعة السلطة، أو تغييراً ملموساً في توازن القوى يخدم الهدف المذكور ويوفر إمكانية تحقيق البرنامج المتفق عليه. ويفرض التحالف التزام المشتركين بالاتفاق وبما يتخذه من قرارات، ومن حق أطرافه الاحتفاظ باستقلالها السياسي والفكري والتنظيمي. ومن ضمانات نجاح أي تحالف سياسي امتداده للقواعد الشعبية للأحزاب والقوى المتحالفة ورفضه تدخل الدول والقوى السياسية الخارجية في شؤونه الداخلية.
إن التحالفات السياسية تفرضها الظروف الموضوعية، حيث أن هناك طبقات وفئات اجتماعية مختلفة المصالح في المجتمع، وعادة ما يجمع بعضها في هذه المرحلة أو تلك من تطور المجتمع أهداف مشتركة وأن تحالفها يعزز موقعها في الصراع من أجل تحقيق أهدافها. فالعمل ضمن مجموعة هو أقوى من العمل على انفراد. فالفرد في المجموعة هو أقوى من أن يعمل لوحده، بشكل عام. وما ينطبق على الفرد ينطبق على الأحزاب والقوى السياسية أيضاً. والتحالف فضلاً عن كونه يجمع وينسق بين القوى المتحالفة ويركز على هدف معين تحدده قيادة التحالف، فهو يشجع فئات من خارج التحالف أن تعمل على تحقيق ذلك الهدف أيضاً.
وتبعاً لذلك فان التحالفات السياسية، كنهج سياسي، قضية ثابتة في سياسة الحزب الشيوعي العراقي ونجدها في كل برامجه ويكافح من أجل تحقيقها، ولكن ليس بأي ثمن كان.
وقبل الولوج في  تجربة الحزب الشيوعي العراقي في هذا الميدان بودي إلقاء نظرة تاريخية سريعة على مكانة هذه القضية في سياسات الحركة الشيوعية العالمية تجاه البلدان المستعمرة والتابعة، فالحزب الشيوعي العراقي جزء من هذه الحركة وكان عضواً في الأممية الشيوعية (الكومنتيرن) التي انحلت في عام 1942.
كانت سياسة الأممية الشيوعية (الكومنتيرن)، التي تأسست في عام 1919، تجاه البلدان المستعمرة والتابعة في مؤتمراتها العالمية الأولى تقوم على أساس دعم الحركات الوطنية التي كانت تخوض النضال ضد الامبريالية وتدعو إلى الجبهة المتحدة المعادية للامبريالية. ولكن في مؤتمرها العالمي السادس في موسكو في صيف العام 1928، تخلى الكومنتيرن عن سياسة "الجبهة المتحدة المعادية للامبريالية"، وتبنّى سياسة "طبقة ضد طبقة"، التي انطوت على موقف انعزالي من البرجوازية الوطنية في البلدان المستعمرة والتابعة. وطرح المؤتمر أمام الأحزاب الشيوعية في هذه البلدان مهمات "يسارية"، مثل مهمة " إنجاز الثورة الزراعية" و" إقامة حكومة العمال والفلاحين"، كخطوة على طريق  "ديكتاتورية البروليتاريا".
وقد انعكس هذا التوجه اليساري الانعزالي على سياسة الحزب الشيوعي العراقي، وهو في بداية تأسيسه، فدعت جريدة الحزب "كفاح الشعب"، في عددها الثالث الصادر في آب 1935، إلى النضال من أجل "تركيز السلطة في أيدي العمال والفلاحين ومن أجل إطلاق الثورة الاجتماعية،بلا تأخير، في كل مجالات الحياة الأخرى وتحرير الناس من أشكال الخضوع المتنوعة".


([2] )


 
وجدير بالإشارة أن هذه الدعوات اليسارية الانعزالية صدرت في الوقت الذي تخلى الكومنتيرن، في مؤتمره السابع المنعقد في تموز 1935، عن سياسة مؤتمره السادس المتمثلة بشعار "طبقة ضد طبقة" وتبنى شعار الجبهات الشعبية ضد الفاشية والحرب والجبهات الوطنية في المستعمرات. وتخلى الحزب الشيوعي العراقي عن تلك السياسة الانعزالية في حينه أيضاً.
وظلت الحركة الشيوعية العالمية بعد حل الكومنتيرن تدعو إلى الجبهات الوطنية والوطنية الديمقراطية من على منابرها ومؤتمراتها العالمية لبلدان "العالم الثالث".
لم تطرح أسلاف الأممية الثالثة (الأممية الشيوعية)، الأممية الأولى والثانية قضية التحالفات السياسية لا في البيان الشيوعي ولا في وثائقها الأخرى. لقد طرح كارل ماركس تحالف العمال الطبقي مع الفلاحين بعد تجارب الثورات في وسط أوربا في عام 1848 وتجربة كومونة باريس في عام 1871، وشبّه الفلاحين بالجوقة التي بدونها يتحول غناء الطبقة العاملة المنفرد في جميع البلدان الفلاحية إلى غناء طير التّم (غناء الاحتضار). وطبّق البلاشفة بقيادة لينين مقولة ماركس في روسيا وطوّروها بما يتناسب وظروف عصرهم وبلدهم، وتحولت مقولة تحالف العمال والفلاحين إلى قضية مبدأيه في سياسة الأحزاب الشيوعية في البلدان الفلاحية. ولهذا التحالف مستلزمات، تختلف كثيراً أو قليلاً من بلد لآخر ومن مرحلة لأخرى وأعتقد بأنها تحتفظ بحيويتها، من حيث المبدأ، لحد الآن، بالنسبة للأحزاب الشيوعية في البلدان النامية. وهذه المستلزمات وباختصار: 1- امتلاك الحزب برنامج زراعي يعبر عن حاجات المرحلة التاريخية. 2- موقف صحيح من مختلف مراتب الفلاحين. 3- وجود تنظيمات حزبية في أوساط الفلاحين. 4- دعم المنظمات الديمقراطية والتعاونية في الريف. 5- قيادة النضالات المطلبية للفلاحين.


([3])


 
الجبهة الوطنية الموحدة: طريقنا وواجبنا التاريخي
بعد إعادة تأسيس الحزب بقيادة الرفيق فهد وبالارتباط مع محاولة الحزب للحصول على إجازة العمل لحزب قانوني كواجهة له في عام 1942، شرع الحزب بالدعوة إلى الجبهة الوطنية الموحدة. وكثف نشاطه في هذا الميدان حين شرعت الهيئة المؤسسة لحزب التحرر الوطني بكتابة الرسائل والمذكرات واقتراح المشاريع للأحزاب الوطنية الديمقراطية. وقد أنيطت مهمة العلاقات الوطنية بالرفيق صارم (حسين محمد الشبيبي) الذي كتب أول دراسة عراقية شاملة حول الجبهة تحت عنوان: " الجبهة الوطنية الموحدة: طريقنا وواجبنا التاريخي" وقد تحولت الدراسة إلى كراس قدم له الرفيق فهد. إن العنوان يشير بوضوح  إلى أن الدعوة للجبهة لم تكن تكتيكا طارئا بالنسبة للحزب بل نهجاً سياسياً ثابتاً تمليه ظروف موضوعية تاريخية. مع ذلك ظلت القوى الديمقراطية تتجاهل دعوات الحزب وتطالب بتوحيد الأحزاب في حزب واحد، مما اضطر الشبيبي إلى التوقف طويلاً لمعالجة هذه القضية، بمنهج علمي رصين على غرار معالجاته للقضايا الأخرى، ومما جاء فيها:
"...أما الآن فقد دخل العراق في مرحلة تبلورت فيها المصالح الطبقية وخبرت الجماهير الشعبية خلال نضالها مواقف الطبقات المتملكة، فالأمر يختلف فهذه الطبقات المتملكة ومنها البرجوازية الحرة تناضل "متى ما وجدت الظروف الملائمة للنضال" أي متى ما اقتضت ذلك مصالحها وتترك النضال وتصفي منظماتها متى ما تهددت مصالحها وهي لا تكتفي بترك النضال وحدها بل تصر على العناصر الواعية وعلى الجماهير الشعبية بوجوب ترك النضال إلى حين تنهض البرجوازية مرة أخرى، أي إلى حين ترى الطبقات المتملكة أن النضال في مصلحتها وقد دلتنا على هذه الحقيقة مواقف هذه الطبقات في النضال الوطني عندنا. إنها بعد أن حصلت على المعاهدة العراقية الانكليزية عزلت أحزابها وحرمت على الغير تأليف الأحزاب والنقابات بحجة أن الوقت لم يحن بعد لتأليف الأحزاب، فحزب واحد لجميع الديمقراطيين (بزعامة البرجوازية الحرة والمثقفين المرتبطين بها) من السهل أن يقضى عليه متى وجدت قيادته أن المصلحة - مصلحتها- تقتضي بحله كما حلت من قبل الأحزاب الوطنية ومن ضمنها جمعية الإصلاح الشعبي".


([4])


 
لجنة التعاون الوطني
كانت معاهدة 1930 الاسترقاقية المبرمة بين حكومتي بريطانيا والعراق مرفوضة من قبل القوى الوطنية العراقية وتكافح من أجل إلغائها. أما الفئة الحاكمة العراقية فكانت تسعى إلى تعديلها. في تشرين الثاني 1947 خرجت "القاعدة"، جريدة الحزب الشيوعي العراقي المركزية،  على الرأي العام بمقالة اتهمت فيها حكومة صالح جبر بإجراء مفاوضات سرية مع بريطانيا لإعادة النظر بالمعاهدة، وأردفت ذلك بمطالبتها بإسقاط حكومة صالح جبر. وكانت الأجواء قبل التاريخ المذكور مشحونة بتصريحات وتسريبات تشير إلى عزم الحكومة على تعديل المعاهدة. واستعداداً لمواجهة الأوضاع المقبلة أفلح الحزب في تكتيل القوى اليسارية في إطار (لجنة التعاون الوطني) في تشرين الأول 1947، وضمت اللجنة ممثلين عن الحزب الشيوعي العراقي، حزب الشعب، حزب رزكاري كرد والجناح اليساري من الحزب الوطني الديمقراطي، واختير كامل قزانجي لرئاسة اللجنة. وقد أشاد الرفيق فهد برسالة من سجنه في الكوت بتأليف اللجنة المذكورة وأوصى الرفاق بقيادتها وتوسيع نشاطها والحذر من تدخل الآخرين في شؤون منظما الحزب.


([5])


 
لقد لعبت اللجنة المذكورة دوراً واضحاً في وثبة كانون المجيدة في بغداد وخاصة في أوساط الطلبة حيث شكلت لها لجنة في هذا الميدان، ولم تنخدع بمناورات الوصي التي أدت إلى انسحاب الأحزاب الوطنية المؤقت من الوثبة وهي في ذروتها. وقد انفرط عقد (لجنة التعاون الوطني) بعد انتصار الوثبة بإسقاط حكومة صالح جبر ومعاهدة بورت سموث.
لجنة الارتباط
أسهم الحزب الشيوعي مع الأحزاب الوطنية الأخرى في الدعوة إلى الإضرابين السياسيين اللذين حصل الأول في 14 تشرين الأول 1951، تأييدا لنضال الشعب المصري ضد الاحتلال البريطاني. والثاني في 19 شباط 1952 احتجاجا على اتفاقية النفط (المناصفة) الذي عقدتها الحكومة العراقية مع شركات النفط الأجنبية. وقد شمل الإضراب الأخير عدداً من المدن ورافقته تظاهرات واصطدامات عنيفة مع البوليس. وكان للتعاون بين القوى السياسية الوطنية خلال الإضراب الأخير خصوصاً أثره في تكوين لجنة الارتباط بين الأحزاب الوطنية في 17 تشرين الثاني 1952، التي شارك فيها الحزب الشيوعي من خلال حركة أنصار السلام، دون ذكر اسمها صراحة، وكان يمثلها عامر عبد الله وعبد الوهاب محمود، إلى جانب حزب الجبهة الشعبية الموحدة والوطني الديمقراطي وحزب الاستقلال. لقد لعب طلبة القوى المذكورة دوراً فعالاً في إطلاق شرارة انتفاضة تشرين الثاني 1952 التي انطلقت من كليات الطلبة في بغداد واختفى دورها ميدانياً بعد تطور الانتفاضة وهيمنة الحزب الشيوعي على قيادتها وانفراده بقراراتها، وانحلت بانتهاء الانتفاضة.

([6] )


 


[1] - الحلقة الأولى من مقال نشر في العدد 364 من مجلة "الثقافة الجديدة" الصادرة في آذار 2014، ضمن ملف لمناسبة الذكرى الثمانين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي. وكان الموضوع محور ندوة في لندن أقامتها منظمة الحزب الشيوعي العراقي في بريطانيا في 13 آذار 2014 لنفس المناسبة واستضافة به الكاتب.
 
[2]  - حنا بطاطو، تاريخ الشيوعيين والحزب الشيوعي في العراق، ترجمة عفيف الرزاز، الجزء الثاني ص 90.
 
[3]  - لكاتب هذه السطور مقالان حول هذا الموضوع منشوران في الثقافة الجديدة، الأول في أيلول 1974  تحت عنوان "حول أهمية وإمكانية تحقيق تحالف العمال والفلاحين في بعض البلدان النامية"، والثاني  في تشرين الثاني 1977 العدد11 تحت عنوان "تحالف العمال والفلاحين في ضوء تجربة ثورة أكتوبر".
 
[4] - كتابات الرفيق حسين محمد الشبيبي، بغداد، ص 125
 
[5]   - راجع عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الأول ص 331.
 
[6]   - راجع  سباهي، المصدر السابق، ص 65 و69.