المُنَوِّمُونَ

محمد طلعت
2014 / 3 / 24

لم تكن لدينا مشكلة أو وكسة في حياتنا السياسية أو الشخصية إلا ولها مرادف عبقري وقوي في اللغة العربية يصف الحالة بدقة. والمشكلة التي يعاني منها المصريون حاليا، وعلى مر العصور تلك الفرقة الضالة، وهم "المنوِّمون"، وهذه المفردة الجامعة لحال هؤلاء السحرة في قواميس اللغة مفردها "مُنَوِّم" اسم فاعل من نوَّمَ.. والوصف التعريفي لـ"المُنَوِّمُ" من يُزَاول التنويمَ المغنَاطيسيّ.. أَيْ أَخْضَعَهُ لِحَالَةٍ مُصْطَنَعَةٍ شَبِيهَةٍ بِالنَّوْمِ، يَصِيرُ مَعَهَا تَحْتَ تَأْثِيرِ الْمُنَوِّمِ ، ويُوحِي إِلَيْهِ بِبَعْضِ الأَعْمَالِ.!

تعريف ومثل لغوي في بتون الكتب صادم للغاية. إذن نحن تحت رحمة ضمير هذا المنوم وإيحائه لنا. ونحن وحظنا إن كان الإيحاء خيرا أم شرا، لكن على مَر ومُر التجربة أثبت لنا أن هؤلاء المنوِّمين يعملون على غسيل المخ واللسان.. وأشياء أخرى.

والآن من المسؤول عن تنويم الشعب المصري؟ من هم هؤلاء المنوِّمون. دائما كنا نلصق هذه الصفة في تجار الدين. تاجر دين بهذه الكلمة القبيحة التي اخترعها قاموس الرفض لكل من يعمل على مسخ الروح المصرية بقصص الترهيب التى تجعله طيلة الوقت منوم بما يمارسه عليه تجار شنطة الكتب المقدسة على مر العصور، مما نتج لدينا شكل مصري ممسوخ.. منوَّم عن فكرة التدين المبتذل. هذا التنويم الذي مارسه المنوِّمون باسم الدين طيلة عقود على الشخصية المصرية التي اهتزت بفعل فاعل، بأسطورة الشعب مؤمن بفطرته، لكن بعد عناء تم كشف وتعرية هؤلاء التجار، وغار سلطانهم الديني الفج عن وعي الشعب المصري بعد تلك الحركة الذكية من الدولة المصرية المعروفة بـ(30 يونية) التى تركت لهم الباب مفتوحا، وفي أقل من سنة سقطوا من تلقاء أنفسهم حين تعرضوا لشمس الحقيقة، وباتت قصص ترهيبهم ما لها علاقة برب العباد خاصة بعد إظهارهم مجرد حمقى خارجون من كهوف الغل والشذوذ والحقد، وكراهية الحياة لمن يريد الحياة.

يتغلغل منوِّم آخر يمارس طقوسه القديمة بخفة ورشاقة، لسحره فعل محبب على قلوب المصريين، هؤلاء الذين يمارسون طقس القومية والاشتراكية وأبوية الزعيم الملهم، والحق يقال أن نكسة هؤلاء لا علاج لها إلا بحركة من الزعيم نفسه وإلى أن يدرك الزعيم أنه مجرد مواطن عادي. قادته المسؤولية، ليقود الوطن في مرحلة ما. حينها سوف يتم طرد هؤلاء من حياة المصريين. ولأن هؤلاء حواة ملاعين فجرة يتلونون بلغة الخطاب الرائج، بل يبتكرونه ويصدرونه بشتى طرق الإيحاء إلى أن يصدق الشعب تلك الشعارات مع تصدير صورة نمطية عن شخص المنقذ الذي يجب أن يكون الزعيم وغيره لا يصلح. وفي اللاوعي نجد البعض يردد هذه الشعارات بكل ثقة وإيمان. ونحو مثل هذا الترديد أذكر حكاية تلخص كل حكايات البغبغاوات في مصر. وهي أغنية وطنية "بلدي" للمطربة أنغام، والأغنية تلعب على وتر الدين والجيش معا وبأن مصر بهما لا غير( بلدى حاميها ربنا ومن بعده جيشها). ثم عادت في نهاية الأغنية وحملت الجيش وحده القادر على حماية مصر(جيشها الشايل همها.. ادها حرية وأمل وحياة تعيشها).

وهذا نفاق وطني فج سواء من الشاعر أو الملحن أو من المطربة.. مرة أخرى نرجع لنقطة صفر.. لمربع التطبيل لشخصنة مصر وشعبها في صاحب جيشها. إذن أين ذهب(بلاش أقول عبد الناصر) أضرب مثلا بصدام حسين وجيشه كان يقال لهما هكذا أيضا، وأكثر من ذلك. أين ذهب هو وجيشه؟ وماذا كانت نتيجة النفخ والتعريض هذا؟ نعم أعي مضمون العبارة التى تعمل على إعادة الترميم والثقة، لكن سوف تكون أجمل لو قيل( شعبها الشايل همها.. ادها حرية وقوته وروحه تعيشها) وهذه حقيقة لا مبالغة فيها.

على الرغم من الأمية والجهل والفقر والمرض وتفشى العلل المعنوية والمادية في ازدواجية شعبها إلا أن أغلبه طيب وصابر ومجهول في شوارع القاهرة وقرى الأرياف والصعيد من الناس الشايلة مصر بلا مقابل وبلا ثمن ولا شهرة ولا ملايين في برامج الإعلام، ولا لهم رغبة في زعامة ولا رئاسة، ولا لهم دور في خرابها كما نعيق صبيان السبوبة والتشهير بمن يختلف معهم .. هذا موقف الشعب، بينما في ذلك الوقت كان الجيش يقدم التحية العسكرية لأرزل خلق الله، لأخون خلق الله، لنظام الإخوان ولمرسي.. وكان الشعب يلعن الإخوان ومرسي.. الجيش لم يتحرك إلا بعد تحرك الشعب.. الجيش أخذ الشعب ستارا ليتحرك وراءه.. وكل ما حدث كان باسم الشعب.. وإذا لم تكن هذه حقيقة دور الشعب خلف جيشه (وأي نهيق لأي طواشي يؤلهه الجيش فتأكدوا أيها العميان أنكم سوف تحرقون قادة الجيش في أقرب وقت لأن تحريضكم طول الوقت لورقة السيسي وصناعة بأنه لا بديل له وأنه أحق وأنه الأجدر إلى آخر سلسلة أفعل التفضيل تلك. بهذا تؤكدون إنه ما كان إلا انقلابا استراتيجيا صنعه قادة الجيش، ووضعوا الشعب ستارا. وأعتقد هذا غير صحيح لأن قادة جيوشنا رجال وطن ليسوا خونة، ولا يفعلون أفعال الخسة في الالتفاف على إرادة الشعب، والمتاجرة باسمه كما فعلها من قبل الجماعة الإرهابية.

أيها المنومون وصناع الشعارات تعلموا حتى من الجيش عندما انكسر طلع وقدم التحية للشعب. لكن المنومون لا يتعلمون، نعم لهم مصالح في ممارسة طقسهم المغناطيسي لتنويم الشعب ونخبته. وما يحدث الآن في المشهد المصري من حواديت التسريبات التى صنعت نجوما من ورق هش أشبه بـ"ورق بفرة السجائر" استعمال مرة واحدة. يعني يشتعل ويعمل الدماغ وينتهي حاله لرماد.. وما التسربيات هذه إلا أفكار ساحرة لتنويم الشعب باسم القضية القومية والوطنية وكشف الخونة. هذه اللعبة الخائبة لن تفلح، لأن هذه الحواديت ومروجيها بلا تاريخ يذكر سوى تاريخهم المنبطح بين دهاليز النفاق الوطني والنهب على كل موائد الدولة والمكاسب الشخصية والتلميع، لكنهم مجرد "ورق بفرة" سرعان ما يحرق ذاته بذاته مثل الشخصيات التى يتم التسريب لهم. يحرقون بعضهم البعض.

وهكذا لن ينتهي مسلسل المنومين طالما هناك مخدر وهناك سلطة وهناك شعب وهناك عالم اسمه ثالث.. وهذه الأيام يتم التنويم باسم جيل الحرب الرابعة.. لا أقلل من شأن المتوقع، لكن ماذا فعلنا لهذا المتوقع.. هل أنتجنا.. هل خلقنا بداخلنا جيلا حقيقيا قادرا على صد وتحليل حرب المعلومات التى يتم بثها لنا في المنطقة وأرضنا المباركة؟! للأسف لا. فقط نرجع للخلف "نتمحك" في القصص المقدسة والأرض المباركة والأتقياء الذين هبطوا على أرض مصر، وهذا المنقذ الفرد.. شجيع السيما الذي يحارب كافة الأشرار بيد واحدة ودماؤه تنزف وينتصر في نهاية الفيلم. انتصار فقط داخل الفيلم والكتب المدرسية والجرائد والإعلام المصري انتصارا وهميا مصيره النكسة.!

إن الأصرار من قبل الدولة المصرية وأصحابها وتُجارها ونخسيها وداعريها في خلق حالة من غياب الوعي و طمس الحقيقة، وتلوين وتزيف الوقائع لن يجدي.. الصراحة مع هذا الشعب ومخاطبته على أنه ذو عقل رشيد بلا واصٍ ولا وسيط ولا أغانٍ وأناشيد. هذا أنفع. وهذا هو المنقذ والصحو من مخدر المنوَّمين، وغير ذلك فهو عودة للزمن الرزيل"النفاق الوطني .. النفاق الديني" فمن مصلحة من أن يتم تسليم شعب بالكامل لهؤلاء المنومين الأغبياء الذين يورطون المنقذ والمستنير بداخلنا ليكون مومسا ولصا باسم الوطنية.؟!

كل هؤلاء المنوِّمين آفة مصر وآفة كل عصر.. والخطر القادم على الشعب. والنكسة الحقيقية في حاشية كل رئيس جاء أو سوف يجيء.!