كلهم يفاوضون على أيّهم الأكثر نذالة !!

ليندا كبرييل
2014 / 3 / 24

تفضّل الأستاذ سامي لبيب المحترم بتوجيه خطاب ناقد لموقف الأستاذ مالك بارودي من المذابح الجارية في جمهورية أفريقيا الوسطى . إلى حضراتكم رابط المقال :
http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=406305

كذلك ، تفضّل الأستاذ مالك بارودي المحترم بالرد على الأستاذ سامي لبيب في أربعة مقالات ، وإلى حضراتكم رابط الجزء الرابع الذي لفتت نظري فقرة فيه أرغب في المشاركة بعرض رأيي حولها :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=406947

الأستاذ مالك بارودي الفاضل :
تحية وسلاماً .
اسمح لي أن أتناول جزئية من مقالك أراها في غاية الأهمية .

جاء قولك مخاطباً الأستاذ لبيب :
" فمن قال لك أنّ مهمّة الكاتب أن يُدلي بموقفه من الأشياء؟ الكاتب "يكتب"، ولا علاقة بالكتابة بالمواقف. فقد يخطر ببالي أن أكتب قصيدة في رثاء قتلى ذلك الصراع، أو مسرحية ساخرة تتناول تلك المجازر، أو مقالا في نقد مشاكل الطائفية في المجتمع الإفريقي من وجهة نظر سوسيولوجيّة، (وقد أُدلي بموقفي من الموضوع في نصوصي وقد لا أُصرّح بأيّ موقف) " انتهى

أخانا الكريم
إن مجرد إمساكك القلم والكتابة في موضوع ما ، هو موقف بحد ذاته ..
فكيف لو خطر لك أن تكتب قصيدة في رثاء القتلى ؟
أو مسرحية ساخرة عن تلك المجازر ؟؟
أو أن تبحث في مشكلة طائفية ؟؟؟
إن كل هذا هو قمة المواقف ، والتعبير الأمثل عن مهمة الكاتب التي يجب أن يحملها على عاتقه !
لذا أرى أن الجملة الأخيرة التي تقصّدتُ وضعها بين قوسين غير صحيحة ، لأنك في الحالات الثلاث تكون قد عبّرت بأفضل ما يمكن للكاتب أن يفعل ، كما أن المواضيع التي تتفضل بنشرها تؤكد إيمانك بأنّ مهمّة الكاتب هي أن يدلي بموقفه من أحداث الحياة لا العكس .
وإن منْ يقرأ مواضيعك سيصل حتماً إلى نتيجة مفادها : أنك لا تكتب لمجرد الكتابة ، حضرتك مساهم فعّال في الشؤون الثقافية .

إلا أني لم أصل إلى قصدك من العبارة التالية ، قولك :
{ الكاتب "يكتب" ، ولا علاقة بالكتابة بالمواقف }
كيف هذا ؟
الكتابة هي المعبّر عن شخصية الكاتب وأفكاره .. أفكارك هي الحياة التي أقرؤها بقلمك .. كل فكرة ، شرح ، تعليل ، مثال ، هو موقف معبّر عن رؤية . وإلا فإن الكاتب الذي يكتب لمجرد الكتابة يصبح كمنْ يكتب على صفحة الماء ، وتصبح كتاباته لا لون ولا طعم ولا رائحة لها .
الكتابة التي لا تهزّ ولا تثير انفعالاً ولا تحرك شعوراً هي كتابة ميتة !

ثم توقفتُ عند عبارة أخرى ، قولك مخاطباً الأستاذ لبيب :
{ أنت تقول أنّ المذبحة " لا تعنيني " : منطقيّاً هذا صحيح ، وهذا طبيعي لأنّي لا أعيش في إفريقيا الوسطى . وأنت كذلك لا تعنيك تلك المذبحة ، لأنّك لا تعيش هناك }
الحقيقة ، لم أكن أتمنى أن أقرأ هذه العبارة لحضرتك ، وأنت الكاتب المُجيد الذي يصول ويجول في أحداث تاريخية بعيدة لم تعايش أحداثها ووسطها ، وإنما تكتب فيها لأنها تعنيك كما تعنينا وهي تلقي بظلالها القاتمة على حياتنا اليوم !
ولكن..
من قال بأن المصائب في أفريقيا ، في ميانمار ، في البوسنة ، في كل أنحاء العالم وحيثما وُجِد المسلم لا علاقة لنا بها ؟
إنها تعنينا وتمسّنا مباشرة ، فتلك المصائب هي ابنة ثقافةٍ نحن آباؤها الشرعيون .
نحن لا نعيش في أفريقيا حضورا فعليّاً ، لكننا معنيون أن نعايش مصائبهم حضورا معنوياً إنسانياً . فهذه نوازل خرجتْ من بيت أبينا ، وصدّرناها لهم من تعب أيادينا وعرق جباهنا عن سابق إصرار وتعمّد .
من حقّهم علينا أن يستصرِخوا ضمائرنا ، وإلا فإن سكوتنا ، ولا مبالاتنا بفواجع البشر يعني أن المجرمين يشركوننا بجرائمهم عندما نساهم في مدّ بساط الليل الأسود ليحتموا به !
من واجبنا ، وكل منْ له المقدرة ، أن نساهم بقوة في كشف القناع عن الدسائس الأيديولوجية الدينية التي ترمي إلى تقويض دعائم السلام لغايات شخصية .
العقل ( المغيِّب ) يمارس دوره في تهديم أركان المجتمع المدني ، مستظلّاً بغروب العقل وتخلّفه عن الحضور . تفكك مريع أدّى إلى تهلهل الشخصية العربية ، واختراق الهوية الوطنية ، مختزِلاً معناها في عنصر الدين ، و( المغيَّبون ) يعيشون خدراً لذيذاً ، يستنيمون على أحلام العظمة التي زيّنها لهم المزيِّفون .
إنه نكوص إذا أحجمنا عن إيقاظ العقول المنطفئة من غيبوبتها ، تلك التي استسلمتْ للجانب السادي المعتم .
هذا هو الوقت الأمثل لعمل الطليعة المستنيرة من الشعب وحضرتك منها بالتأكيد يا أستاذ مالك ، بدراسة التطرف في الأديان الذي أفرزه التفكك في البناء الاجتماعي ، والحق .. أنك تفعل ، ولستَ غير معنيّ كما ذكرتَ . وجودك الفعّال يناقض قولك أعلاه ، ويؤكد أنك والكوكبة المستنيرة من كتابنا تساهمون بكل فخر في تحطيم الجدار الفولاذي .

لا بل تعنيكم وبقوة.. تلك المصائب ! التي أخذتْ تنشر سمومها والعالم يضطرب بسببها ..
تعنينا جداً حتى لو كنّا عائشين على القمر !

أخيرا .. تساءلتَ في مقالك عن المقياس الذي نقيس به " صدق " المشاعر و " درجة إنسانية " موقف ما حتى لو كان الشّخص الذي يُصدر الموقف بعيداً مادّياً وجغرافيّاً عن مسرح الأحداث .
أنا لديّ هذا المقياس .
إنسان ( حقوق الإنسان ) ، لا يمكن أن يرى الأعمال الهمجية الوحشية إلا مجافية للمنطق السليم ، وإلا توافقها التام مع سلوك قطاع الطرق البدو وعصابات السطو على مقدرات البشر .
إني أقيس صدق المواقف وإنسانيتها بما كفلتْه حقوق الإنسان التي ولدتْ بعد مخاض إنساني عسير ، ولم تكفله كل المنظومات الأخلاقية التي تضمّنتها مختلف الديانات على مرّ التاريخ .
قتل الإنسان عمل غير أخلاقي ، وغير قابل للمعايرة أو المقارنة أو المقايسة ، ومحرّم قانونياً في شريعة حقوق الإنسان ، محلّل في شريعة الغاب التي نعيشها الآن !
لقد تطور عقل الإنسان وارتقت تطلعاته وأصبح مهيّأ للانتظام في الرقيّ والمدنية ، بعد أن كبحتْ حقوق الإنسان تمادي العقل البدائي في النَّيْل من الإنسانية ، ولجمتْ الأديان عن التوغّل في تهييج الغرائز العنيفة .

إن منْ يجد مبرراً مهما كان واهياً للمذابح التي تحصل .. وإنّ منْ يدافع عن اعتداء على النفس تحت أية ذريعة كانت ، هو مراوغ متدنّ أخلاقياً ، لا يَعي أن حياة الإنسان مقدسة تعلو كل شريعة دينية ولو تمسّحتْ باسم الله !
لا يمكن مقارنة عصور الظلم الدينية المظلمة التي كانت تسيّر الأمور على قاعدة : الغاية تبرّر الوسيلة ، بعصر حقوق الإنسان المنير الذي يعوّل على المقدمات لا النتائج .
تجاوزت الشعوب المتحضّرة بدائية القاعدة : العين بالعين والسن بالسن ، وأخذت تركز بالأساس والضرورة على ( الطريقة والكيفية ) التي يتمّ بها العمل ، والوصول إلى الغايات وفق القوانين وبهُدى شريعة حقوق الإنسان .
لم يعد المتمدّن يعوّل على الهدف فيطرق كل سبيل لتحقيقه .. بل أصبحت ( الوسيلة القانونية ) التي تقود إلى الهدف أسمى وأهمّ من الهدف نفسه حتى لو جاءت النتائج عكس المتوقع والمأمول .

انتهى عصر الكم ، وابتدأ عصر الكيف .
العصر الذي أصبح فيه من المستهجَن والمرفوض أن تكون الوسيلة المنفِرة للذوق السوي ، مبرِّرةً لغايةٍ .. مهما تقدّستْ وعلتْ وعظمتْ !
هذّب القانونُ الإنسان ، وجلّس العوج في عقله ، وصار مدركاً أن الأمور لا تُتناوَل بالأظافر والأنياب ، ولا بالحرق والنهب ، ولا بادّعاءٍ أنه مأمور بفرمان موقّع من الإله بالقضاء على جاهلية لترسيخ أخرى .
كان آنذاك من حق كل منظومة دينية جديدة الادعاء بالتفوّق وإنهاء جاهلية القيم السابقة عليها ، لترسيخ وجود جديد على حساب حياة البشر .
عبّدتْ الأجسادُ الطرق لتلك الحضارات الدينية ، وتراصّت الرؤوس تلالاً ، لتكون المرتقى إلى السماء لطموح أحلام الكبار وجموح صفقاتهم التي كان الإله حاضراً على الدوام للإمضاء عليها .

وما زالوا .. باسمه يَسحلون ، وبتوقيعه يَقتُلون ، وتحت أنظاره يُعذِّبون ويحرِقون ويجلِدون .
كلهم .. كلهم يفاوضون على أيّهم الأكثر نذالة !!
مع الاحترام والتقدير .

للاطلاع :
مقالي :
الحروب بين الخلل الجينيّ والخبل الدينيّ

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=382790