نقد الصقيع العربي في غياب الرؤية الحضارية عند وفاء صندي

محمد طلعت
2014 / 3 / 22

من مساوئ فكرنا العربي المعاصر أننا نبالغ في تضخيم التفاهات ونُقلل من شأن القيم والدرر الفكرية العميقة التي إن التفتنا إليها سوف تغير عدة مفاهيم في منظومة حياتنا، ومشهدنا السياسي والثقافي. ثمة فكر تنويري يسعي في منطقتنا العربية للشباب العربي الصاعد. والأطرف أنه قادم من بنات حواء. وهنا وجب الانتباه لما تقدمه حواء لآدم من فكر عقلي وليس تفاحة جسدية. وبعيدا عن الابتذال أو المدح، فإنهن يمثلن جيلا جديدا صاعدا يتقدم بنا بقوة نحو الجنة.. جنة عرضها العلم والعمل والأمل.
ومن بنات حواء التى أعنيهن هنا. الباحثة المغربية والمتميزة "وفاء صندي" التى تخطو خطواتها الأولى نحو محيط الأرق المعرفي بهمومه وأعاصيره. تقف أمام سطوة جبروت قراصنته من العلل المعرفية. تحاول أن تنجو بسفينة الوطن عبر اليابسة القاحلة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي بالفكر. تلم شتات ما سموه بالربيع العربي وتسميه هي بالصقيع العربي. وكما قال حكماء المعرفة :"لنا حكم بعد المناقشة"، وكانت المناقشة والقراءة في كتاب صندي الأول(غياب الرؤية الحضارية في الحراك الثوري أزمة نخبة وشعب) حيث تقدم قراءة تحليلية جديدة للفكر السياسي الثوري للمجتمع العربي بنخبته وبشعوبه.

تنطلق وفاء صندي من خلفية العبث المجتمعي من المحيط إلى الخليج، وما أسميه هنا بـ "عبثية الرؤية". التي تسود فيها الغلبة لنمط عرض الموجود على نمط معرفته، وهو ما حدث لقبول المجتمع العربي بالموجود على الساحة السياسية (كما حدث في تونس ثم مصر وليبيا في قبول التيارات الأصولية مع قبول حالة التشتت في سوريا واليمن.. مع قبول حالة التأقلم في المغرب والأردن وأمارات وممالك الخليج.. مع قبول حالة النسيان كما في الدول العربية الأفريقية التى نجهل أوضاعها مثل الصومال وموريتانيا!)، وإن كان المواطن العربي الثائر لم يعرف هذا المعروض عليه معرفة جيدة سوى التعاطف المرضي، وهذا لا يمنع كما تشير صندي إلى أن المواطن العادي لا يكون وسط هذه النمطية منفصلا عن الثورة باعتبارها عالمه الجديد المعاش حيث تم إقحامه فيها بشكل أو بآخر، بل يكون فيها المواطن جزءا من ماهية هذا العبث الثوري وضلاله. يكون فيها المواطن مقترنا بمناخها العام ذي الضباب الكثيف الذى يجعله يقبل بالموجود أي بالمطروح أمامه دون تعددية الاختيارات والبدائل. وتصل صندي إلى الغاية التى وراء هذه النمطية، والتي تتمحور حول العودة لمربع صفر حيث إبقاء الحال كما هو.

ويفترض تبيان دور المواطن ضمن هذا التقدم، أن تكون القراءة التى تناولتها صندي قراءة تحليلية بحق. صادمة تعري فينا نواقصنا التقدمية والحضارية لتفضح ما بدا على السطح من استغلالية فجة ومبتذلة لحد الرخص السياسي والاجتماعي، لكنها تجنبت في فصل تحليلها مواجهة الغليان العربي بحقيقيته. وقد تبدو أنها معذورة لما تمثله هذه الحقيقة من رفض متطرف أو قبول أكثر تطرفا بسبب ما تمثله الثورة العربية من حالة الهياج العامة بفكرة الثورة.

وليس المقصود اتهام الثورة أو تقديسها. لذلك تعتبر صندي أن ما حدث ما هو إلا حراك ثوري، ولا أدري لماذا لم تقولها صراحة ثورة هذه أم ليست ثورة؟ استغفلت المواطن العربي أم لم تستغفله باسم الحريات والجوع والعطش والبطالة ؟ هل وضعت صندي مشرطها على تلك الحقيقة أم استحت واقتصرت سلامة الجبن المجتمعي للباحثين الذين يخافون إلقاء الصدمات على مجتمعهم؟ هل ذكرت صندي بصراحة الهدف من وراء تمرير نمط معين للحالة العربية في حراكها أم لا.؟ هي أيضا أخذت تلف وتدور حول فكرتها التى جاءت أكثر جرأة منها والتي صدمتنا بتعرية النخبة والشعب في غياب الوعي الحضاري لمفهوم الطموح في العمل الثوري. نعم ثمة أفكار، وثمة كتب تكون أجرأ من أصحابها في القول الصادم لمن يفهم ما بين السطور.!

وتجد المؤلفة صاحبة كتاب غياب الرؤية الحضارية أن الالتزام بفينومينولوجيا الإدراك الثوري (إن جاز لنا التعبير هذا) مبرره في ما يزخر به فكر السادة أصحاب الشهادات أو بمعنى أدق الشريحة التى وقعت تحت طائلة استبيان بحث الكاتبة المطول. حيث لم يخرجوا من دائرة مفاهيم الظهور السطحي للمعنى الثوري والغياب السطحي للعمق رؤية الثوري، عرت هذه الاستبيانات سطحية أصحابها الذين لا يعوا معنى القول السديد والفاصل. الذين لا يملكون رؤية معمقة في تشريح ظاهرة الحدث، ومنهم للأسف ساسة يرفلون في بريق الشهرة والصيت. لكن هذا لا يمنع وجود شهادات عميقة ضاربة جذورها في عمق التاريخ والنفس والمجتمع والدين. يبقى مجمل هذه الشهادات وجميع هذه مفاهيم تعانق فهم الوجود الثوري في واقع المجتمع العربي على كافة أشكاله ونقائضه.

والغواية التى صنعتها المؤلفة في كتابها الضخم إنها أهّلت إدراك المواطن للصعود في مخيلة نخبته ليرى المحتجب عنه، لتظهره له بلا حجاب، لكسر التابو المقدس والهالة التى يحتجب فيها ثوار وساسة النخبة تحت سقف الشعارات الثورية بـ" السؤال" الصادم والرد الساذج والمتشتت وغير ذي وعي وفهم لما وراء السؤال المطروح.

وللخروج من هذا السياق الاستفهامي التصادمي وجدت صندي أن الالتزام بضبطية المصطلحات أمر حيوي وفعال. وفي منبر تحليلها لما جمعته من استبيان الشهادات والأخبار والأحداث، اعترضت على القول بثمة مؤامرة. معتبرة أن المؤامرة ليست فقط ذلك الجهد الخبيث، الذي يبذله ساسة الغرب من أجل توريط المنطقة العربية أو بتمرير جملة من المشاكل المختلفة التى لا تنحصر في ما هو اقتصادي أو سياسي، وإنما تمتد إلى الجوانب الأخلاقية والروحية للمستهلك العربي، و بحصر مشاكلنا العربية في تعدية التدهور الأخلاقي والنفاق الديني والازدواجية الاجتماعية، فقد يبريء هذا كله المؤامرة الغربية ضدنا، لأن هذه المشاكل بداخلنا نحن (فلا مبرر للعاهرة إلقاء الجرم على القواد.!) إذن يمكن القول على لسان صندي إنه لا توجد مؤامرة، بل يوجد لغة مصالح، والأقوى هو الذي يوزع أوراق اللعبة، والأضعف ينصرف مهزوما أو مطرودا أو مخلوعا أو معزولا. واللعبة السياسية العالمية بلغة العلاقات الدولية ومصالحها يمكن وصفها بأنها التغيرات الكبرى. وليست المقصود بها الشرق ولا الغرب، بل هى التوازنات وصراع العولمة الجديدة أو ما يحلو للبعض تسميها بصراع الحضارات.

ذلك أن صندي لم تقل بعبثية الشرق وتبعيته وخروجه المستمر من السباق حيث لم يتعلم الدرس، ولم يقرأ أن على كل رأس خمسين سنة تتغير معالم الخارطة العربية، وهو كما هو. لا يتحرك إلا في إطار الشعارات الرنانة وكلمات الأغاني الحماسية مع صعود لحفنة من الجوقة الحمقى عوضا عن جوقة أكثر حماقة ليتسيدوا الموقف العربي، لكن ذلك لا يمنع من اعتبارها أنها قالت ذلك في متن كتابها بشهادات شهود أهل الشرق على لسان 45 من كبار أهل المعرفة والساسة في المنطقة العربية.

وتوضح الكاتبة والباحثة وفاء صندي إن الثورة العربية ليست قرآنا، فلا لها تأويل ظاهري ولا آخر باطني، إنما لها ما نراه محسوسا أمامنا من لغة وصورة سهلة تَعْبُر بنا نحو التقدم دون مزايدة ودون تهليل وتهجيص إذ أدركنا أين نضع أقدامنا. وأول الإدراك أن نتخلى عن فعل الاستغلال والنهب الذى أضاع جميع ثوراتنا العربية من قبل، فكم ثورة قامت من قبل، وكم رجعنا للخلف بعد هذه الثورة. وهنا يجب أن نعي الخطورة في غياب الرؤية الحضارية أزمة نخبة وشعب. وضمير إنساني.

ويخلص القول إنه يمكن أن تكون لنا ثورة حقيقية مع أمثال هذا الفكر والوعي والحضور الطاغي البادي فيما قرأت لهذه الباحثة التى أتنبأ لها أن تكون من كبار المفكرين السياسيين الأكثر إثارة للانتباه، وهي وإن كانت قد أخذت شهادتي بين دفة هذا السفر الضخم، فهذا لن يضعني في حرج إذ أصفها بهذا الوصف، فالمستقبل لها ولأمثالها...

وأقول: إن الأمم لن تقام إلا بالإيمان المطلق بالفكر، فكر.. انقد.. ابن بلدك.!