منهج الجابري في فهم النص .. عرض و تقييم (1)

احمد الكناني
2014 / 3 / 22

تسجل قدم السبق للألماني ثيودور نولدكه في دخوله للقرأن من بوابته التاريخية ، من خلال اطروحته للدكتوراه التي اصدرها عام 1860 بعنوان " تاريخ القران " وكانت عبارة عن رسالة صغيرة لا تتعدى ال200 صفحة لكنه طورها فيما بعد و بمشاركة بعض من تلامذته حتى اوصلوها الى ثلاثة اجزاء تحت عناوين اصل القران ، و جمع القران ، وتاريخ نص القران ، اعتمد فيها معايير موضوعية لترتيب سور القرأن بحسب النزول وفق تطور الخطاب القرأني منذ بدء الوحي الى حين انقطاعه وفي مراحله التي قطعها في مكة والمدينة و الخصوصيات التي رافقته في جميع مراحله ، اما اللوائح المنقولة عن الرواة في ترتيب نزول السور فلم تؤخذ بالحسبان لشدة الاختلاف فيها بشكل لا يكاد يركن اليه ، حتى وقع الخلاف في سور رتبت ضمن بعض تلك اللوائح واعترض عليها انها ليست من الوحي كسورتي المعوذتين الفلق و الناس حيث ادعي انها تعويذة للنبي اثناء مرضه وليست ايات قرأنية ، و كذلك الحال في سورة الفاتحة .
وسارعلى ذات النهج ريجس بلاشير عبر ترجمته القرآن إلى الفرنسية في ثلاثة اجزاء ، الاول بعنوان المدخل الى القرأن عام 1947 و الثاني والثالث بعنوان ترجمة القرأن عامي 1949 و 1950 ، جاءت هذه كسابقتها مبتنية على اساس التمييز بين خصائص القرآن المكي ومميزات القرآن المدني ، وكيف كان النبي مرشدا روحيا في مكة ثم صار قائد لجماعة المهاجرين و الانصار في المدينة .
الا ان هذه المحاولة لاقت جدلا كبيرا من حيث المنهجية واصل الترجمة الفرنسية للايات على الرغم من انه كان يترجم بعض الآيات أكثر من مرة ، إذا كانت محتملة لاكثر من معنى.
و هناك محاولة لمحمد عزة دروزة في كتابه التفسير الحديث والذي صدرت طبعته الاولى في القاهرة عام 1962 واعتمد فيه ترتيب النزول كما هو منصوص عليه في بعض التفاسير.
تلك المحاولات وان لم تحضى بالقبول المطلق من قبل المفكرين العرب والمسلمين الا انها فتحت امامهم افقا واسعة لدراسة النص القراني ، والملاحظ بوضوح ان هذه الطريقة من التفكير قد استهوت المفكر محمد اركون في ما عبَر عنه بالضرورة الملحَة لارخنة الخطاب القراني في جملة ما كتبه في قراءات في القران ونقد العقل الاسلامي ، و كذلك المفكر الايراني عبد الكريم سروش في كتابه التجربة النبوية ، واخرون .
لكن اين نجد الدكتور محمد عابد الجابري بين تلك المحاولات فيما كتبه في سفره القيم " فهم القران العظيم " وفي المدخل الذي سبقه ؟
منهج الجابري في فهم النص يدور حول محور العلاقة بين النبي والوحي ، و محاولة فهم النص القرأني من خلال السيرة وفهم السيرة من خلال النص القرأني ، حيث فسر القران بحسب ترتيب النزول لا بحسب الترتيب المعهود بين الدفتين ، رغم انه يجد بذور هذا التفكير عند الامام الشاطبي المتوفي عام 790 وهو من علماء غرناطة في كتابه "الموافقات " حيث يقول : "المدني من السور ينبغي ان يكون منزلا في الفهم على المكي ، و كذلك المكي بعضه من بعض و المدني بعضه من بعض على حسب ترتيبه في التنزيل و الا لم يصح ".و هو صريح في ان فهم القران متوقف على فهم المدني و المكي وبحسب النزول ، وهو المنهج الذي اختطه الجابري في محاولته هذه التي جاءت بأربعة اقسام مدخل و قسمان للمكي و رابع للمدني .
و هناك اسئلة هامة تثار على مثل هذه الدراسات التي تعتمد على اسباب النزول وهي غاية في التعقيد لانها غير محسومة اصلا ، و بالتالي هي بحاجة الى الاجتهاد الواعي للاطمئنان الى ترتيب ما للنزول في خضم التاؤيل اللامتناهي للايات ، و هذا الطريق لا يعرف وعورته الا سالكيه .
فهل نجح الجابري في بناء تصور منطقي عن المسار التكويني للنص القرآني من خلال السيرة النبوية ؟
وهل جاء بجديد مباين لسابقيه ممن اعتمد على التسلسل التاريخي للتنزيل ؟
مع ملاحظة انه نفى اي جديد فيما كتبه المستشرقون و من تبعهم بأحسان ، حول خصائص القرأن المكي والمدني وانما هي امور معروفة و قد فصل القول فيها كثير من المؤلفين المسلمين قديما و حديثا ، كما ان كتب السيرة لا تخلو من الاشارة الى الاحداث و الاجتهادات ما يتطابق مع ما ذكروه من التحقيب او ترتيب السور داخل التحقيب ، هكذا ذكر في المدخل /243
والاهم من كل ذلك هل انتقل الجابري من نقد العقل العربي الى نقد العقل الاسلامي ؟
الاجابة عن حقيقة تلك الانتقالة تأتي في خاتمة تقييم المنهج .
ابتدأ المنهج من " المدخل الى القرأن الكريم "و اختتم ب " فهم القران العظيم " بأقسامه الثلاثة ، والمدخل جاء كتعريف بالقرأن للعالم العربي و الغربي بعد احداث 11 سبتمبر وما تلا ذلك من احداث جسام وردود فعل غاب فيها العقل غيابه في الفعل -على حد توصيفه - و ما رافق ذلك كله من هزات خطيرة في الفكر العربي والاسلامي والاوروبي ، كل ذلك عمَق الرغبة لديه ليعرَف القران تعريفا ينأى به عن التوظيف الايديولوجي و الاستغلال الدعوي ، كما نص على ذلك في مقدمته للمدخل .
و اجاب في قسمه الاول عن اسئلة قديمة جديدة بحسب اهتماماتنا الراهنة لا بحسب فهم قدامى المفسرين و التي افردوا لها بحوثا منفصلة عن التفسير يجمعها عنوان علوم القران ، حيث اجاب المفكر الراحل عن اشكالية جدوى تكرار تلك البحوث : بأن تلك الاجوبة تنتمي الى الموروث القديم ، و ان ما طرح من قبل القدماء يدخل بالنسبة الينا ضمن ما يقع خارج زماننا و اهتماماتنا ، ومن هنا تصبح المشكلة مشكلتنا نحن كذلك : كيف نبني لانفسنا فهما للقران .
و من الواضح ان الاسئلة الاتية او جلها تشكل حوادث تاريخية واقعة ،فهي موضوعات لعلم التاريخ ولا تتم الاجابة عليها الا من خلال البحث التاريخي وتتبع المسار التكويني للنص القراني منذ اللحظة الاولى لظهور الوحي الى لحظة انقطاعه ، و الاسئلة هي :
1- كيف كانت تتم عملية نقل القران من حالة الوحي و بوساطة النبي الى قلوب الذين كان يقرأه عليهم ، اي عملية الانتقال من المطلق الى النسبي ، و هذه العملية تسري مع بقية الاسئلة الاتية ؟
2- بما ان فترة التنزيل اخذت اكثر من عشرين سنة، فكيف كانت ترتب الاجزاء التي تنزل في مناسبة ما بالنسبة الى التي نزلت قبلها ، اي فهم علاقة السبب و المسبب للتنزيل ؟
3- كيف ومتى بدات كتابة القران ؟
4- كيف تم الانتقال بما نزل منه في مكة الى المدينة عند الهجرة اليها ؟
5- متى بدأ جمعه ككل ، وكيف تم ترتيبه في المصحف ؟
6- ما يقال عن الزيادة و النقصان و التحريف الذي طرأ عليه ؟
و يجد القارئ تحقيقا تأريخيا و روائيا في القسم الاول من المدخل كأجابات عن الاسئلة المتقدمة ، كما بحث مسار الكون و التكوين للقران في القسم الثاني ، ثم اختتم المدخل بتحليل القصص القراني و تتبعها بأعتماد ترتيب النزول ايضا و ليس ترتيب المصحف ، ابرز فيه وظيفة القصص كوسيلة للدعوة في مواجهة الخصوم ،و كذلك التساوق بين السيرة النبوية و تطور مسار الكون و التكوين للقران كما يصطلح عليه المفكر الراحل ، و هذا الفهم (كما يقول رحمه الله ) لم يكن متيسر له لو انه سلك طريق القدماء و المحدثين في التعامل مع القصص القراني كاحداث تاريخية مرجعها و مألها الى " الاسرائيليات " بدل التعامل معه كاحداث قرانية لها اسباب نزول خاصة بها و بالتالي اهداف و مقاصد خاصة .
و في خاتمة مقدمته للمدخل يؤكد الدكتور الجابري على امر هام يجعل من توجهه الى دراسة القران و التي كانت بعيدة عن اهتماماته تصب في ذاك المشروع الذي ابتدأه في " نحن و التراث " ، وتستعيد المنهج و الرؤية ذاتها المتبناة في دراسته للتراث و نقد العقل العربي و التي لخصها في جملة واحدة : "جعل المقروء معاصرا لنفسه ومعاصرا لنا في الوقت ذاته " و هي قاعدة شاملة لما اثاره من استفهامات في محاولة لفهم النص القرأني وهي :
هل يمكن فصل الدعوة المحمدية عن السياسة و التاريخ ؟
هل يمكن الفصل في القرأن بين الدين و الدنيا ؟
ثم هل يمكن اصلاح حاضرنا من دون اصلاح فهمنا لماضينا ؟
يعتقد المفكر الراحل انه بعد انجاز مشروع نقد العقل العربي بأجزاءه الاربعة يجد نفسه قادرا على التعامل مع مفاتيح باب فهم النص القرأني ، فهل وفق لمبتغاه ؟