المعارضة الإيجابية للسلطة الحالية، خيار صحيح للحزب

جاسم الحلوائي
2014 / 3 / 18

الرفيق جاسم الحلوائي
في المؤتمر الخامس أصبحت منسجماً أكثر مع نفسي
المعارضة الإيجابية للسلطة الحالية، خيار صحيح للحزب
أجرى الحوار داود أمين
بالرغم من تجاوز الرفيق جاسم الحلوائي( أبو شروق ) لسن الثمانين، إلا أن حيويته الجسدية والفكرية، تشي بطاقة شبابية متجددة، فهو دائم الحضور والمشاركة، في أغلب الفعاليات، الحزبية والسياسية والثقافية والاجتماعية، للجالية العراقية في كوبنهاكن، كما إنه قارئ نهم ومتابع دقيق، لعدد من المواقع الألكترونية، بحيث لا تفوته مادة هامة، أثناء سياحته اليومية تلك، دون أن يبادر للتعليق عليها، أو تعميمها، على شبكة رفاقه وأصدقائه، كما أنه راصد ذكي وموضوعي، لمواقف الحزب وقيادته وصحافته ووسائل إعلامه، ومبادر دائم لتقديم تقديراته ووجهات نظره، المتفقة والمختلفة، بروح إيجابية تتسم بالتواضع وبالحرص الرفاقي، على الحزب والحركة الوطنية ومستقبل الوطن.
لقد ارتبطت منذ أكثر من عشرين عاماً، بالرفيق جاسم الحلوائي وعائلته، رباط المودة والاحترام المتبادل، ووجدت في صحبته، رغم فارق السن، إثراءاً ومتعة وفائدة، ولذلك فكرت في أن الذكرى الثمانين لميلاد الحزب، تصلح أن أفتح معه حواراً يتناول مفاصل هامة من تأريخ الحزب، عاش الرفيق الحلوائي في خِضَّمِها، وكان واحداً من شهودها، بل من صُنّاعِها والفاعلين فيها، فكان هذا الحوار.
_ لنبدأ من فترة ما قبل ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958_ سألت الرفيق الحلوائي_ كيف تفسر الجماهيرية الواسعة التي كان يتمتع بها الحزب الشيوعي العراقي حينذاك، وقدرته المعروفة والمشهود لها، على قيادة إضرابات وانتفاضات ووثبات جماهير الشعب؟ هل جاءت تلك الشعبية من البرامج والشعارات الصحيحة، التي كان يطرحها الحزب؟ أم من نوع قادته وكوادره وأعضائه حينذاك؟ أم إن الأمر مرتبط، بالظرف الدولي وانتصارات الإتحاد السوفيتي ونجاحات المعسكر الاشتراكي؟ أم بالظرف الموضوعي للسلطة العراقية، التي كانت عميلة ومكروهة جماهيرياً؟ مع الإقرار أن تلك الجماهيرية، التي تمتع بها الحزب، وُجِدت في وقت كان فيه قادة الحزب وأعضاؤه، يتعرضون للمطاردة البوليسية، وللسجن والتعذيب والإعدام، وفي وقت كانت هناك أيضاً، انهيارات وحالات ضعف وتكتلات.. إلخ.
_ يرد الرفيق جاسم الحلوائي قائلاً: الحديث عن جماهيرية الحزب، أعني كتنظيمات جماهيرية قبل ثورة تموز، ربما فيه بعض المبالغات، رغم تأكيدي أنه ليس هناك حزب عراقي لديه تنظيمات حزبية وديمقراطية كحزبنا الشيوعي العراقي، ولكن إذا سألتني عن سمعة الحزب ونفوذه في أوساط الحركة الوطنية، وفي أوساط الجماهير، فأقول لك نعم، كانت للحزب سمعة وهيبة، وهي أوسع وأكبر، من جماهيرية الحزب كتنظيمات حزبية وديمقراطية، وهذه الهيبة والنفوذ جاءت بشكل رئيسي، من نضال الحزب الوطني، ومن مثابرته في النضال، من أجل تحقيق أهدافه المعلنة، والوقوف إلى جانب مطالب جماهير الشعب، فعندما قامت ثورة الرابع عشر من تموز، كان كل الذين خرجوا من السجن هم من الشيوعيين، والجماهير تعرف هذه الحقيقة.
كما يجدر القول أن مجيء الرفيق سلام عادل لقيادة الحزب، قبل قيام الثورة بسنوات قليلة، ساهم بوضوح، في تعميق وترسيخ هذه الجماهيرية، فقد عالجت اللجنة المركزية تحت قيادته السياسة الانعزالية، التي كان يسير عليها الحزب سابقاً وفي جميع ميادين عمل الحزب، خصوصاً في علاقته مع القوى الوطنية الأخرى، وذلك بمعالجة شروط تلك القوى وملاحظاتها وتحفظاتها، التي وردت في مذكرة للجاد رجي وقدمت للحزب في نهاية نيسان 1955، ساعيا بقوة إلى تبديد شكوكها حول صدق دعوته للتحالف والجبهة، تلك الشكوك التي تراكمت بشكل خاص في فترة انحراف الحزب نحو التطرف اليساري الانعزالي، وذلك في بياناته ووثائقه وسلوكه اللاحق.

كما أن سياسة الحزب ونهجه الوطني وجديته وتضحياته وإخلاصه للشعب، منذ زمن الرفيق فهد، لعبت دوراً هاماً في جماهيرية الحزب وشعبيته. لقد كان النظام الملكي قاسياً ومستبداً، ضد الحركة الوطنية العراقية وأحزابها، وفي الوقت الذي كانت فيه بقية الأحزاب الوطنية، تجمد نشاطها وتحل منظماتها، كان الحزب الشيوعي العراقي، يواصل النضال ويتحدى العسف والإرهاب، لقد طرحت الأحزاب البرجوازية في الأربعينات، موضوعة تأسيس حزب واحد فقط، لقيادة نضال الجماهير، وهم في مسعاهم هذا، كانوا يريدون تجميد نشاط هذا الحزب متى شاءوا، وكلما ضيَّق عليهم النظام، وقد رد الرفيق الشهيد حسين الشبيبي مفنداً هذا المقترح، بكراس عنوانه( الجبهة الوطنية طريقنا وخيارنا التاريخي ).
كما إن شعبية الحزب، ارتبطت أيضاً بانتصارات الإتحاد السوفيتي في الحرب ضد النازية، ونجاحاته الاقتصادية والعلمية، وقيام المعسكر الاشتراكي، ويمكن القول أنه حتى تأميم النفط في إيران، زمن مصدق، كان له تأثير إيجابي على وضعنا كحزب، وكل تلك العوامل، لعبت دوراً إيجابياً ملحوظاً، في شعبية الأفكار الاشتراكية، وفي اتساع نفوذ الحزب وجماهيريته.
- الملاحظ أن تلك الجماهيرية، التي نتحدث عنها، لم تقتصر على الكادحين من عمال وفلاحين وكسبة، بل شملت أوساطاً واسعة من المثقفين والمبدعين، من أدباء وفنانين، بحيث يمكن القول أن الثقافة العراقية بكل تفاصيلها، من شعر وقصة ورواية ومسرح وتشكيل وغيرها، نمت وازدهرت داخل الحزب، أو على ضفافه؟
_ هذا صحيح_ يقول الرفيق جاسم الحلوائي_ والسبب في تقديري يعود لأهداف الحزب الإنسانية، والتي تُعبر عن طموحات وأحلام هؤلاء المبدعين، في العدالة الاجتماعية والحرية، فالعدالة حلم قديم، نشأ مع نشوء المجتمع الطبقي، والمثقفون بشكل عام ميالون للقضايا الإنسانية وللحرية والعدالة، وهذا الأمر لا ينفرد فيه حزبنا فقط، فالكثير من المثقفين والمبدعين والمفكرين، ارتبطوا بالأحزاب الشيوعية في أوربا وأسيا وأفريقيا.
_ لننتقل لثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، وتحول ماسميته بهيبة الحزب وسمعته قبل الثورة، لمنظمات حزبية وديمقراطية ومهنية واسعة بعد الثورة، بحيث أصبح الحزب الشيوعي العراقي، القوة الأولى في الشارع العراقي، ما هي في رأيك أسباب كل هذا النفوذ؟
_ يجيب الرفيق الحلوائي قائلاً: بعد ثورة تموز برزت عوامل جديدة، عززت من نفوذ الحزب وجماهيريته، يقع في مقدمتها، مساهمة الحزب في الثورة، من خلال التحشيد الجماهيري الواسع لدعمها، فقد وزع الحزب منشوراً داخلياً، قبل الثورة بيومين، للتهيؤ وحشد الجماهير، وقد لعب هذا المنشور دوره الفاعل، في المساندة الجادة للثورة، منذ ساعاتها الأولى، كما أن أهداف ثورة تموز، في معاداة الاستعمار والإقطاع، كانت هي أهداف الحزب الشيوعي العراقي، لذلك دعم الحزب الثورة وقادتها، وقد زاد هذا الدعم من شعبية الحزب وجماهيريته، ويمكن القول أن العامل الأكثر أهمية، هو إصرار الحزب على تحقيق أهداف الثورة، إذ لم يتحقق هدف من أهداف الثورة، دون نضال جماهيري ودعائي عنيد، من خلال جريدة الحزب، ومن خلال المظاهرات والوفود التي ينظمها ويقودها الحزب، وهذه بالتأكيد توَّسع من جماهيرية الحزب، فمثلاً عندما يرى الفلاحون، نتائج الإصلاح الزراعي وانهيار الإقطاع، والشيوعيون أمامهم لتحقيق هذه الإنجازات، وهم من يقودون نضالهم، فمن الطبيعي أن يلتفوا حول الحزب، ونفس الشيء بالنسبة للعمال والمرأة وبقية قطاعات الشعب، لقد كنا ندافع بحق عن مصالح الجماهير، كما دعمنا ووقفنا إلى جانب، قائد الثورة عبد الكريم قاسم.
_ ولكن ذلك لم يستمر أكثر من سنة وبضعة أشهر، ثم بدأت ملامح الردة تتضح، من خلال زج الشيوعيين في السجون، وإشعال الحرب في كردستان، والتضييق على صحافة الحزب ومنظماته، مما انعكس بوضوح على تراجع جماهيرية الحزب في الشارع، كيف تُقَيّم هذه المرحلة؟
_ الرفيق جاسم الحلوائي يرد بالقول: لقد ارتبطت جماهيرية الحزب في هذه الفترة، إلى حد ما، بموقفنا المؤيد والمُساند لعبد الكريم قاسم! وعندما ارتد قاسم، تراجع الحزب! وهذا يعني أن هناك خللاً ما في سياسة الحزب، والأمر في رأيي متعلق بستراتيج الحزب، فقد تربينا كشيوعيين عراقيين، على فكرة(أن الثورة البرجوازية، يجب أن تتطور لثورة اشتراكية ) وكان حزبنا متشرب بهذه الفكرة، ولم يكن يخطر في بال الحزب وقيادته حينذاك، أهمية وضرورة بناء نظام ديمقراطي مؤسساتي! وبالرغم من أن شعارنا كان( صيانة الجمهورية وإرساء الحكم على أسس ديمقراطية ) ولكن مع الأسف، فإن الجزء الثاني من الشعار، لم يكن راسخاَ لدى الحزب! ولو اتبعنا في ذلك الوقت نفس السياسة التي يمارسها الحزب الآن، أي العمل والنضال من أجل بناء نظام ديمقراطي مؤسساتي، أي لو عبأنا الجماهير بهذه الوجهة حينذاك، لاصطدمنا ربما بعبد الكريم قاسم، ولكن علاقاتنا بالقوى الأخرى، كانت ستكون بشكل آخر تماماً، لأن النظام الديمقراطي المؤسساتي هو لمصلحة الجميع، لمصلحة كل القوى السياسية، أنا أدرك أن القوى القومية لن تقبل بأي شيء، ولكن القوى الوطنية الأخرى، بل وحتى الإتحاد السوفيتي، الذي لم يكن يرغب في حدوث انقلاب عسكري في العراق، كانوا لن يعارضوا هكذا سياسة، إذ أن المطالبة بنظام ديمقراطي مؤسساتي، هو مطلب عادل ومعقول، ولو مارسناه في ذلك الوقت، لسارت أمور العراق بشكل آخر تماماً، ولكن ما أقوله الآن هو ستراتيجية أخرى لم يكن الحزب يمارسها، وهي لدينا الآن.
لقد كانت لدى بعض قادة الحزب النافذين، آراء تسخر من النظام البرلماني، باعتباره نظاماً برجوازياً! وتؤكد على ضرورة قيادة الطبقة العاملة للسلطة، مع القوى الأخرى أو حتى بدونها! وهذا له علاقة بالفهم القديم، أي أن ستراتيجية الحزب حينذاك، لم تكن صحيحة، بل لقد تحولت إلى أيديولوجيا! هناك وثيقة حزبية، صدرت قبل ثورة 14 تموز بعام، تحوي هذه الفكرة، أي فكرة تطوير الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية! وهذه الوثيقة صدرت لمعالجة الحزب، لانشقاق كان يراد له أن يحدث في منظمة إقليم كردستان. كما أن المشاكل التي حدثت، بين قيادة الحزب، بعد قيام ثورة تموز، كانت كلها تدور حول هذا الموضوع، إذ لم يكن هناك وضوح ستراتيجي، بل كان هناك تشوش ستراتيجي! يضاف إلى ذلك مراعاة مواقف السوفيت، انطلاقاً من مفاهيم غير صحيحة للتضامن الأممي كانت تؤثر على سياسة الحزب وتقوده لأخطاء! في ظل ما كان يُسمى بالحرب الباردة .
الحقيقة أن الحزب، لم يكن مُقصراً، في قضية الكفاح من أجل الديمقراطية، ولكن كان هناك تشوش في الستراتيجية، ففي اجتماع قيادة الحزب، عام 1959، والذي سٌميَّ باجتماع( جلد الذات ) وردت في وثيقته فقرة تنص، على أن الحزب يناضل من أجل نظام ديمقراطي! ولكن مجمل محتوى الوثيقة، أكد على المهمة الرئيسية، وهي صيانة الجمهورية والحكم الوطني، ووضعها كأولوية!
مرة أراد الحزب القيام بعمل جماهيري في سبيل تحقيق الديمقراطية، فجمع ألف توقيع، من شخصيات سياسية وثقافية، للقيام بحملة جماهيرية، ولكن الحزب جمَّد هذا النشاط وأوقفه، عندما بدأت مفاوضات السلطة مع شركات النفط، وأخضع هذه القضية لتلك! الحقيقة إن خطأنا كان في إخضاع قضية الديمقراطية للقضية الوطنية، في حين أن المهمتين لا تتعارضان، إذ لن تبقى لنا أي وطنية، بدون وجود الديمقراطية!
ربما كان إلحاحنا على طلب الديمقراطية، سيفرض على قاسم المبادرة للتنفيذ، خصوصاً وإنه كان قد وعد بوضع دستور للبلاد، خلال ستة أشهر، لقد كان الحزب الوطني الديمقراطي، بقيادة كامل الجادرجي، يضغط على قاسم في هذه الناحية ، ولو مارسنا نحن أيضاً ضغطاً جدياً، فلربما سارت الأمور في العراق بمنحى آخر تماماً!
لقد مارس الحزب تراجعات غير مبررة، فمثلاً عندما تحدث اعتداءات ضد رفاقنا، كان الحزب يسكت عنها ولم يدعو الرفاق للدفاع عن أنفسهم! وهذا أمر غير مقبول، ولا يتناسب مع تقاليد شعبنا! لقد مارسنا سياسة الدفاع عن النفس في محافظة الكوت (واسط) وكنت سكرتير لجنتها المحلية ووضعنا حد للاعتداءات ما أن بدأت حتى توقفت نهائياً.
_ لننتقل لانقلاب 8 شباط الدموي عام 1963، كيف تفسر نجاح البعثيين فيه، وهم كانوا أقلية، وحزب لا يتمتع بشعبية الحزب الشيوعي العراقي؟
_ الرفيق جاسم الحلوائي يجيب: أن السر يكمن في دور المخابرات الامريكية والانكليزية وتعاونهما الوثيق مع قادة البعث، كما كشفت ذلك الوثائق البريطانية التي كانت سرية وكشف عن ذلك عدد من قادة حزب البعث ذاته. لقد ساهمت المخابرات المذكورة بوضع تفاصيل خطة الانقلاب بدراسة وتمحيص وإقرار مقدماته وسبل تنفيذه وكيفية معالجة ردود الفعل بما في ذلك تكتيك تكرار المواعيد لتخدير القوى المعادية للانقلاب والتوصية بتدريب مجاميع على السلاح للنزول إلى شارع مباشرة بعد ساعة الصفر. وحتى قيام الانقلاب في النهار استندت على دراسة عقلية قاسم المباغتة فعيونه مفتوحة في الليل. ويجب أن لا ننسى أنه كان للبعثيين نفوذ واضح داخل الجيش، فالطاقم الأعلى في الجيش حينذاك، لم يكن متعاطفاً مع الحزب الشيوعي، كما إن تحالفاً واسعاً كان قد تكوَّن، ضم القوميين والناصريين والإقطاعيين والرجعيين، وكل من تضررت مصالحه من ثورة تموز، بالإضافة للحركة القومية الكردية، التي كانت مختلفة مع قاسم، ثم لا ننسى فتاوى بعض رجال الدين، كل تلك العوامل ساعدت في نجاح الانقلاب، ولا ننسى أن قاسم لم يكن يملك تنظيماً سياسياً، وهو رغم نزاهته وشرفه المعروفان، إلا إن سياسته جعلت الوضع هشاً، بل إنه منع حتى الدفاع عن الثورة ومقاومة الانقلابيين، ولذلك استطاع هؤلاء إنجاح انقلابهم، إذ في السياسة قد لا تنفع النزاهة والشرف وحدهما! بدون كفاءة قيادية وكان وضعنا كحزب صعباً حينها، فقاسم يقف ضدنا، وقد حاول الرفيق سلام عادل تعديل سياسة الحزب، باتجاه ما يمكن التعبير عنه( بفك الارتباط بقاسم ) وبناء جسور مع الآخرين، في حين كانت القوى الأخرى، مصممة على عدم بناء جسور مع الحزب، وللحقيقة فإن هذه المحاولة جاءت متأخرة، أي عشية انقلاب شباط.
_ لننتقل لانشقاق الحزب عام 1967، ما هي أسبابه، وما هي نتائجه؟ ثم ألم يكن من الممكن تجنبه؟
_ الانشقاق كان واسعاً وكبيراً، وكان هناك أساس فكري لحدوثه، وهو في رأيي الأهم، فقبله حدث انقلاب شباط، ثم أعقبته سياسة خط آب، التي تراجع الحزب عنها، ولكنها تركت أثراً لدى قاعدة الحزب، إذ برزت نزعة يسارية، كرد فعل على الانقلاب وعلى سياسة آب، وتراجعات الحزب، وقد عزز هذه النزعة بعض قادة الحزب، من خلال طرح مشاريع وتقييمات خاصة بهم، مثلاً كتب الرفيقان زكي خيري وعزيز الحاج، تقييماً مُشتركاً لهما، يدين سياسة الحزب ويعتبرها يمينية، منذ ثورة 14 تموز! وتم توزيع هذا التقييم على كوادر الحزب، دون علم وموافقة الحزب، بل ووصل التقييم المشترك لقاعدة الحزب، فخلق أرضية فكرية لحدوث الانشقاق، كما إن الشعور بالمسؤولية، كان ضعيفاً لدى بعض قادة الحزب، وأعتقد أن عزيز الحاج وبهاء الدين نوري، لعبا دوراً سيئاً في حدوث الانشقاق، فقد كان بين الإثنين خلاف كبير وقديم، ولدوافع ذاتية.
الأرضية الفكرية هيأت لمن لديه نزعة للانشقاق، والمشكلة لدينا سابقاً، هي أننا لا نتوجه لعقد مؤتمر، عند حدوث مشكلة لحلها داخل المؤتمر!، وهذا في رأيي أحد الأسباب في حدوث الانشقاق، فالمؤتمرات الحزبية هي من تحل المشاكل، بما فيها انتخاب القيادة الجديدة، في حال كانت المشكلة هي تغيير القيادة، إن أحد أسباب الانشقاقات هو أن أحزابنا داخلياً لم تكن ديمقراطية، فلو قارنت مؤتمراتنا الآن، وطريقة الترشيح الفردي، وكل مرشح يقدم نفسه، ويجري الحديث عنه سلباً أو إيجابا، مع طريقة الترشيح السابق، لوجدت فارقاً كبيراً. إن الأخطاء والنواقص لم تكن تُعالج بشكل صحيح، ففي أثناء ثورة 14 تموز، كان بإمكان الحزب أن يعقد أكثر من مؤتمر لكنه لم يفعل! في حين تلاحظ الآن انتظام عقد مؤتمرات الحزب، وفائدتها في وقوف الحزب على قدمين ثابتتين، في ظل ظروف بالغة الصعوبة! الحقيقة أن انشقاق 1967 أجهض مداً ثورياً، كان الحزب قد تهيأ له، فقبل الانشقاق بقليل، فازت قوائم الحزب الطلابية في معظم الكليات، وكانت نتائج هذه الانتخابات، مؤشراً واضحاً على مد ثوري أجهضه الانشقاق!
_ لنتحدث الآن عن فترة ملتبسة كثرت فيها التقييمات، وهي فترة( الجبهة الوطنية ) مع البعث، كيف تقيّم تلك الفترة؟
_ يجيب الرفيق جاسم الحلوائي قائلاً: الحزب لا يعتبر دخوله للجبهة خطأً، فقبل قيامها حدثت مكاسب كثيرة، لصالح الشعب العراقي، ومن بينها تحالفاتنا في إتحاد الأدباء وفي بعض النقابات والاتحادات، وتأميم النفط، وتوسيع الإصلاح الزراعي، واتفاقية 11 آذار، التي نقلت القضية الكردية نقلة نوعية، وإصدار قانون العمل، وارتفاع المستوى المعاشي للجماهير، وغياب البطالة من العراق،وتقليص الأمية وغيرها، وهذه الأسباب هي من أوصلتنا للاتفاق على قيام الجبهة، ولكن سكوت الحزب عن السلبيات كان هو الخطأ، وكان يُفترض بنا أن لا نسكت أو أن يكون صوتنا خافتاً، خصوصاً على تجاوزات فاضحة، ففي ميثاق العمل المشترك الذي وقعناه معهم، كان هناك نص يقول( الجبهة الوطنية قيادة مشتركة للشعب والوطن ) ولكن البعثيين بدأوا يثقفون أنهم قادة الجبهة، وفي عام 1974 أصدروا في مؤتمرهم الثامن تقريراً يعتبر قيادة حزب البعث، هي قيادة لمؤسسات الدولة والمجتمع! ثم اصدر مجلس قيادة الثورة قراراً، يعتبر تقرير المؤتمر الثامن، قانوناً مُلزماً للتطبيق! وكان بإمكاننا في تلك الفترة أن نعترض ونحتج ونتمسك بهذه القضية، باعتبار أن ما يقوم به البعث، خرق فاضح للاتفاق الموقع عليه من الطرفين، ووقتها كان الحزب يقف على قدمين ثابتتين، وكانت جميع منظماته الديمقراطية تعمل، ولو انسحبنا في تلك الفترة، لكان وضع الحزب أفضل بكثير، من انسحابنا بعد أكثر من أربع سنوات من الرخاوة! لقد تعلمنا كم هو مُضر عندما يحدث تنازل عن الاستقلال السياسي والفكري والتنظيمي للحزب! الآن لدي وجهة نظر أخرى وهي أن( أي حزب خارج السلطة، يخسر، إذا تحالف مع حزب في السلطة، في نظام ليس فيه مؤسسات ديمقراطية ) لأنه من المستحيل أن يستطيع المحافظة على استقلاله السياسي والفكري والتنظيمي.
_ لنذهب الآن لفترة الكفاح المسلح، هل كانت سياستنا وقتها صحيحة؟
_ أعتقد أن تجربة الأنصار كانت صحيحة، ولا مفر منها، إذ لا أستطيع تخيل وضع الحزب، لو لم نذهب بهذا الاتجاه! وهي من الفترات التي نفخر بها، ونادراً ما تجد نصيراً نادماً، على مساهمته في الحركة، فالنصير كان منسجماً مع نفسه، وربط أقواله بأفعاله، وكان مستعداً للتضحية بحياته، أعتقد أن سياسة الحزب كانت صحيحة، ولكن الحزب ارتكب خطأً سياسياً كبيراً، في عدم تمكنه من الوقوف موقفاً محايداً صارماً في الصراع بين(حدك) و( أوك ) فدخول الحزب في جبهة( جوقد ) لم يكن صحيحاً، لعدم وجود( حدك )،وبعدها دخل في جبهة( جود )، ولم يكن هذا الدخول أيضاً صحيحاً، إذ أُعتبر الحزب معادي ل( أوك )، فتم تجميد عضويته في( جوقد )، ودخلنا في صراعات أدت فيما بعد لمجزرة بشتاشان! وكان يفترض أن لا يدخل الحزب في أي جبهة، إن لم يكن فيها حدك وأوك، إذ أن دخول الحزب مع أي من الطرفين، يعني معاداة الطرف الثاني. كان لدينا عدد من القادة والكوادر، ممن يميلون إلى هذا الطرف أو ذاك، وهذا الميل، مع هامش الصلاحيات، ربما يقود لنتائج لا يمكن ضبطها، بدون موقف حيادي صارم، وهذا ما حدث!
من جبهتنا مع البعث توصلنا لاستنتاج، أن التنازل السياسي والفكري والتنظيمي، لم يكن صحيحاً، ومن جبهتنا في جوقد وجود نستنتج، أن النزعة للدخول في أي جبهة، حتى لو توفر لنا فيها، استقلال سياسي وفكري وتنظيمي، هو أمر ليس صحيحاً بالمطلق، إذ يجب أن ندرس كل جبهة قبل أن ندخلها، وأن نُدرك ما هي أفاقها؟ وما هي نتائجها؟
_ لنذهب لمحطة هامة ومفصلية في حياة الحزب، أعني مؤتمره الخامس، مؤتمر الديمقراطية والتجديد، ماذا تقول عنه؟
_ يقول الرفيق جاسم الحلوائي: أنا أعتبر المؤتمر الخامس فعلاً مؤتمر الديمقراطية والتجديد، ففيه أصبحت أكثر منسجماً مع نفسي، عندما وجدت ستراتيجية الحزب وأيديولوجيته قد تجددت، فقد كنت معترضاً على ستراتيجة الحزب القديمة وكنت أعترض علناً عليها حيثما طرحت للنقاش والتصويت. وما حدث في المؤتمر الخامس، لا يمكن أن يحدث في المؤتمرات الأخرى، إذ فيه كنا نريد أن نبني الحزب سياسة وفكراً وقيادة، وكانت النقاشات خلاله غير محدودة، ولا يمكن فيه تجاوز أي مقترح، وزمنه مفتوح لعشرة أيام، وهذا لم يحدث في المؤتمرات اللاحقة، المحددة بثلاثة أيام.
التجديد الذي حدث في المؤتمر الخامس، ربما هناك من لم يقتنع به، ولكن روحية المؤتمر ظلت، كما أعتقد، مستمرة ولكن الآمال التي عُقدت على نتائج المؤتمر الخامس، ربما إصطدمت بظرف موضوعي صعب ومعقد، فصدام حسين، كان قد عَقَّم الأرض، قبل سقوطه، من أجل أن لا تنبت بذرة الشيوعية!
_ قبل ان نُنهي هذا الحوار، قلت للرفيق جاسم الحلوائي، ماذا تقول عن سياسة الحزب الحالية، أي منذ سقوط نظام صدام حسين، واحتلال العراق؟
_ الرفيق جاسم الحلوائي أجاب بنفس الوضوح والصراحة، التي اتسم بها هذا الحوار فقال: سياسة الحزب الآن واضحة وتتلخص في( المعارضة الإيجابية ) وهو خيار صحيح، ولا أرى خياراً أفضل منه، إذ ليس هناك مبررات سياسية للعداء المطلق، وأنا لا أؤيد المعارضة المطلقة الآن. الأحزاب الحاكمة الآن تُهريء نفسها بنفسها، ولكن ذلك لا يصب في مصلحة العلمانيين، ولا في مصلحة اليسار، ولكن إلى متى سيستمر الوضع هكذا؟! أنا واثق أن الأمر لا يمكن أن يستمر، وعلينا أن نُسَّرع في التغيير، من خلال مواقفنا الصائبة، وأن لا نسكت أمام أي خطأ يؤذي الجماهير، التي علينا أن نحركها باستمرار، ونقف إلى جانب مطالبها، حتى لو لم تكن هذه المطالب لدينا من الأولويات.
بالنسبة للجبهة انتهى موضوعها حالياً، فالأحزاب التي تعاونا معها في السابق أصبحت في السلطة، والحزب اتجه للتيار الديمقراطي والتحالف المدني، وسياسته صحيحة في هذا الميدان، والحزب داينمو في هذا التيار، أعتقد أن نتائج الانتخابات القادمة ستكون مناسبة، ولكنها لن تغير كثيراً في توازن القوى، ولكن أي تغيير لصالح القوى الديمقراطية، مفيد ويرفع المعنويات، ويقدمنا خطوات أخرى نحو الأمام.