ماذا بعد لقاء واشطن

محسن ابو رمضان
2014 / 3 / 19

شكل موقف الرئيس عباس في واشنطن ارتياحاً واسعاً لدى قطاعات سياسية واجتماعية عديدة بين اوساط الشعب الفلسطيني وذلك عندما رفض ضغوطات الرئيس الامريكي اوباما الذي طالبه باتخاذ قرارات صعبة، إلى جانب تمديد المفاوضات ، حيث اشترط الرئيس ابو مازن الموافقة على التمديد بشروط موضوعية كانت تشكل اجماعاً وطنياً قبل الموافقة على استئناف المفاوضات من خلال جهود وزير الخارجية الامريكي جون كيري .
كلنا امل ان يستمر الرئيس ابو مازن بالتمسك بموقفه وعدم تغيره من خلال بعض المقترحات والحيل التي تحاول الإدارة الامريكية تسويقها مثل الاتفاق على اطار عمل وإعادة تمديد المفاوضات من جديد.
لا أدري ما المقصود بالقرارات الصعبة التي يريدها الرئيس اوباما من الرئيس عباس خاصة إذا أدركنا درجة المرونة العالية التي قام بها الرئيس عندما وافق على اقتراح كيري في بداية من العام الماضي والذي بموجبه تم استئناف المفاوضات دون شروط ووفق ما طلب نتينياهو دون تجميد الاستيطان فهل المقصود بالقرارات الصعبة التخلي عن حقوق شعبنا والإذعان للشروط الاستعمارية والعنصرية الاسرائيلية مثل الاعتراف بمبدأ يهودية الدولة.
إن عودة الرئيس ابو مازن لشروط استئناف المفاوضات يشكل تصويباً للمسار تلك الشروط المحددة بالاعتراف بحدود الرابع من حزيران عام 67 كمرجعية وبأنها أراض محتلة وأن الدولة الفلسطينية ستنشأ بها إلى جانب الافراج عن الدفعة الرابعة من الأسرى وكذلك الافراج عن القادة الثلاث مروان البرغوثي وأحمد سعدات وفؤاد الشوبكي بالاضافة إلى الشرط الحاسم الذي بدونه لا يمكن تحقيق الدولة المستقلة والمحدد بوقف الاستيطان .
الانفعال الامريكي الناتج عن عدم توقع رد الرئيس عباس إلى جانب تصريحات اسرائيلية مختلفة بأنه لن يتم الافراج عن الدفعة الرابعة من الاسرى بدون الموافقة المسبقة على تمديد المفاوضات يؤكد صوابية الموقف الفلسطيني ، حيث من غير المناسب الاستمرار في دائرة مفرغة من المفاوضات تستغلها اسرائيل لفرض الوقائع على الارض عبر تكثيف الاستيطان واستكمال بناء جدار الفصل العنصري وتهويد القدس واقامة منظومة من المعازل والباتنوستانات والاستمرار في عزل وحصار قطاع غزة .
لقد بات واضحاً طبيعة اتفاق الاطار الذي بلوره وزير الخارجية الأمريكي كيري ، فهو يشكل تصفية كاملة للقضية الوطنية لشعبنا عبر تبنى المواقف الاسرائيلية وآخرها شرط الاعتراف بمبدأ يهودية الدولة الذي يعتبر اعلاناً فلسطينياً عن عدم صحة الرواية الفلسطينية والاقرار بالرواية الصهيونية اضافة إلى أن ذلك سيمنع بالضرورة حق العودة وسيعطى الفرصة لتنفيذ عمليات تطهير عرقي بحق الفلسطينيين المقيمين في مناطق 48 .
لن يقبل أي فلسطيني حتى الذين كانوا من عناصر ورموز روابط القرى التي حاولت دولة الاحتلال الاستناد عليها في بداية الثمانينات من القرن الماضي ، كقيادة بديلة لمنظمة التحرير ، والتي أفشلتها الحركة الوطنية في ذلك الوقت بالوعي الوطني والعزل الاجتماعي، اتفاق الاطار المقترح من جون كيري الذي لا يعطى الحد الأدنى لمطالب شعبنا ، من خلال الابقاء على السيطرة الاسرائيلية على الأغوار وضم الكتل الاستيطانية الضخمة والسيطرة على القدس والحصار الجائر على قطاع غزة إضافة إلى عدم عودة اللاجئين الأمر الذي يعنى ضرب لمبدأ تقرير المصير والعودة كمرتكزات وثوابت للعمل الوطني الفلسطيني .
تحاول الإدارة الأمريكية توفير سلم للنزول عن شجرة المفاوضات من خلال اعادة طرح تمديد المفاوضات لفترة زمنية محددة وكذلك استبدال اتفاق الاطار باطار عمل غير ملزم الأمر الذي يعنى اضاعة الوقت مرة اخرى والدخول في دائرة مفرغة جديدة لا نتيجة لها سوى أنها تصب ربحاً صافياً لدولة الاحتلال التي ستستغلها للامعان في تنفيذ برامجها على الارض وفرض معالم الحل النهائي بطريقتها الاستيطانية والتوسعية والكولونيالية .
إن الاصرار على موقف الرئيس ابو مازن يتطلب استكمال هذا الجهد باتمام المصالحة الوطنية وانهاء الخلافات في داخل حركة فتح ، لأن وحدة البيت الداخلي والوحدة الوطنية تشكل شروط حاسمة لتمكين وتقوية الموقف الفلسطيني في مواجهة التحديات القادمة، خاصة إذا أدركنا ان التهديدات بفرض عقوبات مالية وسياسية على السلطة من قبل الولايات المتحدة واسرائيل ربما سيأخذ مجاله للتطبيق الأمر الذي يستلزم تحصين الموقف الفلسطيني وتعزيز صموده وتماسكه الداخلي لمواجهة التهديدات والتحديات القادمة .
لقد اشار الرئيس ابو مازن في معرض رده على الرئيس اوباما حول فكرة تمديد المفاوضات بأنه لا يوجد وقت لإضاعته ،والتي نأمل ان يستمر بالاصرار على هذا الموقف، وهذا يستلزم إجراء عملية استدارة فلسطينية جديدة تستند على استكمال عضوية دولة فلسطين بالمنظمات والمحافل الدولية ومنها محكمة الجنايات الدولية وكذلك إعادة بناء م.ت.ف على أسس تضمن مشاركة الجميع في بنيتها إلى جانب تصعيد اشكال المقاومة التي تستند إلى القانون الدولي وخاصة المقاومة الشعبية وحملة المقاطعة واستنهاض أوسع حملة للتضامن الشعبي الدولي بهدف تعديل موازين القوى لصالح شعبنا، حيث لا يمكن أن يتم الاعتماد على خيار المفاوضات فقط، هذا الخيار الذي جرب لمدة أكثر من 20 عام ، ولم يحقق نتائج مرجوة على الارض ، بل شكل ربحاً صافياً لدولة الاحتلال التي اظهرت للعالم أن هناك مسيرة سياسية ومفاوضات وبالتالي لا داعي للضغط لتحقيق حقوق الشعب الفلسطيني .
رغم الانشغال العربي بالخلافات الداخلية، إلا ان هناك عناصر قوة لشعبنا يمكن استثمارها ومنها عدالة القضية وسلسلة القرارات الدولية والتي تؤكد على الحقوق الفلسطينية إلى جانب تنامي حملة التضامن والتي تترجم بمقاطعة دولة الاحتلال والتي اصبحت تبرز بالعالم مؤخراً كدولة اضطهاد وتميز عنصري بالاضافة إلى عضوية دولة فلسطين المراقبة بالأمم المتحدة والتي يمكن البناء عليها ، بالاضافة إلى الوجود المادي البشري على ارض فلسطين التاريخية حيث يوجد ما يقرب من 5.9 مليون نسمة أي بالضفة والقطاع والقدس ومناطق 48 .
وعليه فيمكن استثمار أوراق القوة الفلسطينية والخروج من دائرة الاحتكار الأمريكي للعملية السياسية ودعوة الامم المتحدة والعالم بأن يتحمل مسؤولياته لفرض الحل الذي يضمن حقوق شعبنا بالحرية والعودة ، علماً بأن العالم لم يعد قائم على الاحادية القطبية والسيطرة الأمريكية الانفرادية عليه ، بل اصبح هناك حالة واضحة من التعددية القطبية أبرزها صعود أدوار منها روسيا ، الصين ، البرازيل ، ايران ، الأمر الذي يستلزم عدم استمرارية الرهان على الموقف الأمريكي الذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك انحيازه الكامل للموقف الاسرائيلي .