أيها السيسي الطيب

محمد طلعت
2014 / 3 / 11

لنا التقشف ولهم التنعم أهكذا يضبط إيقاع تدهور الميزان الاجتماعي وخلله؟ أبهذا تصعد مصر لمصاف الدول المتقدمة؟ أحمق من يقول هذا، وأحمق من يروح لهذا، وأحمق من يصدق هذا.!

كل الدول التى مرت بنفس ظرفنا التاريخي الذي نعيشه عملت بل خضعت الجميع للمساواة، الثري أولا هو من يتقشف ثم يتبعه الفقير استحياءا ورغبة في التقليد لحب الوطن، لكن يبدو أن الواقع لدينا عكس هذا تماما فالدولة دائما تطلب من الفقير التقشف أولا وكأن على الفقير أن يثبت حسن سيره وسلوكه مع الوطن والدولة بتلك الملاليم التي يحصل عليها(ذكر أخر تقرير لدخل المواطن المصري لا يتعدى 1 دولار في اليوم)،فأي تقشف وأي تبرع نطلب منه ياسيادة الدولة.؟!

طالما نسمع هذه العبارة"الفقراء أحباب الله.. الفقراء يدخلون الجنة" ولم يطلقها الفنان عادل أمام في مسرحيته الشهيرة من فراغ، لأنها مخزون معرفي واستراتيجي في مخيلة العقل المصري، كثيرا تم اللعب عليها لاستمرارية الفقير على حاله، وتسكيته بهذه الجملة المنبرية عندما يطلب العون والمساعدة " فهل جننت يا فقري في انتظارك حب الله، وجنته.. حافظ على فقرك واصمت واصمد.."!
تلك المقولة السحرية التي أدركها زعماؤنا المؤمنون منذ أن وطأت سيوفهم على رقابنا باسم الحكم. متاجرون بنا بحفنة من الشعارات من نوعية" التقشف" تلك الأكذوبة وزميلاتها، التى كنا نسمعها ونحن صغار باسم الخوف علينا والحب والرعاية والتعليم والتربية. مروجوها يلونون نفس الأكاذيب بطرائق أخرى ويدسوها لنا في العسل ونحن كبار باسم الملكية والجمهورية والإسلامية والوطنية. لكن تنحسر هذه الشعارات جميعها حول"الشحاتة" بمعناها الأكبر التى تتلون وتتحنجل حول الحرص على بناء بلادنا وعلى حاضرنا ومستقبلنا، وكم مرة تمت الشحاتة، هل تم بناء بلادنا؟!

تعقد الأمر اجتماعيا ونفسيا لتصبح "الشحاتة والسحت" أسلوبا يوميا. وأسلوب حياة عند أغلب المصريين سواء على مستوى الفرد العادي أو على مستوى رئيس الدولة... الكل يشحت. لكن حين تصير الشحاتة أسلوب استنطاع دولة على شعبها، فهنا الأزمة وخاصة رغم آلاف المرات التى شحتت فيها الدولة من الشعب، لم يتغير شيء ولم يتحسن وضع. وهذا من أيام: تبرع للمجهود الحربي.. عنق الزجاجة.. شد الحزام.. ومن أجل مصر.. مرورا على تبرع بجنيه تنقذ مريضا.. تبرع بجنيه تبني به قصرا في الجنة... للأسف ليس هذه شحاتة فحسب، بل هذا سحت واستغفال الفقراء الذين يُمارَس عليهم سحر الدولة الأكبر إلى أن وصل الأمر إلى تبرع بدمك وبأعضائك. تبرع ببدنك وبأمراضه من أجل اختبار أجهزتنا الجبارة التى يحسدنا عليها العالم. ويكون رد الجميل ترك الفوطة في بطن المريض. وحين تعترض يتهمونك من يشحتون منك بأنك غبي لم تفهم خصوصية اختراع جيشك الجبار، وتعمل لصالح خراب بلدك وجيشك. وهنا يتم تجييش مشاعر الكل لقبول أمر الشحاتة المرادفة القوية لمعني الوطنية في أيامنا النحوس هذه.

وفوق كل هذا لم يذكر تاريخ الشحاتة في مصر أنه جمع مليما واحدا من كبار الدولة وأصحابهم من السادة رجال الأعمال الكبار الذين تم تخصيص الكثير من الامتيازات والهبات والإعفاءات الجمركية والضريبية، إلخ.. لم نر ابن مسؤول بالدولة وضع جسمه تحت الاختبار أو تبرع بدمه أو بروحه حتى في خدمة الجيش المصري ومات شهيدا.. لم نر مسؤولا كبيرا مثلا تبرع براتبه المبالغ فيه لخدمة البلد ولتحسين أحوال الفقراء، كل الذي يحدث أنه يتم استقطاع قروش الفقراء لتحسين رواتب الكبار.
كل الذي يذكره التاريخ أن الفقير صاحب اليد البيضاء في هذه البلدة، وهو أول من يتبرع، يقدم ابنه لخدمة الوطن. فيأتيه شهيدا ويبكي، ويهتف لصاحب الجيش لو عندي ابن آخر سوف أتبرع به لجيش بلادي. يتبرع بنصف قوته ورغيفه كله لو احتكم الأمر من أجل بناء بلده.(فعلا مش بتهون إلا على الغلبان إللى بيطلعها من فمه عن طيب خاطر لبلده).

أيها السيسي الطيب(ربما تطلع في أخر الفيلم الرجل التاني، وتبقى وكسه) لكن، نصدق بأنك طيب.. ملامحك تظهر جوفك، والناس في بلادي سوف يمضون خلفك قائلين لك ولنظامك الجديد:"خدوا هدومنا.. خدوا قروشنا.. خدوا قوتنا.. خدوا عيالنا .. خدوا جتتنا، لكن مصر سبوها لنا.. ادونا حتة صغيرة منها حتى لو متر في متر.. أهو حاجة تسترنا في فقرنا وفي موتنا.... أو على الأقل ما تغربوناش تاني جواها ولا براها". لكن كل من حولك يا سيسي، وعلى رأي المثل "حسدوا اليتيم على الكعكة اللى في ايده" الرجاء أن تترك له أو تجبرهم أن يتركوا له حتة منها.. ظلل يا سيسي على المجاريح ومتغربهمش وتقول مافيش..!