الرمز التشكيلي في شعر محمود البريكان

شاكر حمد
2014 / 3 / 10

[ الرمز التشكيلي في شعر محمود البريكان ]


يتطلب الخوض في عالم محمود البريكان الشعري وقتاً أطول وبحثاً مستفيضاً وتأملاً أعمق لفهم حقيقتهِ الشعرية وموقفهِ من العالم ومن الشعر ومن المحيط الذي يؤطر قواه الفردانية والذي تُعبر عنهُ رمزياتهِ في الغرف الزجاجية التي تُكرر إنعكاس العزلة والموقف من المحيط والكون الشامل والمدينة والتأريخ والزمن والطبيعة وحفرياتها والعصور الجليدية.
يتناول هذا البحث جانبٍاً من أهم جوانب تجربتهِ الشعرية وهو الرمز التشكيلي بما فيه الإستعارة والتشبيه والتجريد واللغة .
إن مفهوم الرمز يتصل هنا بروافد الصورة الشعرية من المرئيات المنظورة والمتخيلة والتأملية والفضاءآت المفتوحة والكتل و المساحات الجمالية, ونسج الصورة الشعرية بالعناصر التشكيلية المتممة لبُنيتها الحداثوية التي وضعت القصيدة الحديثة في قامة الفنون المرئية الأُخرى .
إن محمود البريكان هو شاعر الرؤية التشكيلية:, بكل أبعادها وتصوراتها ومدارسها وتقنياتها . وحين نقرأ قصائده التي كتبها في الخمسينيات الماضية نكتشف البدايات الحقيقية للريادة وإن محمود البريكان سبق مايسمى جيل الستينيات بسنوات.
قصيدتُه المعنونة ( حوادث ) ترسم, برأينا , خط الإستدلال في الدخول الى عالمهِ الشعري المتأثر بالعالم التشكيلي ومرئياته ومفرداته وفيها يحدد التخطيط الأولي - sketch – للقصيدة على النحو التالي:
( في غموض النهار
تتكون رؤيا خافته
تقرع نواقيسها عند منتصف الليل

في بؤرة الظلمات
تتشكل الصورة ذات الألوان المائة
التي تكتشفها الشمس )
فالعناصر الأساسية : الغموض والرؤيا والتفاعل والتشكل والألوان المنتجة للصورة - في بؤرة الظلمات وعند منتصف الليل- ( تتشكل) القصيدة- اللوحة ذات الألوان المائة...
من هذا الباب يدخل الشاعر في تنقيبات أثرية لإستعارة الآثار والرقيمات والأختام والتماثيل والأحجار والكهوف والعصور الجليدية والبلورات ولوحات الرسم والمواد وألوانها ودلالة الزمن في ألوانها.وعلى النحو التالي :-
- الخوض في المرئيات وإستنطاقها , في إطار( شخصنة المرئيات الجامدة ).
– تنافذ المرئي والتخييلي ( إنعكاسات الوجوه على الزجاج متوافقاً مع الإيقاعات الصوتية الباطنية المُعبرة عن الخوف وصوت القدر )
- الإستغراق في تأمل الفضاء المفتوح - منظور الرؤية التشكيلية متعددة الزوايا- وسنقرأ أمثلة ذلك في قصائد مثل ( خطّان متوازيان ) ( النوافذ)(قصة التمثال من آشور)(حارس الفنار) وغيرها.
–- رموز الزمن وتعدد الوظائف الزمانية : الزمن التأريخي وترمز له الوجوه المرسومة على الكهوف وإعترافات التماثيل والنصب التذكارية وألوان المواد الطبيعية الصدئة (كلون الحديد الخامد الأخضر) و نتعرف على الزمان الضوئي, زمان الكون والمجرات وأخيراً الزمن الذاتي , زمن الشاعر وزمن القرين - البطل – الذي يتقاطع مع سرعة الزمن الموضوعي كما في قصيدة ( هواجس عيسى بن أزرق في الطريق الى الأشغال الشاقة )
- إنزياح مفهوم المكان نحو الرمز, المكان الكوني والمكان الإفتراضي – الميتافيزيقي – و تحولات مفهوم المكان الى المكان المجهري.
– ألإستعارة التشكيلية وتبدأ من العنونة الغرائبية وهي خاصيَّة تعود الى بدايات الشاعر كما أشار الى ذلك أحد مجايليه وزميل دراسته رشيد ياسين في مقالته بعنوان( الشاعر كما عرفته ) – المنشورة في كتاب ( متاهة الفراشة).. وإكتفى رشيد ياسين بوصفها بالتغريب دون معرفة إتصالياتها بالفنون التشكيلية والمفاهيم الإصطلاحية المُتداولة في التعبير عن حرفيات وتقنيات المحيط التشكيلي كالخطوط والكتل والألوان والأضواء والظلال والإنعكسات ومواد النحت ,الحجري بشكل خاص, وقواعد التماثيل الرخامية. ومصدرها ثقافة الشاعر الموسوعيهِ و المعرفية في هذه الفنون .
في التماثيل يتجلى رمز الإغتراب فهي تنتسب زمانياً الى عصور غابرة وتصطدم بدهشتنا للفاصلة الزمنية التي نرصدها من خلالها. ومكانياً تحتجزها المادة الصلبة والنقطة الثابتة. إنها شخوص حقيقية إستعارت الشكل التأريخي وبيئتهِ الخاصّة لتنقلهُ الى بيئة الشعر, ليتنافذ صوت التأريخ الإعترافي بصوت الشاعر.
يستوقفنا مشهد التمثال الآشوري في المُتحف العراقي وفي الغرفة الزجاجية لتتحول هذهِ الصورة الى منطقة تبئير خيالية متكاملة تتبعها إمتدادات وتفرعات تلاحق الشاعر في مناطق رؤيتهِ التالية.. ومن تشعباتها وقفات الشخوص على قواعد رخامية وغرفة الزجاج وإنفتاح الرؤية على التأريخ ومرور الأزمنة والسلطات وسقوط الحضارات والحروب. ونستقريء سلطة التأريخ وتأريخ السلطة وإعترافات التمثال , معبود نينوى, متداخلةً مع إعترافات الشاعر... في قصيدة ( قصة التمثال من آشور ):-
(هذا أنا مرتفعٌ أُواجه العيون
أشلُّها
أنفض في نهاية السكون
حوادث الدهر وصمت المائة التاسعة.)
نستمع لرواية التأريخ بضمير المتكلم صوت التمثال – ضمير الشاعر الذي سييرتفع من قاعدته ومن غرفته الزجاجية ليدخل منطقة الرمز وسلطة التأريخ بعد التحول من الحجر ( في قاعة الأحجار والسجِّيل ) وإكتساب الروح والسلطة في الوقوف فيتخذ ( معبود نينوى ) صورة الملك , الرمز والطاغية متباهياً بسلطة الرعب. ..
( قبائل الأموات - تنحر لي ذبائح الرعب )
العراقيون يقدمون القرابين من أضاحي وتراتيل منذ أقدم العصور. وثمة جملة إستفهامية يتوقف عندها السارد بعد كل مقطعٍ سردي وفي لهجتها صوت الشاعر ( يعترف الزمن - بهذه الذاكرة؟ )
يُنبؤنا التمثال بمنطق الزمن المتحرك وإقتراب المشهد من الزلزال , الحتمية التأريخية, ( عند إبتداء الليل وضجة الزلزال قبل الساعة العاشرة ) إن رمز السلطة التأريخية يشير الى المأساة الكامنة في جسد السلطة التأريخية. فبعد الزلزال ونهاية السلطة يتحرر الرمز من الخوف والمأساة والأوبئة وينتهي الى النهب والسلب... تُرى هل تنبأ الشاعر بهذا المشهد قبل حدوثه في عام 2003 في العراق وتكراره في أماكن أُخرى من العالم :-
( فقدتُ مأساتي
جُردتُ من خواتمي .... جُزت ذؤاباتي
دُحرجتُ من قاعدتي
نقلتُ من مكان
الى مكان
جرَّب فأسٌ ما
في جسدي يوماً
رُبطتُ بالحبال
سُحبتُ ممدوداً على وجهي
وراء زوجين من البغال ).
إذا كان (معبود نينوى ) يروي سلطة الزمن فإن (حارس الفنار) يروي سلطة المكان..
غرفة الزجاج وضعها الشاعر في أعلى موضع في نهايات المدينة, تواجة البحر, والمدينة في مخيال البريكان , كما سنرى لاحقاً , تتصل بالبوادي والآفاق اللاّنهائية المفتوحة . في (حارس الفنار) ثلاثة مصادر للرمز...
-غرفة التمثال المتحفية
- وغرفة الشاعر الحقيقية
- وغرفة الليل – الشعر, الزجاجية.. الملاذ المزدحم بالأشباح والصمت والخوف. وفي الغرف الثلاث مشتركات مكانية للعزلة, فحارس الفنار يستلهم عُزلة التمثال ( معبود نينوى ) مع إنسياق الرؤية للباطن السايكولوجي وسلطة الخوف التي تداهم الشاعر وتطرق نافذته ليلاً... ويتجسد الخوف في ترقب حظور الزائر المجهول ...فمن هو الآتي ليلاً الى هذا المكعب الزجاجي المنصوب على قاعدةٍ قرب الغيوم...
( أعددتُ مائدتي... وهيأتُ الكؤوس...متى يجيء
الزائر المجهول؟
أوقدتُ القناديل الصغار
ببقية الزيت المُضيء
فهل تطول الإنتظار؟)
في زمن الإنتظار الطويل نستشعر اليأس والندم في نبرة صوت الراوي, فيحسب الثواني ويراها تستحيل الى عصور. في الواقع كان ينتظر الموت, فيرى المدن الغارقة في المحيطات وموجات الرعب الكبير ويغيب في بحرٍ من الظلمات ويرى التأريخ الدموي ويكون شاهداً على مايكفي من الأهوال والدمار ويروي مشاهداته التأريخية كتلك التي رواها ملوك آشور.. ونعود الى مصادر الرؤية في هذا الإنسياق الشعري الذي تمدد في فضاء التأريخ ومنها الذات..أنا – الشاعر لأن مرئيات الراوي تتركز حول الجمال .....
( أتذكر المدن الخفية في البحار
أتذكر الأموات والسفن الغريقة والكنوز
وسبائك الذهب المصفى, والعيون اللاّمعات
وجدائل الشعر الجميلة في القرار
منشورةٌ, وأصابع الأيدي المحطمة النحيلة
مفتوحةٌ لاتمسك الأمواج
في الطرق الظليلة.).
يتردد الصراع مع الزمن في عبارة الراوي ( الوقت أدرك ) لمطالع الجُمل الشعرية التالية فالراوي غمرتهُ الرؤيا ومساراتها في الأعماق , في الطرق الخيالية الظليلة ومتاهات حلم يقظة وقد أوشك الوقت على النفاد..لتطل علينا رموز الزمن, زمن الشعر, وقد يكون وقت الرؤيا , وأستذكرُ هنا ما صوَّره سلفادور دالي في لوحتهِ "الزمن الدبق"...
( والساعة السوداء سوف تُشلُّ تُجمع في الجدار
أنا في إنتظار
والساعة السوداء تنبض - نبض إيقاعٍ بعيد-
رقّاصها متأرجحٌ قلقٌ يميل الى اليمين
الى اليسار
الى اليمين
الى اليسار
الى اليسار.)

الزمن في غرفة حارس الفنارمتأرجحٌ قلقٌ, الغرفة المعلقة بين الأرض والسماء ترمز الى الزمكان المتداخل في مزيج الزمان السائل بالمكان الزجاجي . حارس الفنار يصارع طول اللحظة وهي بمثابة العصر الجليدي. نلاقي أكثر من صورةٍ لهذا التداخل برموز المرئيات في سيرورة النص الشعري يتوهج فيها محور الزمن مثل ( هواجس عيسى بن أزرق في الطريق الى الأشغال الشاقة ) ففي صراع الزمن الذاتي مع الزمن الموضوعي يكابد عيسى قوة الزمن الموضوعي في سرعة القطار مع زمنهِ الذاتي الذي يميل الى الوقوف لأنهُ لايريد الوصول الى المحطة الأخيرة وهي الأشغال الشاقة. ولايتمنى إقتراب النهار...
( يصطخب القطار في طريقهِ الطويل
في نفق الظلمةِ نحو مطلع الظلمة.
وددتُ لو يموت عنّا ذلك النهار
وددتُ لو ينحرف القطار,
عن دربهِ المشؤوم )
في (نفق الظلمة ) ظرف مكان حقيقي, واقعي . وفي (مطلع الظلمة ) ظرف زمان حقيقي وموعد مع فجر الأشغال الشاقة.
زمن الليل هو زمن الموت , موجات يشنها الأموات ليلاً وينتشرون في المدينة وينتصرون ويحتفلون بنصرهم في حانة الليل . القصائد التي كتبها الشاعر في العقدين الثامن والتاسع دللت على كشوفات رمزية يتداخل فيها المكان الواقعي بالمكان الإفتراضي الميتافيزيقي وتزدحم بالإستعارات التشكيليية ومفردات التشكيل وبالأخص النحت الحجري . ونعتقد أن بيئة الشاعر المحيطية وأصلها الصحراوي كما في واقع وأصل مدينة الزبير, مدينة الشاعر, في أوقات كتابة تلك القصائد, وتتصل بالمقابر وهي تستقبل الأموات وقتلى الحروب و تكرار مشاهد التشييع والدفن والتي يتردد إيقاعها بين مقطعٍ وآخر...للذين ماتوا بداء الوهم..
( أتذكر الموتى ولون دموعهم والزمهرير

لم يهلكوا جوعاً ولا عطشاً, وإن كانوا ظماء
ماتوا بداء الوهم .) .
مجاورة المكان للمقبرة وللصحراء ومجاورة الزمان للحروب التي سيعبرعنها ( البدوي العجيب ) في إغترابه.. ويرى الشاعر إفتراضاتهِ التخييليية للمدن المهيبة وقد طالها الدمار وأخليت وهجرها سكانها فيطوف فيها لنرى الحرب والهزيمة التي أخفت الناس في ملاجئ سريَّة ويلاقينا الرمز التشكيلي في تجسد يحاكي النُصب التذكارية للمدن المدمرة كنصب الفنان زادكين لمدينة روتردام الهولندية التي دمرها الألمان . شاعرنا يدخل المدينة وهي خالية من أهلها وهو يخُّص البصرة منتصف الثمانينيات وهي مهجورة دون تسميتها ولكنها حاظرة ونبض الحياة يتماوج سراً خلف ستائرها في قصيدته (مدينة خالية) ...
( في بعض أسفاري
دخلتها مدينةً صامتة
خاليةً من أثر الأحياء
أبوابها مغلقة,
ساحاتها تلعب فيها الريح
لكنَّ أضواء شبابيكها
تسطعُ طول الليل
من يضغط الأزرار؟)
ويطوف في المدينة فيرى الملاعب محطمة والأزهار مائلة الأعناق ويطرق الأبواب ولاتُفتح ويتساءل..
(تُرى ماتوا جميعاً؟
رحلوا؟تحولوا – بأي سحرٍ – كائناتٍ
غير مرئية ؟ )
...... نعتقد أن هذا الفراغ الموحش ماهو إلاّ فضاء النحت الدائري الذي يتمركز في وسط المدينة وهو نحت غريب وميتافيزيقي ينبض بالألم والمعاناة وتدب فيه الحياة على نحوٍ بطيء....
( وفجأةً رأيت ظلَّ إمرأةٍ تختلج
على منصةٍ من الرخام
تبدأُ بالتململ البطيء
تُحاول النهوض من سباتها
وقلتُ : ياحواء
أتعرفين من أنا؟
آدم
لكنها لم تفهم اللغة.) –كتبت القصيدة عام 1990 –
.......في مراحلهِ الشعرية الأولى, إختار البريكان نهجه الخاص لمضمون وشكل النص الشعري الحديث المقارب للمرئي التشكيلي في الرقم واللون والشكل والكتلة والفضاء والمنظور الهندسي الفني, وبشكل مميز في عنوانات القصائد ولغة النص الإصطلاحية التشكيلية...إحدى قصائدهِ التي كتبها عام-1957- والتأريخ يسجل حقيقة الريادة – عنوان القصيدة ( الرقم 96) الرقم ستة وتسعون وهو عنوان تجريدي وبُنية تشكيلية مركبَّة من إيهام بالغموض ورسم طوبوغرافي ومن هذا التشكل الرقمي نكتشف أن المضمون يتصل بالسيمياء الرقمية إتصالاً وثيقاً ومباشراً بالجسد الإنساني الذي يحمله, وهو السجين وعلى صدرهِ ولو فصلنا شكلانية الرقم عن مضمونه العميق هذا لما ظهرت القصيدة بأي معنى يرتقي الى هذا الإكتمال. السجين يقرأ الرقم على صدرهِ..
( تنتصب الستة كالمشنقة الصفراء !
وتُصلب التسعة
كرأس أفعى ضخمةٍ غريبةٍ بشعة )
لنقرأ هذه السيمياء الرقمية قراءة تأويلية في حزمة العناصر – الرموز- التشكيلية ودلالاتها النفسية في رؤية السجين – الشاعر ( ملاحظة يجب أن تُعرف وهي أن الشاعر لم يتعرض للإعتقال أو السجن في حياته ) وفيها معادلة وشفرة سريَّة (– الرقم 6 - الشكل + المضمون - المشنقة + اللون الأصفر- لون المشنقة + المضمون - لون سم الأفعى التي ستظهر في الجملة التالية وفيها الرقم 9 – الشكل رأس الأفعى + الحجم -الضخامة -الغرابة- مضمون التوحش والإفتراس + الصفة -البشاعة. )وهكذا يتكون المقطع من عناصر تشكيلية حرفية وهي الرقم والشكل واللون والكتلة والصفة المضمونية, والحركة في الفعل (تنتصب ) الذي يفتتح مشهد الإستعداد النفسي وجهوزية عملية الصلب. إن عملية إلغاء الإنسان تبدأ بتحويله الى رقم حين يُدرك السجين أنه مجرد رقم ( لاإسم لي الآن : أنا السادس والتسعون ) وهنا وفي مرويات الشاعر ورموزها يغمرنا الشعور ببرودة المكان وظُلمتهِ والخوف الدائم.
يتطلُّع السجين الى كوة في الأعلى من الضياءأو شبرٍ من السماء – كتب المرحوم عبد الجليل المياح روايةً عن هذه الكوه في معتقل أمن البصرة" الفرس و السماء المربعة"-
( أبحثُ في الكوةِ عن شبرٍ من السماء
عن قطرةٍ من زرقة الأبعاد , والصفاء
أبحثُ عن شعاعةٍ من ذلك الضياء
أبحثُ عن نجمة....)
كتب الشاعر عن الإنسان السجين المفكر المجهول وصورة السجن تتكرر في مرموزات مكانية بعضها ثابت على الأرض أو على منصات رخامية أو غرف زجاجية حديدية مُتحركة كالقطارات السريعة التى تنقل المحكومين الى مصائر نهائية . وكتب عن إغتراب الوجوه في صور شخوصه الهائمين في المتاهات الصحراوية وفي مطولاتهِ ( أُسطورة السائر في نومهِ ) و ( البدوي الذي لم يرَ وجهه أحد) وفيها يتداخل الرمزي بالبُنية التصويرية وبشكل خاص في طوبوغرافية علامات الزمن.. وفي مروياتهِ مداخل حكائية لتهيئة مستمع – مَرويٌ لهُ – وهو الشاعر, الراوي والمروي له, وهو البطل التائة... ( البدوي العجيب ) والذي يتعرَّف على حقيقة غربته في صورتهِ المنعكسة في مرايا المياه..
( نمت طبقات الزمان على جلده , فهو لايتذكرُ صورته
صورة البدء
مستغرباً في مرايا المياةه ملامحه الغامضة
أنا هو ذاك
أنا البدوي الغريب يجوب البوادي
ويطوي العصور ويعبرُ جيلاً فجيلاً
الى آخر الأزمنة.
أنا البدوي الذي لفظته االصحاري.).
......
يتداخل في منظومتهِ الصورية مراكز إرسال ورصد وإستعارات من ادوات التعبير التشكيلي. كالمنظور ونقاط الرؤية ونعرض بعضاً منها :
- النظر من الأعلى , نظرة عين الطائر في ( قصة التمثال من آشور ) ( حارس الفنار) ( خطان متوازيان)
– النظر من الأرض الى الأعلى , نظرة عين الضفدع في قصيدة ( نوافذ)( متاهة الفراشة)
في (نوافذ) لوحات فنية متحركة تنبض بالأسرار وإنكشاف دواخل من الإلفة والهدوء غير المعتاد في مدن الشاعر الرملية وشخوصها الغرباء المتوحدين. فنرى إطلالات على التفاصيل الدقيقة والتشريح للأيدي في (نافذة العجوز) وهي تراقب إنحدار الشمس لتحاكي وقفة البورتريت في إطار اللوحة.
( وعندما تقترب العجوز
من حافة النافذة
تلوح في الإطار
كصورةٍ لعالمٍ يموت )
وفي (نافذة فتاة) ينقل مخيال الراوي – الرائي ما يكشفه الضوء من جسد الفتاة خلف الستارة. وفي (نافذة للحب ) نسمع الموسيقى والقهقهات وصوت الأطباق... بعدها أصداءٌ من السكون وفيها يكمن فعل الغموض الجنسي..
( نافذةٌ مسدلة الستائر
يرشحُ منها الضوء
وظلُّ موسيقى
وقهقهات
وغمغمات طفل
وصوت أطباقٍ
وأصداءٌ من السكون )
تلي ذلك جملة بيضاء للغموض والصمت تُمهد لظهور نافذة الشاعر....
( نافذةٌ زرقاء
تُضيء في وجه ظلام الكون).وقد حظرت اللغة التشكيلية في معادلة الضوء والظل وبدلاً من الأصوات والأصداء والغمغمات للموسيقى نسمع ظلّ موسيقى أما أصداء السكون فهي تتردد في حاسة الراوي الشبقية الخالقة للسرد اللاّمرئي الباطني.
– النظر المواجه – كلوز- في نصوص تعكس وجه الشاعر على الزجاج كما في ( الوجه ) وعلى المياه كما في ( البدوي العجيب الذي لم ير وجهه أحد).
- التصوير المقرّب في ( الأيدي) و(بلّورات )و( قصائد تجريدية ).
-التصوير البانورامي المدن الخالية والصحراء والفضاء المفتوح.
– التصوير السريالي في الجملة الشعرية .
( كهف الصخور القديم
مشبع برذاذ الملح
تلتف فيه أفاعي المياه الزجاجية الناعمة)- الكهف العميق-
( تنطرح الحيّات جميلةٌ تحت مرايا الشمس) – بلّورات -
- التصويرالمجهري المتأثر بالأفلام العلمية كما في (متاهة الفراشة)...
( مهرجان المصابيح
لافتة المصنع الضخم ترسمها نبضات النيون
الفراشة لاتستطيع القراءة )
لنواصل رواية السارد لهذه المشاهد المجهرية لحركة الفراشة ...
( ورأت سلماً لولبياً
وشيئاً كبرجٍ من الصلب , لاقعر له
وخيوط دخان
كبخار الصهاريج
وإلتقطت مدخلاً دائرياً )
أما ( دراسات في عالم الصخور) فهي بمثابة تأملات في شكلانية الصخور وألونها وماوراء طبيعتها الفيزيائية. وإتبع الشاعر فيها تقطيع النص المطول الى مقاطع – لوحات ملونة – تجريدية , كما في قصائد مماثلة...ففي المقطع المعنون( صخرة ) لقطات – نظرات ثلاث تخص الشاعر
( الشاعر :- للنظرة الأولى :
توازن الكتلة
للنظرة الثانية: تمثال وجهٍ صارمٍ يستطلع الأفق
للنظرة الثالثة :
قصيدة التكوين ).
_______________________* فنان تشكيلي وكاتب
( قُدمت في جلسة التجمع الثقافي يوم الجمعة 28-2- 2014 في البصرة)