من مذكرات - عبد الحميد - في السجن

ليندا كبرييل
2014 / 3 / 9

حدّثنا عبد الحميد فقال :
احتجّ السجناء بشدة في ذلك اليوم على سياسة التجويع التي تلجأ إليها السلطات الآمرة .
دخل الحارس والشرر يتطاير من عينيه ، واحتجز سطل البول المخصّص لنا نحن السجناء ، ووقف يبول فيه أمام أنظارنا ، وهو يرمقنا بوجهٍ ادّخرتْ تقاطيعه الكثير من الكراهية واللؤم ، والثقل في معدتي يهدّ حيلي ويذيب قواي . ألفّ رجلاً على رِجل لأحصر الضغط الشديد في البطن ، أرجوه وأنفاسي تتقطّع أن يفتح لي باب الزنزانة لأذهب إلى المرحاض .
التفتَ وضربني على أصابعي المتمسّكة بالقضبان بسلسال حديدي كان يحمله لتأديبنا ، فأفلتت أصابعي تحت وطأة الألم ، وارتميت متكوّراً على أرضية السجن ، وفعلتها على نفسي .
لم أشعر بالمهانة كما شعرتُ وقتها .
تباً لهم ! لقد جعلونا نكره أجسادنا التي تعذّبنا فوق عذابهم .
كانت أول مرة أبكي فيها . فضحك الحارس وقال إني أبكي كالنساء . وقال أيضاً : هل يخلق ربكم نجاسة بيديه ومشايخكم يقولون إن البول والبراز نجاسة وقذارة ؟ أراكم تتطهّرون منهما كالمهسترين ، لعل شيوخكم لا يدرون أنهم يأكلون من مزروعات مرشوشة بروثكم !؟ ضعوا مشايخكم الثرثارين في صحراء ملتهبة بالقيظ وامنعوا عنهم الماء وانظروا ! هل سيركلون هذه النعمة أم سيَسْتوهبون الحياة مما يدّعونه نجاسة ؟؟
لتكنْ هذه النجاسة ملاذكم ، واشربوا منها هنيئاً مريئاً ، فالماء مقطوع عنكم اليوم !!!
_______________________

عبد الحميد هذا قريب لصديقة عزيزة . سمعته في جلسة في بيتها يروي لنا جزءاً من مذكراته .
قُبِض عليه مرتين .
في المرة الأولى قبل سبع سنوات . أخبرنا أنه وقف محشوراً بسيارته في شارع لا مجال للمناورة فيه لشدة الازدحام . يقع في هذا الشارع مبنى مشهور للمخابرات ، جاء الحارس وقال له : العمى بقلبك ولاه .. شو مو طاسِس أدامك أنك بمكان ممنوع ولّا أحْول ؟
فردّ عبد الحميد ولم يكن يعرف أنه من رجال المخابرات : ولشو هاللهجة يا أخ ؟ شو الشارع ملك أبوك ؟ وأنت كمان مو أحْول ، طسْ أدامك وشوف الزحمة .
فما كان من الشبّيح إلا أن فتح باب السيارة ونزل بعبد الحميد صفعاً وركلاً ، وصاحبنا يستنجد وما من ذي مروءة يتجاسر أن يهبّ لنجدته ! ثم مسكه الإرهابي من رقبته وقال له : والله لأخلع زمارة رقبتك ، أنت عارف مع منْ تتكلم ؟ والله لأطلّع روحك من باب بدنك !
فأجاب عبد الحميد والدماء تنزف من أنفه ورأسه : ومنْ تكون إلا ابن سوقي ما عرف يربّيك !
فانفتحتْ بهذه العبارة أبواب جهنم على عبد الحميد ، ووجد نفسه مشحوطاً والشبيح يقول له : لازم تتربى كم ليلة بالحبس لتعرف كيف تتكلم مع صفوة الناس وأكابرهم يا حقير !
_______________________

دمعت عيناي وأنا أتأمل صورتَيْ عبد الحميد التي أرانا إياهما في تلك الجلسة ، بوجهه المتورّم وآثار الضرب والجَلد على جسمه .
أما في المرة الثانية التي قَبِض عليه فيها ، فكانت قبل عام . هو من سكان المدينة السورية الثائرة .. حمص .
عند الشمس تقع حمص .. جرح نازف في كبد السماء .

جاءت قذيفة على بيته فدمرته تماماً ولم يكن فيه إلا ابنه الشاب . يومها أقسم أن يلتحق بالثورة . وقبل ذلك رافق عائلته إلى لبنان ، ثم هربوا إلى إيطاليا عن طريق البحر واستقروا فيها بعد معاناة شديدة . ثم عاد عبد الحميد وانتسب للثورة . قال : أبحث عن الكرامة والعدالة .
ليلة أمس وصلتني رسالة ينعون فيها عبد الحميد .
عبد الحميد مات تحت التعذيب .
_______________________

ورد ذكر " عبد الحميد " في مقالي :

في رحم الرزايا تتخلّق المزايا

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=328769

والفقرة أدناه ، عندما سجّلتها في مقالي ، كانت قصة عبد الحميد في السجن تؤرق مضجعي فلا أنام وأنا أتذكر تفاصيل روايته .
المقال كان يتحدث حول انطباعي عن فترة مرضيّة مررتُ بها . وجدتُ آنذاك تشابهاً كبيراً بين الأمراض السفيهة ، وشخصيات الحياة السفيهة .
فقرة من المقال :

" تباً لزمن لا يعرف رد الجميل فيجود بالسفاهة علينا . سفيه وإلا ؟
هل خبرتَ سفيهاً في حياتكَ ؟ لا شك .. فالحياة لا تخلو من الحمقى . بل إنها لا تكمل بدونهم . قد يكون المرض تجاوزك .. أخطأك .. فإن شئت أن تعرف معنى المرض على حقيقته ، فانظرْ إلى السفيه الصفيق في الحياة وتأملْ التشابه !
السفيه إذا تحديتَه لاشتدّ عليك ، وسحب من صدرك روح التمرد وأطفأ في داخلك جمرة الحياة . لا تقع عينه إلا على النواقص في الجسد السليم ليُعمِل فيها شناعته بلا رحمة ، ولا يعرض يائساً .. يريد بسطوته وطغيانه أن تذعن كل أعضاء الجسم إلى حكمه الطائش في الصحة ، ولا يحقق وجوده إلا متمدداً فوق صدر الحياة .
وأخطر ما في المرض – السفيه أنه يتبدّى لك صادراً عن نيّة صافية مخلصة غير مؤذية ، فإن تكبّرت عليه أو أهملته كشف قناع الخسة عن وجهه لاحتواء أسباب حيويتك وإرباكك .
هناك من الأمراض ما يستجيب للدواء ، هذا داء سفيه لا أخلاق له ، عونطجي بلطجي ، فإذا أقبلتُ على الحياة ومباهجها لحقني من خلفي ، وإذا التفتُ إليه فرّ من أمامي ! "

________________________

منْ يستكنْ للطغيان والبطش ، فليس أقلّ من أن يتمادى الاستعباد في قتل الضمير . حينها .. تفور في داخله الغريزة الوحشية ، وتتوقّد خيالات مخاصمة الحياة .
سامحهم من عليائك يا عبد الحميد .. إنهم أيضاً ضحايا الاستعباد والتجهيل والتضليل .