قطاع غزة والوضع الفلسطيني وسبل الخروج من المأزق

محسن ابو رمضان
2014 / 3 / 9


يمر قطاع غزة هذه الأيام في ظروف مأساوية، من حيث تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة والتي وصلت إلى حوالي 40% من حجم القوى العاملة أي بزيادة حوالي 14% عن النصف الثاني من العام 2013 في ظل انخراط حوالي 20 ألف سنوياً من بينهم الخريجين في جيش الباحثين عن العمل .
هناك العديد من الاسباب التي تقف وراء استمرارية حالة التدهور ابرزها تشديد الاحتلال للحصار المفروض على القطاع والذي يعتبر اقسى من ايامة الاولى في منتصف حزيران /2007، فالمواد الخام وخاصة مواد البناء لا تدخل إلى القطاع إلا لبعض المشاريع المحددة التابعة للمنظمات الدولية ، ومؤخراً فقد أوقفت دولة الاحتلال ادخال هذه المواد بصورة قطعية بما يشمل المواد اللازمة لمشاريع المنظمات الدولية ، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمشاريع شركات المقاولات المحلية التابعة للقطاع الخاص ، علماً بأن المواد اللازمة لتنفيذ المشروع القطري لا تدخل إلى القطاع إلا بالأيام المحددة لفتح معبر رفح .
كان اقتصاد القطاع يعتمد بنسبة لا تقل عن 70% من حجم المواد الاستهلاكية وغيرها على تجارة الانفاق والبضائع المصرية التي كانت تدخل إلى القطاع بواسطتها ، وبالتالي فإن اغلاق الانفاق بنسبة كبيرة قد أثر على حجم المواد الاستهلاكية وعلى آليات النشاط الاقتصادي بالسوق ، وذلك رغم أن إدارة الانفاق كان ينقصها العديد من المعايير التي تضمن الحق لجميع التجار وبصورة متساوية أي بغض النظر عن العلاقة مع اصحاب النفوذ.
بالوقت الذي يوجد اسباب سياسية واضحة وراء سياسة الحصار تهدف إلى فصل القطاع عن الضفة الغربية فإن قطع الروابط الاقتصادية بين المنطقتين يعتبر واحداً من الاهداف الرئيسية لدولة الاحتلال وذلك بهدف تقويض دعائم تشكيل بنية تحتية لاقتصاد وطني فلسطيني موحد يشكل القاعدة لاقتصاد الدولة المستقلة.
تحاول دولة الاحتلال تحويل القطاع إلى حالة انسانية من خلال السماح بادخال بعض المواد الاستهلاكية وكذلك السماح لوكالات التنمية الدولية بتنفيذ مشاريع ذات طابع اغاثي وخيري بعيدة عن التنمية الرامية إلى تمكين الفقراء والمهمشين ، وبالتالي فهي تعمل على محاولة افقار وتهميش وعزل القطاع ليصبح معتمداً وبصورة رئيسية على المساعدات الاغاثية والانسانية بدلاً من توفير مقومات لاقتصاد تنموي مستدام.
يتعمق الحصار المفروض على القطاع ليس فيما يتعلق بحرية الحركة للبضائع والافراد فقط ولكن ايضا في تقليص الموازنات المخصصة من قبل المجتمع الدولي والمانحين لصالح المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة، فقد أعلنت الاونروا عن تقليص موازناتها لدرجة انها مست في اساسيات عملها لصالح الحالات الاجتماعية الصعبة وذلك لأول مرة في تاريخها ، كما أعلنت انه لم يتم السماح بادخال المواد الضرورية لتنفيذ مشاريعها التنموية عبر معبر كرم ابو سالم الأمر الذي أدى إلى توقف هذه المشاريع
إن الامعان في تعميق الحصار بما يشمل أنشطة ومشاريع القطاع الخاص مصحوباً بتقليص الموازنات لدى وكالات التنمية الدولية إلى جانب تقليص الرواتب لدى موظفي الوظيفة العمومية خاصة في ظل الازمة المالية التي تعيشها حكومة حماس في قطاع غزة سيزيد من حدة تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية ، بما سيترتب عليه من احتقانات اجتماعية غير معروفة النتائج .
لقد بدأت حركة حماس بالاشهر الماضية بارسال بعض المؤشرات المرنة التي تعكس رغبتها بالمصالحة ابتداءً من خطاب الاستاذ/ اسماعيل هنية الذي دعا به الرئيس محمود عباس بتشكيل حكومة الوفاق الوطني مروراً بالاستجابة للعديد من الاقتراحات الرامية لتعزيز اسس الشراكة مثل إجراء الانتخابات لمجالس الطلبة والنقابات ومن ثمة للبلديات، ومنها الدعوة لإدارة قطاع غزة على قاعدة شراكة الجميع بما في ذلك حركة فتح ، إلا أنه وأمام المتغيرات الأخيرة وفي المقدمة منها قرار المحكمة المصرية " المستعجل " القاضي بحظر نشاطات حركة حماس، فإنه لا بد من التفكير بإبداء درجة اعلا من المرونة،حيث اصبح الخيار الوحيد أمام الحركة هو الاندماج في البيت الداخلي الفلسطيني الأمر الذي يتطلب الاعلان بصورة واضحة على الموافقة على تشكيل حكومة الوفاق الوطني واجراء الانتخابات في موعد متفق عليه، علماً بأن الجبهة الشعبية كانت قد اقترحت حلاً وسطاً تجاه تحديد موعد الانتخابات التشريعية بأن تتم بعد 6 أشهر من تشكيل حكومة الوفاق الوطني بدلاً من ثلاثة اشهر وهو الموعد الذي كان الرئيس عباس يصر عليه ،وذلك ليتم توفير شبكة حماية للحركة ولقطاع غزة في نفس الوقت الذي يعاني الكثير جراء الحصار المشدد المفروض عليه .
وبالوقت الذي بات مطلوباً من حركة حماس ابداء درجة اعلا من المرونة ، فإن الرئيس ابو مازن من الهام ان يفتح الأبواب بدخول حركة حماس في البيت الداخلي الفلسطيني ، وعدم المقايضة ما بين المصالحة والمفاوضات والتي أي المفاوضات لم تحقق نتائج ايجابية على الارض بل استغلتها دولة الاحتلال لتكريس الوقائع الاستيطانية التي تنتقص من فرص إقامة الدولة المستقلة وتحول الاراضي الفلسطينية إلى مجموعات متناثرة من السكان في اطار منظومة من المعازل والبانتوستونات ، الأمر الذي يترتب عليه وفي ظل اتضاح معالم اتفاق الاطار الذي يستهدف تصفية القضية الفلسطينية ، أهمية الاستدارة باتجاه تحقيق الوحدة الوطنية و العمل على انهاء الانقسام بصورة فورية وتوفير المقومات للشراكة السياسية بحيث يتم تحصين البيت الداخلي عبر ادماج كافة مكونات الحركة السياسية ومنها حماس والجهاد والمبادرة وغيرها من الفاعليات الراغبة في بنية النظام السياسي الفلسطيني وفي المقدمة منها م.ت.ف.
إن التحلي بالمسؤولية الوطنية يفترض عدم الانجرار وراء آليات الفعل ورد الفعل وعدم تفريغ حالة الاحتقان بالمجتمع الفلسطيني بل أن الضغوطات الممارسة على حكومة حماس يجب ان تدفعها لفتح علاقات أوثق مع مكونات المجتمع الفلسطيني بما في ذلك توفير مناخات للحريات العامة والتي تضمن الحق بالتجمع السليم والتشكيل النقابي والأهلي وفي التعددية السياسية .
لا أعتقد أن سياسة تفريغ الاحتقان في بنية المجتمع ستكون مفيدة لأحد حيث أن فض احتفال تأبيني للشهداء كانت حركة فتح قد نظمته في خانيونس غير مبرر ولا يفيد أحداً وسيعيد استحضار السنوات الأولى من الانقسام التي أدت ضمن آليات الفعل ورد الفعل إلى تقليص حالة الحريات العامة في كل من الضفة والقطاع .
وعليه فإن الحفاظ على ضبط النفس وعدم الانجرار لآليات تنفيس حدة الاحتقان داخلياً هو المطلوب في هذه المرحلة ، وإذا كان لا بد من تنفيس هذا الاحتقان فليكن في مواجهة العدو المركزي أي في مواجهة الاحتلال عبر تعميق وتفعيل المقاومة الشعبية والمقاطعة واستقطاب وفود التضامن الشعبي الدولي لكسر الحصار ، علماً بأن أية ردود فعل تجاه قرار حظر حماس من شأنها تأجيج الرأي العام في مواجهة مصر غير مفيد ايضاً، فالمسؤولية الوطنية تتطلب العض على الجراح وعدم تشتيت الطاقات والجهود ، بمعنى عدم القيام باستبدال العدو المركزي مرة بأن يصبح مع المتنافس السياسي الداخلي ومرة أخرى بأحد البلدان العربية ، فمرحلة التحرر الوطني تشترط ان تكون الطاقات موجهة للتصدي للاحتلال بكل ممارساته العدوانية ، ومن اجل حق شعبنا بالحرية والانعتاق .
سيعمل الاحتلال بالضرورة على تفجير الأوضاع المحلية عبر استنزاف بنية المجتمع وإنهاكه ليصبح غير قادر على الصمود، وليستخدمه كمثال على عدم قدرة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم بأنفسهم بما لا يتوجب على المجتمع الدولي الإصرار على إقامة الدولة المستقلة .
إننا بحاجة إلى هيئة حكماء لإدارة هذه المرحلة الصعبة التي يمر بها المجتمع الفلسطيني وخاصة في قطاع غزة بهدف احتواء تداعيات الحصار والمأزق السياسي بكل تفاعلاته الاجتماعية والاقتصادية ومن اجل العمل على بلورة مبادرات تساهم في خلق الاستقرار والوفاق الاجتماعي وتفكيك الأزمات بعقلية من العمل الجماعي والديمقراطي بحيث يأخذ بعين الاعتبار احتياجات المواطنين واستمرارية مرحلة التحرر الوطني التي تتطلب تعزيز مقومات الصمود الوطني ، عبر العمل على تحقيق وحدة النسيج الاجتماعي الداخلي .
من الهام وفي إطار التحلي بالمسؤولية الوطنية إدراك مخاطر ما يحدث في غزة والعمل على تدارك أية تداعيات قد تؤدي إلى زيادة حدة التوتر والاحتقان الداخلي وإدخال القطاع في دوامة من العنف لن يستفيد منها أحد سوى الاحتلال ، خاصة إذا أدركنا أن الأحداث المحيطة بفلسطين تشجع على العنف الذي أصبح الأداة الوحيدة بالعديد من البلدان العربية.
لقد بات مطلوباً تداعي كافة القوى والفاعليات الوطنية والاجتماعية للعمل على وقف حالة التدهور بالقطاع واحتواء نتائج وتداعيات الحصار بما يضمن إشراك الجميع في إدارة الأزمة والعمل على قاعدة تضمن تفكيك كافة الإشكاليات والتعقيدات سواءً المحلية أو الإقليمية التي تخص قطاع غزة وقضية شعبنا بصورة عامة .
إننا بحاجة إلى تضافر كافة الجهود للخروج من هذا المأزق وفي المقدمة من ذلك الإسراع في تشكيل حكومة الوفاق الوطني وتنفيذ بنود اتفاق القاهرة بوصفه المدخل الرئيسي القادر على تجاوز الوضع الراهن والارتقاء إلى مسار جديد يضمن إعادة بناء المؤسسة الوطنية الجامعة ضمن إستراتيجية كفاحية مواجهة للاحتلال ومن اجل حقوق شعبنا بالحرية والاستقلال والعودة .