في أن تخرجَ من قيودك

محمود كرم
2014 / 3 / 4

كيف يحدثُ أن يكون الإنسان قيْد ذاته ؟ أليسَ هو الكائن التوّاق للحرية والانطلاق والتحليق والتمرّد ؟ وكيف يكونُ توّاقاً للحرية وفي الوقت نفسه يكبّلُ ذاته بآلاف القيود والأغلال والتعقيدات ؟ وأليسَ الإنسان هو الإنسان ذاته منذ آلاف السنين الذي لا يتوقفُ عن اختراع الأفكار والمذاهب والأديان والمعتقدات والفلسفات والنظريات . فكيف يحدثُ أن تصبحُ كل تلك الأشياء أكبر منه ، تتغوّل عليه وتسلبهُ حريتهُ وانسيابيتهُ وتمرّدهُ وحركته . وأليسَ مستغرباً أن يستطيع الإنسان أن يخلق آلاف الآلهة ولكنه في الوقت نفسه يعجز عن أن يَخلُقَ ذاته ؟

ولماذا يهيمُ الإنسان غراماً في القيود والأغلال والاشتراطات ، ومِن ثمَّ يتواطأ معها بمحض قناعاتهِ ومسوّغاتهِ ومبرراته ، ويُعايشها انسجاماً وقبولاً وحبّاً وخضوعاً أيضاً ، ويجدُ فيها خلاصه ونجاته وربما استقراره وسعادته ؟ ولماذا يسعى الإنسان إلى ابتكارِ أشياء ضخمة ومهولة ، أكبرُ منه بكثير ، بحيث يبقى بعد ذلك يَخافها ويَهابها ، مستسلماً لها ، وواقعاً تحت سطوتها وهيمنتها ، لا يملكُ سبيلاً في التمرّد عليها وتجاوزها ، أو حتى معارضتها أو نقدها أو تغييرها .

وكيف يحدثُ أن يجد الإنسان في قيوده التي اخترعها وابتكرها واستساغها بعد ذلك ، أن يجد فيها موطنه وخلاصه ومبرراته وقناعاته ، على الرغم من إنها تعتقلهُ لديها وتُكبّله وتُقعِدهُ عن الانطلاق والتوثّب والتحرر . وأليست الأفكار قيوداً والفلسفات قيوداً والأديان والمذاهب والانتماءات كلها أغلالاً ؟ حينما يعجزُ الإنسان عن مقارعتها أو نقدها أو عقلنتها أو أنسنتِها أو تجاوزها أو تغييرها أو الخروج منها وعليها تالياً ..

وأليست رغبةُ الإنسان في اختراع فكرةٍ ما أو طريقةٍ ما أو منهج ما ، دليلٌ على قدرتهِ في ايجاد بديلٍ له كان محروماً منه ، أو كان يبحثُ عنه دائماً فابتكرهُ استجابةً لحاجاته واشتراطاته ومبرراته . فكيفَ يحدثُ أن يعجز عن أن يخرجَ من بديله ذاك إلى بديل آخر ربما يكونُ أكثر انفتاحاً وتحرراً وانطلاقاً . أليسَ في كل ذلك شيءٌ من الغرابة في أن يستجيب الإنسان لرغبةٍ ما مبتكراً من خلالها بديله الحر وقد يُبدعُ فيه ، ولكنه في الوقت نفسه قد يقع لاحقاً تحت هيمنة واستحواذ واستبداد بديله هذا !؟ أليست البدائل تأتي دائماً استجابةً لرغبات الإنسان في التغيير والتطوير والتجديد والتحرر والانطلاق ، فلماذا تصبحُ البدائل هيَ الأخرى قيوداً للإنسان ، ويصبحُ البديل هو الآخر قيْد الإنسان ذاته ، قيْده الذي يمنعه من التغيير ومن التحرر منه ومن تجاوزه إلى بديل آخر ..

فهل تملكُ الأفكار والفلسفات والنظريات سلطةً على الإنسان بحيث تأسرهُ وترهنهُ لديها مقيّداً ، مستسلماً ، وعاجزاً ربما ، في حين أنهُ هو الذي ابتكرها واخترعها وأوجدها . فكيف يحدثُ أن يكون الإنسان قيْد اختراعه وابتكاره وابداعه وأفكاره . يستعذبُ قيده إلى درجةِ تقديسه والاستماتة دونه ، وتنزيهه من الاشكالات والهنّات والقصور ، والانكفاء عليه خوفاً من النقد والسؤال والتشكيك .

في وقتٍ بعيد من حياتي ، كنتُ أتلقّى الأفكار من هنا وهناك ، فكانت تحبُسني في أعماقها ، وكانت تبتلِعُني شيئاً فشيئاً ، وتَصوغني كيفما تريد ، وتسيرُ بي وتقودني وأنا أعمى العقل والتفكير والذات . لم أكن أستوعب حينذاك أن الأفكار تلك ، هيَ في الأصل من اختراع الإنسان ، وقد أتى بها تلبيةً لمبرراته واحتياجاته وظروفه وامكانياته وميوله ونظرته إلى الحياة . فكنتُ أراها وكأنها تنزلُ علينا من عالمٍ بعيد لا نملكُ السيطرة عليه ، ولا نستطيع تفسيره ، ولا يحقُّ لنا فهمه أو تفكيكه ، فكانتْ تأسرنا في قداستها ومهابتها وضخامتها ، وفي استعراضاتها النصيّة والمنبرية والتراثية والشعاراتية . وكلّما استرجعُ تلك الفترة البعيدة من حياتي ، أقول لا غرابة في أن الأفكار والمعتقدات والنظريات تلتهمُ الإنسان وتبتلعهُ ، وتصبحُ فيما بعد قيود ذاته . لا يستطيع الخروج منها وعليها ، ويُعايشها كما لو إنها ذاته التي أوجدتها وصاغتها كما تريد وتشتهي ، يستعذِبُ قيودهُ ويبررها ويدافع عنها بشراسة الواثق المطمئِن .

ولكن بعد مرحلةٍ لاحقة من حياتي استطعتُ في لحظةٍ حاسمة أن أنزع عن الأفكار والمعتقدات التي كانت تُسربلني بقداستها الواهمة وبمهابتها وضخامتها المزيّفة ، أنزعُ عنها القداسة والمهابة والضخامة . فبانتْ لي على هزالتها وضحالتها وجمودها الساكن في أطرافها وفي أعماقها ، وتكشّفتْ لي حقيقة قيودي ومدى تخبّطي في أغلالي تلك . فاستطعتُ أن أتعافى من قيود ذاتي في أن أرى الحياة باتساعاتها اللامحدودة وبألوانها المختلفة والمتعدّدة ، وبعوالمها الكثيرة والخصبة والصاخبة ، وبآفاقها الممتدّدة الشاسعة ، وبِمعرفيّاتها الهائلة والمتشعّبة وغير المحدّدة . وأصبحتُ أرى الأفكار والفلسفات والمعتقدات جزءاً من تحوّلات الإنسان وتطوراته ونظراته ومبرراته وميوله . قد يأتي بها منقذاً لأوضاعه وظروفهِ وتبدّلاتهِ ، وقد يأتي بها انسجاماً وتصالحاً مع قناعاتهِ وتفكيرهِ ومعرفياته ، وقد يأتي بها تماثلاً مع توجّهاتهِ واحتياجاتهِ وتطلعاته ، وقد يأتي بها تلبيةً لنزعتهِ في السيطرة والنفوذ والتسلّط ، وقد يأتي بها مُصلحاً وهادياً ومُبشّراً ، وقد يأتي بها صارخاً وهاتفاً وقارعاً ومُستبشِعاً ، وقد يأتي بها هروباً أخيراً من واقعهِ ومن حالاته النفسيّة والشعورية ، وقد يأتي بها قيوداً يُضيفها على قيوده السابقة ..

ولكن أن تتعافى من قيودكَ ، وتتحرّر من سجون الأفكار والعقائد والمعتقدات والنظريات ، لا يعني ذلك أنكَ لن تقعَ في قيودكَ ثانيةً ، ولا يعني أنكَ لن تجدَ في أفكارٍ أخرى قيْدُكَ الذي كنتَ تهربُ منه . فعند كلِّ منعطفٍ ومنحنى وتحوّل ثمة قيْدٍ يتربصُ بك ، يستدرجكَ إلى أعماقهِ وتخندقاتهِ وتحيّزاتهِ ومنغلقاتهِ ، ويضعُكَ تحت هيمنتهِ ونفوذهِ وسلطتهِ ، وتشعرُ حينها بالضآلة والضمور أمامه وفي مواجهتهِ . ولذلك فالأمر يتطلّبُ منكَ دائماً أن تكونَ أكبر من قيْدُك ، ندّاً لأفكاركَ وفاحصاً لها بين الحين والآخر ، وناقداً لتحولاتكَ ، وشاخصاً ومحدّقاً في قناعاتكَ ، ومتمرّداً على اطمئنانك ويقينكَ .

ليسَ الأمر أن تُبدعَ في الأفكار والفلسفات والنظريات ، إنما الأمر الأهم وربما الأجدى لكَ دائماً أن تُبدعَ في حرية التمرّد عليها ، ومقارعتها بالنقد والتقليب والبحث والتجديد . أن لا تُسجنكَ في قوقعتها وفي مغاليقها وفي طرقها المسدودة . أن تجدَ لكَ دائماً طريقاً للعودة ، وطريقاً يفتحُ أمامكَ أبواباً جديدة ومُبتكرة . وأن تنتابكَ دائماً نزعة التمرّد عليها وقدرة التحرر منها عندما تستدرجكَ إلى متاهاتها ودروبها الخلفية وقيودها وتقيّداتها . وربما عليكَ أن تكونَ كافراً جداً بكل الأفكار والنظريات والمعتقدات والفلسفات ، لكي لا تسلبكَ حريتك وأنت تجترحها ، ولكي لا تُفقدكَ خياركَ الحر وأنت في رفقتها ، ولكي لا ترهنكَ لديها مقيّداً في ذاتكَ وأنتَ تتلقّاها من هنا وهناك ، ولكي لا تُلقي بكَ في مهالكها وأنتَ تنتقلُ بها من ضفةٍ إلى أخرى .

الأفكار والفلسفات والنظريات صناعة الإنسان المُبدع والمُلهم والمتوثّب والشاخص والناقد والساخط والصارخ أيضاً . صناعته التي لا يتوقّف عن الإبداع فيها ، ولا يتوقفُ عن تبديلها وتغييرها أو تجاوزها أو حتى ردمها والمضي بعيداً عنها ، متى ما كانت دائماً تحت سيطرتهِ وفي مرمى تمرّده وتحديقه ونقده وانشغالاته التفكيرية الحرة . حينها لن تستطيع أن توهِمهُ بمهابتها وقداستها وضخامتها ، ولن تتحوّل إلى قيودهِ وسجونه ، ولن تسحقهُ بفروضاتها وأثقالها واشتراطاتها . إنه الإنسان الذي يجترحُ الأفكار ، حين يستطيع أن يصنع منها طريقاً حراً مفتوحاً لا تحشرهُ في زوايا معتمة ، ولا تتخنّدقُ به في نهاياتٍ مسدودة ، ولا تعتقلهُ في قيودٍ خانقة ، ولا تُلبِسهُ أسمالها البالية . إنه يَعبُرها حراً وناقداً ومالكاً تفكيره ونقده وإبداعه وخياره ، يعبرها كافراً بها ، ومُبدعاً في تحطيمها أيضاً ، مُتخفّفاً من اشتراطاتها وتبعاتها ومنقولاتها . وحينما يجترحُ هذا الإنسان الأفكار والفلسفات والنظريات ، يجترحها لأنه يرى فيها حريتهُ وانطلاقهُ وتمرّده وانسيابيته ، ولذلك لا يُمكنُ لها أن تكونَ سجنه ، ولا يُمكِنُها أن تسجنهُ أو ترهنه أو تكبّله بقيودها وأغلالها التي تمنعهُ من الخروج منها وعليها . إنه يعشقُ الأفكار ويخترعها ، لأنه يريدها أن تكون حريتهُ وليست سجنه ، ولذلك لا يتكوّمُ في أفكارٍ أو معرفيات أو نظريات ذات أفق واحد وأوْحد ، أو ذات نسقٍ واتجاه وطريق واحدٍ ومحدود ومحدَّد ، بل يجدُ ذاته في الأفكار اللامحدودة ، وفي المعرفيّات غير المحدَّدة ، المُشرعة على الحرية والإنسانية والكونيّة والرحابة والتنوّع والخصوبة والانسيابيّة ، يجدُ فيها حريتهُ التي تُفعمهُ حريةً أكبر ، وانطلاقه الذي يمنحهُ انطلاقاً أرحب ، وتمرّدهُ الخلاّق الذي يزيدهُ تحديقاً وإبداعاً وتنوّراً ..