ظاهرة السيسي وخيال المآتة في المشهد المصري

محمد طلعت
2014 / 3 / 3

حالة من عدم التبصر في ظل غياب الضمير مع انتشار سبوبة الوطنية التي هبطت على قلوب جوقة المنافقين في كل زمان، وفي كل مكان، ومع كل سلطة، ورأس نظام جديد.. ربما بتلك العبارة تلخص الموقف المصري المتأزم تحت مظلة الهلع لحد الهوس بشخصنة الهم المصري كله وحصاره في "المنقذ" المسمي بـ" السيسي".!

منذ بداية تأسيس الجيش المصري الحديث الذي بناه محمد على، وهو يرتكز على بنية القوة التي تفرض نفسها حين يعم الفساد في البر المصري ضمانا لبقاء وتوسع إمبراطوريته، وأول تصادم لهذه القوة مع "فساد القصر" الخديوي توفيق. تم التنكيل بهذه القوة وتفتيتها. وسقط الجيش المصري بيد عصبة من المنحلين، وتم ترويج ثمة أفكار بأنه جيش خائن وتم البطش بكل قادته وجنوده المصريين واستبعادهم بصورة أفسدت الحلم الجميل عن باشاوات الجيش من المصريين الذين صنعهم محمد علي؛ ليحل مكانهم جوقة من الأحبة المواليين للقصر.. ومن حينها تم نفور الشعب من الجيش. بمعنى أنه كان يهرب المصريون من التجنيد في الجيش المصري بسبب ما يسمعون عنه من سوء المعاملة والقسوة إلى آخر تلك المفردات التى تُكره أبناء الشعب في الجيش.. وكان هذا مفتاح التفرقة بين الشعب وجيشه. وضمن المحتل الداخلي والخارجي عدم التفاف المصريين حول الجيش المصري لفترات طويلة حتى في وقت ثورة 19 لم يكن هناك دور يذكر للجيش المصري، وكأن الحرب الطاحنة في شوارع القاهرة لا علاقة له بها. خاض المدنيون ثورتهم بشجاعة ولم يحتاجوا لسند الجيش الممزق حينها لتوليه خائن أو عميل. فضلا عن إنهاك الجيش المصري في عهد الخديوية في حروب المكسيك والحروب الإفريقية تحت الراية الفرنسية مجاملة من خديو مصر لجميلات أوربا وطاعة لملوكها.
وبعيدا عن السرد التاريخي لهذه الظاهرة"النفور من الجيش المصري الرسمي" التى تأصلت مع بعض الجماعات المتأسلمة التى قوَّت هذا المفهوم بشكل ما حين خلقت لها كيانا (مواز لـ"الجيش المصري الرسمي") عسكريا من المرتزقة باسم الله، وكان على رأس هذه الجماعات في ذلك الوقت المبكر"جماعة الإخوان"، وعلى الرغم من ذلك أيضا فقد حاولت هذه الجماعات اختراق الجيش الرسمي بتشكيلاتها العسكرية الموازية أو تجنيد بعض من في الجيش لاعتناق أفكارهم وتنفيذ مخطاطاتهم، ولعل مجموعة الزمر في الجيش المصري واغتيال السادات خير دليل، لكن على أية حال باءت هذه المحاولات بالفشل. وهنا وقفة أخرى بالرغم التصفية والمصالحة غير الواقعية بين عهد مبارك والجامعات المتأسلمة إلا أنه ظل الصراع بين هذه الجامعات والجيش المصري دفينا مع بث بذور الكراهية من تحت المائدة للجيش المصري وتصوير رجاله على أنهم مجموعة من المرتزقة بلا ملة ولا دين، ناهيك عن الفساد والسيطرة، لذا ظهر شعار" يسقط حكم العسكر".

وعلى الرغم من "يسقط حكم العسكر" والمناخ العام الذي ساد في مصر من كراهية للعسكر(لاحظ هنا تبديل كلمة الجيش بالعسكر.!". وهو نفس الشعار أو بمعنى أصح نفس اللغة التى أطلقوها في عهد عبد الناصر بحكاية ضرورة "عودة الجيش لثكانته"، ومن الملاحظ أيضا أن الشعارين أو المطلبين صادف هوى عند النخبة الليبرية والمدنية في عصر ناصر حينها والعصر الحالى أيضا. أما الطريف في الأمر فهذه الكراهية لم تعد إلا شكلا باهتا لم يكن عميقا، والتجربة الناصرية التى جعلت من المصريين يلتفون حول الجيش ويطالبون ببقاء رئيس الجمهورية العسكري المهزوم( النكسة). هذا من الناحية النفسية العامة لحالة شعب محبط لم يجد الخلاص إلا في يد جيشه والبقاء عليه للعبور.. وإشارة أخرى لذكاء الحقبة الناصرية إنها مهدت لهذا الحب في إظهار الجيش ورجاله في ثوب اجتماعي براق، يحسد عليه، فعلى سبيل المثال كان أبناء العاملين في الجيش يحصلون على خمسة بالمئة إضافية على درجاتهم فى الشهادات التعليمية المختلفة، كما رسم عبد الناصر (ومن بعده السادات ومبارك) صورة للجيش المصري كوجاهة اجتماعية ونخبة وباشوات جدد وحكام المستقبل، مما فتح الشكل المثالي أو النموذج الوظيفي المضمون في هذا البلد، فمن يندرج تحت لوائه فله عدة مناصب في آخرها مديرا أو محافظا أو وزيرا أو رئيسا.!

بمعنى أدق بات الأمر محصورا دائما في الجيش ورجاله هم الأفضل. هم الأكفء. الأصلح. هم يستيقظون مبكرا في الساعة الخامسة صباحا.. مع الترويج، والاقتناع التام لدى الناس في بلادنا أن البلد تحتاج للرجل عسكري يديرها وقت أن فشلت النخبة وفشلت الأحزاب والخونة الإخوان، وغيرهم. ومن هنا بزغ نجم "السيسي"، والتفاف الناس حوله في تلك الأزمة، وإرهاب الجماعات المتأسلمة فضلا عن النكسة الثورية. أمر طبيعي يجعل الناس يلتفون حول الجيش مرة أخرى . الناس الذين هتفوا بالأمس بيسقط حكم العسكر. الآن يتغنون بـ"تسلم الأيادي يا جيش بلادي" ولاحظ أيضا تغير العسكر بالجيش.!

لا شك إذن أن ظهور "السيسي" ظاهرة احتماعية مرضية "تجييشية"، وجب دراسة دوافع تشكلها وترسيخها بهذا الشكل عند المصريين، كيف نال كل هذا الاستحسان والحشد الذي يروج له الإعلام المؤيد وعلى النقيض الأخر كيف نالت هذه الشخصية كم الشتائم والبغض والنعت بأبشع الصفات من قبل الإعلام المعارض له. فهذه الحالة المتطرفة بين النقيضين تعكس حالة مرض عفن أصاب الجسد المصري. هذا العفن الكسول يتكرر مرة أخرى بنفس الآلية والتلقائية دون إبداع. فقد ألَّهنا وطن الحقبة الناصرية، وبنفس الوقت قد شيطنَّا وطن الناصرية كله.. وهذا ما سوف يحدث مع السيسي الذي لم يعد بعد رئيسا للبلاد.

وهنا ظهر المنقذ. مع ظهور المنقذ أو البطل الشعبي الذى لا يعدو في تقديرنا إلا "خيال مآته" بالمعني الإيجابي، الذي يرفعه الفلاح الكسول في حقله ليهش الغربان التى تأكل قمحه..! وحال الشعب المصري ونخبته بحال الفلاح الكسول، الذي لا يريد الا "خيال مآتة" يدافع عنه، فإن نجح أبقى عليه وإن أخفق فلا بأس أن يضيف عليه بعد التعديلات(الصلاحيات.!) طربوش زيادة.. صفيحة أو زمارة زاعقة أكثر، لا بأس. أما حين تكثر عليه الغربان حين لا يهش ولا ينش(خيال المآتة) فهنا يغضب الفلاح البليد وعلى الفور يقوم بإسقاط (خيال المآتة).

تبقى الأزمة في الإشكالية العويصة بين الشعب وبين رئيسه ما بين موظف التكية وبين ابن الباشا المدلل الذي ورث التكية عن أبيه.. ليتحول الأمر في نهايته الى خيال مآته وموظفين، ما بين كسالى وفهلوية ومطنشين.. والثلاثة نماذج أشر ما في الدولة، أي دولة، إذ تمكن فيها هذا سقطت أخلاقها وبيع ضميرها.. وصفق فيها الناس لأى خيال مآتة جديد وهتف فيها الناس باسم ابن الباشا الجديد..!

السيسي. ابن الباشا الجديد، ربما سيكون صورة نمطية لتكرار هذه المأساة المصرية.... إن استمرت نظرتنا للوطن وللبلد ..لمصر بأنها تكية.. وإذا استمر الموظفون كسالى وفهلوية ومطنشين. الصورة لن تتغير طالما يسيطر علينا حفنة من الحمقي والأنطاع والقواد والداعارات، بائعي الهوا الثوري في الفضائيات، وعلى المصاطب المصرية.

وما حالة السيسي إلا حالة من حالات العفن المصري الطافح على الجلد الشعبي بنخبته.. بقواده، وبإعلامه بعياله وصبيانه وراقصاته وجواسيسه، بنفس اللعبة ونفس حقبة تجارة الأعراض وتكميم الأفواه باسم الوطنية والشرف الوطني وسمعة البلد واستقرارها.. نعم.. إذن لا بأس أن يخرج علينا من جديد ".. الشريف" يجند الفنانات وبنات مصر في الدعارة الوطنية لخدمة سرير الوطن...

إنه الانحطاط الذي يقابله العفن. وهذه الثنائية هى ورطتنا الاجتماعية الحالية المغلفة بنكهة السياسة. وتلك الورطة التى يتاجر بها كل صاحب هدف منحط مع صاحب سلطة عفن في هذا المجتمع، ولا فرق بين الاثنين سوى الصورة المشهدية فقط، الأول يطبل والثاني يساعده على التطبيل بالرمز أو بالصمت. والاثنان أيضا ينتجان لنا قطيعا من الطفيليات على سطح المجتمع من المشاهير أو من يجتهدون ليكونوا مشاهير أو من طواشي الإعلام، وهم ما أصفهم بـ"تجار الشنطة السياسية"، وواقع الأمر يقول إن هؤلاء ليس لديهم هدف محدد إنما ثمة تلون داعر، والقحبة المتلونة هى التى يزداد سعرها أكثر. ومن هنا تأتي علة المشهد السياسي المصري الفج، وهو أن السادة من المتقافزين على سطح الحالة المصرية لا يربطهم رابط موحد عكس ما يبدو من ترابط، فقط الكل يعمل لحاله ولحسابه وتسريح وتسخير صبيانهم. لكن وعلى عكس هذا التشابك والعلاقة الشاذة بين ما هو منحط ومتعفن إلا أن هناك ثمة أصوات توحي بالأمل وهم قلة، وعلى رغم صوتهم الضعيف المهان الذي دائما يتم إسكاته بسلسلة القيود الوطنية المزعومة.. لكنه هو الأمل في أن لا يصح إلا الصحيح، ولن يصل إلا من كان على صواب.. نعم المعركة طويلة، لكن المجد لمن قال لا، على تبصر وعلى يقين راسخ بقولة لا، في وجه الفساد والتعفن والانحطاط وخيالات المآتة، التى عصفت بقمحنا واقتسمته مع الغربان..!

الوطن ليس الله.. الوطن حالة حياة على الأرض ننقدها ونعريها حتى يصح ويستقيم لنا وبنا ومعنا، فلتسقط جميع الآلهة إلا الله الواحد الأحد، ومصره العزيزة الجميلة....