حوار العيون الحلقات الاربع

الرفيق طه
2014 / 3 / 2

حوار العيون

دخل الوكالة التجارية ، ادار وجهه يمينا ثم يسارا ، حرك بذلته و لملمها . بذلة متناغمة مع وسامة وجهه و قامته الكاملة .
كان المكان هادىًا جدا ، لا يمزق صمته الا صوت الهواتف النقالة و اشارة اللوحة المنظمة للزبناء.
اتجه احمد نحو الة موزعة الارقام . سحب رقمه و ادار وجهه نحو كراسي الانتظار . تصادفت عينه نحو منقبة تسحب محفظتها من الكرسي المجاور و عينيها تقول من تحت الثوب هذا كرسي فارغ لك .
من شدة حياىًه اكمل دورته على الجالسين ليجد مكانا فارغا بجانب شيخ طاعن في السن . قبل الجلوس سلم على الشيخ الذي دعا له بالربح و الرضى ، قال امين و جلس .
جلب ورقة الترقيم من جيبه و تاكد من رقمه و نظر للوحة الاليكترونية و اعاد الورقة لجيبه .جلب هاتفه النقال . لم يكن يقصد اظهار نوعه الفاخر ، و لكنه فقط يشعر بحرج وسط اناس لا يعرفهم، لذلك يبحث عن اي شيء يشغل به نفسه .
رن الهاتف و وضعه على اذنه اليمنى ليجيب بثبات و بصوت خافت ، رفع عينيه دون هدف لتسقط على المنقبة . لم ير منها غير عينيها وسط كومة من الثوب الاسود الداكن . انفتحت عينيها بين الثوب طويلا ثم اغلقت و فتحت مع حركة تشير لابتسامة واضحة .
يتكلم احمد لمخاطبه في الهاتف دون ان يسمع احد ماذا يقول ، بل هو نفسه لا يعرف ماذا يقول . بقدر ما يشعر باهمية المكالمة في هذه اللحظة ، يشعر بصعوبة الاستمرار فيها خاصة ان المخاطب على الهاتف لم يالف التمتمة في اجوبة احمد .
لم يعد احمد يشعر لا بسعة المكان و لا بمن فيه و لا بمن يكلمه على الهاتف ، لكنه وجد نفسه في بحر ليس له حدود غير اهذاب عيون المنقبة . فقد كل الاحاسيس بذاته كاملة . يشعر بذاته و كانها كرة تتقاذفها امواج البحرالعاتية .
انقطعت المكالمة ، و اعاد احمد الهاتف لجيبه ، يشعر بحرارة في اذنه اليمنى و بعرق ينزل من اعلى ظهره الى وركه ، و عيناه منحنيتان للاسفل . لحظة و انتابته رغبة في اعادة اكتشاف ما عاشه و شعر به اثناء المكالمة .
رفع عينيه بحذر شديد نحو المنقبة من الاسفل نحو الاعلى ، الثوب المتدلي و الفضفاض لم يسمح لعينيه بالرسو على شيء ما ، الا حركة اليدين المخفيتين و هي تقلب اشياءا بمحفظتها . و كان السيدة تقصد التنكر للحوار الذي دار بين عينيهما . لكن احمد اصر ان يبقي نظره على المنقبة حتى يعرف ما حقيقة الامر . اطالت السيدة البحث في محفظتها و اشياء داخل ثوبها دون ان تهتم بمن حولها .
رنت اللوحة الاليكترونية و نهضت المنقبة من الكرسي . سرقت نظرة من عيني احمد و هي تتجه نحو الشباك . تابع هو خطواتها دون احتسابها الى ان توقفت امام الشباك .
ركز نظره عليها من خلف دون ان يعرف عنها شيىًا سوى قامتها و شكل وقوفها الذي يظهر انها شابة في العشرينات من عمرها . الثوب الاسود يخفي كل شيء سوى كتفيها ، و رغم ذلك بقي احمد يلقي نظره عليها الى ان رنت اللوحة معلنة رقما اخر و مشيرة لنفس الشباك . استدارت السيدة و اتجهت لكرسيها ترتب اوراقا و اشياء اخرى داخل محفظتها دون اي اهتمام بالحضور .
بعد لحظة وقفت و رمت نظرتها لاحمد و اتجهت نحو باب الوكالة . تابعها احمد بعينيه الى ان خرجت و غابت عن نظره . في هذه اللحظة لمسه الشيخ بركبته و قال له اعطني رقمك و خذ هذا .
مد احمد الورقة للشيخ و اخذ منه الاخرى دون ان يعرف السبب لان وقار الشيخ لم يسمح له بالتفكير او التردد .
قال الشيخ و يده على ركبة احمد ،و بصوت جد منخفض لا يسمعه الا احمد، انا لا ينتظرني شيء غير صلاة الظهر و موعدها بعيد ، اما انت فان السيدة المنقبة ستتاخر عنها خارجا .
ابتسم احمد بحرج و حشمة ، و نهض نحو الشباك .(...). جمع اوراقه و بطاقته و عاد للشيخ شاكرا على الجميل بهدوء تام ،.
اتجه الى خارج الوكالة . بلهفة غير متناهية و كانه يبحث عن شيء مفقود، ينتظر روًية اللون الاسود .
المنقبة تقف قرب الساحب الاليكتروني .ابتسمت بعينيها و من تحت ثوب حركات وجهها تشير لابتسامة الوجه . اتجه احمد نحوها بخطوات متسارعة و هي تقترب منه بثقل . سحبت ورقة بيضاء بين سواد الثوب و امدتها له و اتجهت نحو سيارتها الفاخرة المتوقفة بالقرب .
يراقب احمد خطواتها الى ان تحركت السيارة و اشارت له بقبلة بيد على الفم .
فتح الورقة التي كتب عليها : " لن اضيع وقتك اكثر و هذا رقم هاتفي الشخصي و عنواني ..............."
قبل الورقة ووضعها في الجيب الايسر لقميصه و هجر المكان .
طه 13/01/2014
حوار العيون الحلقة الثانية


وهو يرتب اوراقه الشخصية من اجل الذهاب للسفارة للحصول على فيزا ، يسقط نظره على ورقة كتب عليها " حتى لا اضيع الكثير من وقتك هذا هاتفي و عنواني ...." . بلهفة شديدة تلقف الورقة و اعاد قراءتها ، قبلها بشفتيه و وضعها على صدره . توجه بنظره لخارج الغرفة عبر نوافذها المطلة على البحر . عيناه على المحيط الاطلسي و هو يعيد شريط اللحظات التي عاشها في الوكالة التجارية و التي لم يتبقى منها اي شيء ملموس سوى هذه الورقة ، الوثيقة ،. اعاد الشريط لحظة بلحظة ، قلبه يخفق ، يشعر بالفرح و الخوف و بالرغبة و الحرج .
جلب هاتفه من جيب قميصه و ركب الرقم المكتوب على الورقة ، لمس الاشارة الخضراء و سرعان ما قطع الخط بلمسه للاشارة الحمراء . تكرر ربط الاتصال و قطعه لمرات عديدة . يتردد في اجراء المكالمة و التراجع عنها .
تغلبت عنده الرغبة في اكتشاف ما بعد المكالمة ، و ترك الخط يتواصل ، لم يقطعه هذه المرة ، قلبه يخفق و يشعر به يصل الى حلقومه ، يسمع حركات تنفسه . تركيزه و جوارحه كلها توحدت عند اذنه اليمنى التي يضع عليها سماعة هاتفه . و كانها لحظة الحسم في الصراط ، ينتظر من سيجيب على الهاتف ، ماذا سيكون رده ، ماذا لو كان رجلا على الخط او الرقم خاطىءا .... كل الاحتمالات استحضرها احمد في اقل من ثانية .
رنات قليلة و سمع الخط يفتح ، فقد الاحساس بذاته كاملة الا باذنه اليمنى التي اصبحت وحدها تربطه بالعالم . العالم في هذه اللحيظات يختزل لديه في ما سياتي من السماعة .
كلمة " الو " مزقت الصمت من حوله . صوت انثوي رخيم ، رقته و طريقة نطق حروف الكلمة الثلاث جعلت صاحبنا كمن صب عليع كوب ماء من فوق فجاة . اجاب بلا تردد و لا تفكير " الو "
قالت :
- بمن تشرفت ؟
، اجابته بهدوء و ارتياح .
قال :
- حصلت منك على هذا الرقم بالوكالة التجارية .
-نعم نعم (، قاطعته )،
-تاخرت كثيرا ، انتظرت مكالمتك ، لا باس بعد شهرين تذكرتني و اعدت الربط .
قال:
- لا لا ، فقط هي ظروف لم تسمح لي ، (اجابها متلعثما و مترددا) .
- المهم كيف حالك الان
اجاب :
- جيد جدا ،، و انت
في احسن الاحوال و اتصالك هذا زاد الخير فضلا .
بدا احمد يعيد لياقته و بدات بحة صوته و تلعثم كلماته تخف من الحرج .
اين انت الان ؟؟
- في غرفتي بالبيت
جيد ، هل بامكانك ان نلتق غدا ؟؟
قال :
نعم ، و بفرح ،
قالت :
- على الساعة الثالثة بعد الزوال بفندق النجوم العالية .(ارقى الفنادق في هذه المدين الراقية ) .
اجاب :
- اتفقنا .
تبادل الاثنين التحية و الوداع و انقطع الصوت من الهاتف و وضع احمد الجهاز على الطاوولة و اتكاً مسترخيا .... يفكر في ما دار بينه و بين السيدة المنقبة عبر الهاتف . .
طه يوم 17/01/2014 على الساعة 23:58

حوار العيون. الحلقة الثالثة


بعد ليلة انشغلت فيها مخيلة احمد بشكل فاق قدراتها ، بسبب فاىًض الافكار المتضاربة و المتشابهة التي تجول في خاطره ، بقي احمد يتعرض لصفعات سوًال لم يجد له جوابا ، " اتفقت مع السيدة على المكان و الزمان ، و لكن كيف اسال عنها و عن اسمها ؟؟؟ " ليس له جواب . و لكن احمد مصر على الحضور في الزمان و المكان مهما يكن الامر .
في الصباح ، خزانة الملابس مفتوحة ، يختار له بذلة مناسبة للقاء ، يدقق في مراقبتها بتاًني ، رن هاتفه ، اشارة الرساىًل القصيرة .
فتح الرسالة بسرعة دون ادنى تردد ، مكتوب عليها بالفرنسية " موعدكم على الساعة الثالثة بعد الزوال بفندق النجوم العليا تم ترتيبه بمصلحة الاستقبال ، مع الشكر و التقدير " .
اعاد قراءة الرسالة مرات ، ليستنتج في النهاية ان المطلوب منه فقط هو الحضور الى مصلحة الاستقبالات و سيتضح له الباقي فيما بعد .
عاد لتنظيم خزانته و اختيار عطره المخصص للمناسبات الثمينة ، و يفكر في ما يمكن ان يقع بعد دخوله الفندق . اسىًلة كثيرة تتقاذفه ، لكن احدها استوقفه كثيرا : " هل المنقبة تشتغل في استقبالات الفندق ، و ذلك الوقت هو موعد نهاية خدمتها في اليوم ؟؟ ام ان التي توجد بالاستقبالات هي احدى صديقاتها ؟؟ الاسىًلة تتقاطر عليه من هنا و هناك و لا يجد لها جوابا مقنعا و دون ان يهتم بعددها .
طالت مدة انتظاره و هو يراقب الساعة ، عقاربها لا تسير كما اعتادها ، لحظة لحظة يقارن بين اشارة الساعة الحاىًطية و على شاشة هاتفه . لا يجد اختلافا . يفتح التلفزيون للاطلاع على الاخبار ، تنتهي النشرات و يرحل الى قنوات الافلام لعله يجد شريطا يغرق في احداثه لنسيان بعد الزمان .
تتوالى احداث الشريط على التلفزيون و لكن احمد لا يضبط منها الا لقطات ليصنع له شريطا خاصا يراه دون فتح عيونه . يستيقظ من سباته و يتابع التلفزيون لكن الاحداث التي تمر بدماغه اقوى ، تستولي عليه مخيلته و احلامه ، يطاًطاً كتفيه مرة مرة ، لاحساسه بتعب الاتكاء و الجلوس . كل ذلك ،لم ينفع لدفع عقارب الساعة تسرع .
بعد ساعات عصيبة ، اقتربت العقارب من الثانية و النصف زوالا . نزل لحديقة الفيلا ، وجد سيارته مجهزة كما طلبها . وضع حقيبته في صندوق السيارة . فتح له الحارس الباب و خرج يمزق الهواء على الطريق بسيارته الفخمة . خمس دقاىًق تفصله عن الثالثة زوالا ، و هو قرب الفندق ، بحث عن مكان لرسو سيارته وسط ازدحام المدينة ، اشار له حارس السيارات ان مكانا يخصصه لاناس لا يبخلون عنه عطاءا ، ادخل السيارة فيه .
دخل من الباب الرىًيسي للفندق ، لم يشر له الحراس بشيء ، رغم ان باب هذا الفندق تتم فيه الحراسة بشدة و لا تسامح ، ربما هياًته و وسامة وجهه و مظهره لم يخالجهم شك في انه من علياء القوم .
اتجه مباشرة الى الاستقبالات ، ثلاث شابات بلباس موحد يوًثثن المكان ، امامهن شاشات و لوحات حاسوب ،
و هو يقترب منهن يتساءل عمن هي منهن المنقبة التي يقصد ، و اذا لم تكن ، من هي صديقتها التي تكتم سرها . من سيسال منهن ؟ و ماذا سيقول لها ؟.
وقف في الوسط ، اقترب منه احد رجال امن الفندق دون ان يكلمه ، سالته احدى الشابات مبتسمة بعد الترحيب المعتاد منهن ، " بماذا اخدمك سيدي ؟ "
جلب هاتفه من جيبه و اشار لها الى رسالة نصية توصل بها من الفندق . لم يكمل كلامه حتى وقفت الشابة من كرسيها و كانها تعلن حالة استنفار ، تقول لرجل الامن المقترب من احمد ، ابحث عن سعيد و طاقمه .
لم تكن الا نصف ثانية حضر فيها شاب و بجانبه شابتان بلباس موحد في اللون و الاشارات و يختلف في الشكل ، لباس الرجل بالسروال في حين ان الشابتان ترتديان تنورتين .
قالت الشابة لسعيد رافق السيد لقاعة الامراء رقم واحد . قال سعيد لاحمد تفضل سيدي ، سعيد امام احمد و الشابتان خلفه من اليمين و اليسار على شكل Y مقلوبة .
مرالثلاثة برفقة احمد ببهو الفندق ، الصمت يعم المكان الا من بعض المارة من السواح و رجال الاعمال الذين يتبادلون احاديث لا يسمعونها الا بعضهم البعض و بلغات مختلفة . عند كل مدخل من بهو الى اخر تجد رجلين بلباس تقليدي مختلف عن الاخر ، شبيه بلباس مناطق مختلفة من المغرب . الرجال الذين يلبسون البذلات التقليدية لا يتحركون و لا يبتسمون ، يقفون في نفس المكان كالاصنام .
بعد برهة، وقف سعيد و من خلفه احمد ثم الشابتان ، امام بوابة مزخرفة بالنقش التقليدي على نحاس اصفر تخاله ذهبا ،
بالبوابة شابتين متقاربتين في القامة و الشبه ، و بذلة موحدة و مختلفة عن بذلات الشابات التي راهن احمد من قبل . على راسيهن بزات كالتي ترتديها بعض الفرق العسكرية ، شعورهن على مقصوصة على الكتف . اشار لهما سعيد بفتح البوابة ،
دفعت كل واحدة منهما دفة من الباب ، احداهن يمينا و الاخرى يسارا ، و وجههما لجهة احمد مستقبلة اياه بابتسامة مشرقة تضيق معها عيناهما التي يتلالوً منهما السواد وسط بياض ناصع ، و خدود محمرة بين الشعور السوداء .
بقيت الفتاتان على نفس الوضع ، دخل احمد البوابة و امامه سعيد و الشابتان التي ترافقان سعيد تقدمتا قليلا .
قاعة يزيد اتساعها عن الماىًتين مترا ، مفروشة بشكل واحد من الزربية التقليدية المغربية ، لون صباغتها فاتح ، خصوصا مع الانارة التي تتركها اشعة الشمس التي تنفلت بين الستاىًر . اما السقف ، فالنقوش على الخشب و الجبص و النحاس تشعر الناظر بعالم كليوباترا .
اشار سعيد لاحمد باخذ مكانه على طاوولة زجاجية ، انواع من الاسماك الحية تزينها بحركاتها و تموجاتها العبثية . احدى الفتاتين جلبت الكرسي خلفا ، ابعدته عن الطاوولة للسماح لاحمد بالجلوس . اما الفتاة الاخرى فقد وقفت امامه باليدين الى الخلف تبتسم .
انسحب سعيد من المكان ثم تبعته مرافقتاه ، اغلقت الشابتان باب القاعة مرة اخرى و بنفس الطريقة وجههما الى احمد الى ان التقت الدفتان . كل واحدة من الشاباتان اتجهت لجهة من القاعة تحرك الستاىًر دون ان يفهم احمد ما تصنع .
القاعة عبارة عن مجموعة من الصالونات التي تختلف في الحجم و الشكل . الاريكة بالجلد البني و اخرى بالوبر الخالص و الاخرى يراها هناك و كانها بجلد التماسيح . و هناك طاوولة اجتماعات تتسع لاثنى عشر فردا .
الستاىًر على كل الواجهات ،لان القاعة لها شكل نصف داىًري مطل على مسبح و نافورة تلوح بماىًها الى ما فوق ما يراه احمد من مكانه على الكرسي . حديقة تحيط بالمسبح و النافورة اشجارها من انواع شديدة الخضرة و بعضها عليه زهور .
خرجت الفتاتان من القاعة و تركت احمد لمصير لم يعد يعيره اهتماما . وسط هذا الصمت الذي الذي يسود المكان ، لولا زقازق طيور لا يرى لها افخاخا و رقرقة الماء المنساب من النافورة بين الفينة و الاخرى . يسمع صوت شلال لم تسعهروٍيته من مكان جلوسه .
نسي احمد انه على موعد مع شخص لا يعرف عن ملامحه شيىًا سوى انه امراة شابة في اغلب الظن .لم يشعر بطول الانتظار كما تعود مع اناس يتاخرون عن ماعيده بدقاىًق ، و هو الشاب الذي يضبط مواعيده و يحتفظ عليها و يرفض ان ينتظر .
انفتح باب القاعة بنفس الطريقة ، دفة و فتاة الى اليمين و دفة و فتاة اخرى الى اليسار ، تدخل شابتين بياض وجوهيهما ناصع ، احداهن لون شعرها اشقر و الاخرى اسود ، تشع الابتسامة من عيونهما . الرقة و النقاء صفة تزين الوجه و اليدين و اللباس .
احداهن تحمل صينية مذهبة ، و الاخرى اخذت من الصينية كتابا وضعته امام احمد . اخرجت من محفظتها الة الكترونية و قلما الكترونيا لتسجيل طلبياته .
دون ان يفتح احمد الكتاب قال لها طلبه و سجلته و انسحبت الشابتان بهدوء . ليقفل الباب بنفس الطريقة من خلفهما . لم تكن سوى لحظات و يدخل شاب متوسط القامة ابيض اللون حليق الوجه و الى جانبه شابة لا تقل جمالا عن سابقاتها . وضعا الشابان طلبيات احمد على طاوولته مع كلمات لطيفة منهما و انسحبا من المكان .
سبعة دقاىًق كاملة بعد الثالثة زوالا ، لم تكن طلبيات احمد غريبة عليه في هذا المكان لانه الفها حتى في دول خارج المغرب . لكن الجديد هو الكوًوس و الاواني و غيرها . انها من الانواع الفاخرة .
وضع احمد سكارة واحدة في قهوته و اخذ يحرك بملعقته . فتح الباب مرة اخرى ،
يدخل القاعة خمسة رجال و امراة واحدة . اربعة شبان حليقوا الوجه بازياء مختلفة ، و رجل اربعيني بلحية كبيرة محكمة التصفيف سوداء اللون ، له كتفين عريضين و قامة متوسطة ، يرتدي جلبابا من نوع ثمين بلون اسود و يظهر قميص ابيض من تحتها ، ساقيه لا تحجبهما الا جواربه . و المراة هنقبة و على عينيها نظارات سوداء . انها السيدة التي ينتظر احمد .
دخل الستة تتقدمهم السيدة ، نزعت قفاز يدها اليمنى بيدها اليسرى و صافحت احمد ، و تلاها الرجل الملتحي و تبعهما الشبان الاربعة .
انسحب الشبان الاربعة بعد مصافحتهم لاحمد و التعبير له عن ترحيبهم به ، و جلست السيدة المنقبة تقابل احمد على الطاوولة بينما بقي الرجل الملتحي واقفا .
طه 20/01/2014 على الساعة 23:30


حوار العيون. الحلقة الرابعة



اعلن هاتف السيد الاربعيني اذان صلاة العصر ، طلب الاستىًذان من السيدة للذهاب للمسجد . و بينما وقفت تحدثه بصوت غير مسموع ، كان حديثهما عبارة عن اوامر من السيدة للرجل ، هذا يظهر من حركاتهما ، كان اعوان الفندق يهيوًون ماىًدة هناك داخل القاعة .
استاًذن الرجل الاربعيني من احمد و خرج . دعت السيدة ضيفها للماىًدة التي تم تهييوًها . رافق احمد مضيفته الى ان اشارت له على مكان جلوسه ، شكرها و اخذ مكانه على الماىًدة ، جلست الى جانبه . كانت القاعة قد خلت من الكل الا احمد و السيدة المنقبة .
على الماىًدة كل ما يمكن ان تشتهيه الانفس من اطعمة خفيفة و سلطات و مشروبات مختلفة الشكل و الالوان . تتوسط كل ذلك قارورة الشامبانيا . بداً الحديث بين احمد و السيدة محتشما كشخصين لم يسبق لهما ان تعارفا من قبل . لكن المثير ان السيدة هي المبادرة .احمد في حالة ارتباك ، بينما يشعر بالاحترام و التقدير الذي لاقاه من مضيفته و كل اعوان الفندق ، و انبهاره بالمكان و حسن المعاملة ، يزعجه جهله لكل هوًلاء الذين يحيطون بالسيدة و ماذا وراء هذا كله . رغم ذلك حافظ على هدوءه المعهود و تظاهر بتعامل عادي مع كل ما يجري .
نزعت السيدة الخمار عن وجهها ، و ابتسمت . كانت ابتسامة عريضة و بصوت انثوي رخيم حتى ظهرت اغلب اسنانها . قالت لاحمد اراك غير مرتاح .
اجاب : لا لا. بالعكس . نظر اليها بحذر شديد تشوبه الحشمة الزاىًدة .
الوجه الذي اخفاه الخمار كان ملاىًكيا . بياض ثلجي و كاًن الشمس لم تراه من قبل ، يتكسر بحمرة الخدين . سواد الحاجبين واهذاب العينين ترصع الوجه. زرقة العينين تجعل الناظر فيها يغرق في نهر هادىء . اما الاسنان ليست الا جواهر بيضاء بين شفتين منتفختين بعض الشيء و حمرتهما طبيعية و كانها سطرت بريشة فنان .
نظر احمد في وجه السيدة و اعاد النظر دون ان يدري لماذا . يتساءل في دواخله لمن تشبه السيدة .
بادرت السيدة مرة اخرى بالكلام ، اقدم لك نفسي . اسمي حسناء ، انا الرىًيسة المديرة العامة للفندق .
امتلك نسبة ثلاثة و سبعون من الماىًة من اسهم هذه الشركة . و اعتبر نفسك في بيتك .
قال احمد تشرفت بمعرفتك سيدتي . هذا التوضيح من السيدة خفف عنه عبىًا ثقيلا كان يحمله ، لكن ملامح السيدة تثير فضوله و شغفه . يقلب في ذاكرته عمن تشبه السيدة التي امامه . هل هي امراًة يعرفها ام شبيهتها ام ان حسناء احدى السيدات المشهورات في السنيما او التلفزيون .
قدم نفسه لها . احمد ، رجل اعمال و لدي مهام ادارية في شركات دولية مهمة .
اجابته حسناء و الفرح يسطع منها ، انا سعيدة بك و بمعرفتك يا احمد
اجابها بارك الله فيك يا حسناء
فتحت قارورة الشامبانيا و ساًلته ان كان يشرب ، اجابها طبعا .
صبت في كاسين نسبة الثلث من كل كاس . وضعت القارورة و وقفت تنزع عنها البرقع . عادت لمكانها . كان البرقع اللعين يخفي تحته احدى حسناوات العالم . سيدة كاملة متكاملة .
الابتسامة و طريقة الاكل و الكلام و حركات اليدين تنضاف للبذلة التي ترتديها تظهر ان حسناء امراة راقية .
جلست بتنورتها السوداء و قالت : "الله كم ان الحرية مريحة" .
ابتسم احمد و قهقه قليلا و قال لها و من فرض عليك السجن الثوب . قالت انه سجن حقيقي ، و قصته طويلة .
كلما طال الحديث بينهما كلما اقترب احمد من تحديد ملامح حسناء و لمن تشبه .
عادت به الذاكرة الى ايام الدراسة بالاعدادي ، و احدى التلميذات التي كانت تدرس معه في نفس القسم . كانت طفلة مدللة .
لم يقدر على التريث و ربما القليل من الشامبانيا شجعه على السوًال . هل كانت لك اخت تدرس في اعدادية دار السلام في الثمانينيات . اجابته : ليست لي اخت و لا اخ ، انا وحيدة والدي ، لكني انا درست بهذه الاعدادية .
قال احمد انت حسناء بنت فلان ؟؟ ( اشارة الى اسمها العاىًلي ) . قالت نعم انا .
كانت طفلة مدللة . جد جميلة . ملابسها مميزة في القسم و المدرسة . تجلس في الطاوولة الامامية و من خلفها احمد . كانت التلميذة الوحيدة التي لا يجلس بجانبها احد . كانوا يقولون عنها انها ابنة الوزير . بقيت فريدة في الطاوولة الى ان التحقت بالقسم بنت احد كبار الموظفين الذي عاد من الخارج بعد انتهاء مهمته .
كانت هذه الموًسسة خاصة بابناء كبار موظفي الدولة و ذوي الاسماء الشريفة ، يتم انتقاوًهم من كل المدارس للالتحاق بهذه الاعدادية . اعدادية لها نظام خاص .
كانت التلميذة حسناء محروسة اشد الحراسة من طرف المدرسين و موظفي الادارة و حراس الاعدادية .لا تفارقها مراقبتهم حتى يتسلمها ساىًق السيارة . هذا الذي ترافقه شابة تجلس مع حسناء في الكراسي الخلفية للسيارة و تحمل لها محفظتهاو مظلتها .
كان كل التلاميذ يلاحظون هذا و يراقبونه دون ان يعيروه اي اهتمام . و كانت حسناء التلميذة النظيفة المهذبة ، قليلة الكلام جميلة الوجه و اللباس ، رشيقة بريىًة الملامح ، زرقاء العينين و شعرها يميل الى البني . لا تلعب مع اقرانها في الساحة ، بل كانت لها لعبة اليكترونية يحتفظ لها بها المدرس حتى وقت الاستراحة لتسلمها له فيما بعد . كان الصمت و الهدوء من شيمها .
لم تكتمل السنة الرابعة اعدادي حتى غابت حسناء عن القسم و المدرسة . قيل انذاك انها ذهبت الى امريكا مع ابيها الذي عين في مهمة ما .
رغم ان احمد يشعر بالاثارة و الاعجاب بالانيسة الجميلة حسناء ، الا ان الحراسة المشددة عليها لم تسمح له بالتواصل معها و لو بشيء . و رغم ذلك احتفظت ذاكرته بالوان ملابسها الجميلة و بتسريحة شعرها المميزة و جمال وجهها اللامع و باقلامها الخاصة و حتى دفاترها كانت من نوعية مختلفة . و الاجمل هو براءتها .
قالت حسناء تذكرت حين كنت تجلس في الطاوولة خلف طاوولتي . اتذكرك تنزع مقابض شعري من خلفي و اشعر بذلك دون ان تثير احساسي بذلك . و كنت تعيد لي المقبض في اليوم الموالي تضعه في مكانه حتى و ان كان غير منسجم مع تسريحتي و لباسي . كان ذلك يثير تساوًلات امي ، لكنها لم تكن ترضى ان تسال عن اشياء بسيطة . ضحك احمد و هو يتذكر مشاكسته .
رغم انه كان من ابناء العاىًلات المعروفة في المدينة و رغم انه من المحظوظين الذين يدرسون بهذه الاعدادية . الا انه كان داىًما يميل الى المشاكسة ، بل كان يرفض ان يرافقه الساىًق الى باب القسم او الى ان يسلمه للحارس العام . كان يشعر بضيق شديد و يشفق على حسناء من الوضع الذي تعيش فيه .
تبادل الاثنان الذكريات التي مازالت محفورة في ذاكرتهما بتلك الاعدادية .
لم يعد احمد يشعر بالوحشة في القاعة الفسيحة . اخبرته حسناء انها تحتفظ له بتذكار قد يكون نساه . سلسلة من الفضة يتوسطها قلبان ملتصقان كتب على اليساري احمد و اليميني حسناء .
ابتسم احمد و اثار ذلك اعجابه و شعر بلهفة لروًية التذكار . اعاد شريط احداثه . فقد اشتراه من مدينة اسطياف في الجنوب اثناء العطلة الصيفية ، و لما كان من الصعب عليه محادثة ابنة الوزير فقد وضعه لها على الطاوولة . اختطفته حسناء و احتفظت به لمدة سبعة عشر سنة .
سافرت حسناء الى الولايات المتحدة الامريكية صحبة والدها الذي عين هناك في مهمة دبلوماسية بواشنطن. هناك اكملت دراستها الثانوية و الجامعية . و بقيت تحتفظ بالتذكار دون ان يكون لها امل في ملاقاة صاحبه .
تابعت دراستها العليا بامتياز . قدمت رسالة الدكتراه في تسيير المقاولات . حصلت على الدكتوراه من احدى جامعات نيويورك بميزة ممتاز ، بل كانت في المقدمة و بمعدل لم يسبق تحقيقه في تلك الجامعة .
طوال تلك المدة و حسناء فريدة ، لم ترتبط باي شخص . كانت تعاشر الرجال و النساء في حدود علاقة الدراسة و فقط . طلاب هذه الجامعة من الامراء و ابناء ملوك و كبار رجال المال و الاعمال في العالم . كانت حسناء تحظى بحب و احترام الجميع . طالبة لا تظهر عليها اية علامات الانتماء للشرق عامة و المغرب خاصة . تعيش كالامريكيات ، خاصة انها تتقن اللغة النجليزية وتثقن الموضة بشكلها غير المثير . كانت من طالبات عصرها في المجتمع الامريكي .
في اليوم الذي ستقدم فيه رسالة الدكتوراه لاحظت ان ذلك لن يتم في حرم الجامعة ، و لكن باحد الفنادق الفخمة بنيويورك . لم تعر الامر اهتماما . اعتقدت ان هذا اختيار ادارة الجامعة فقط . لم تكن تنتظر رحابة المكان و لا ما تم تقديمه للحضور من مشروبات و حلويات مغربية ، خاصة ضيوفها المدعووين . و الحفاوة الخاصة التي تلقاها والديها وسط الحضور بتمييز مكان جلوسهما .
و بعد ان اعلن الفريق المشرف على الرسالة نجاح حسناء و حصولها على اًعلى ميزة في تاريخ هذه الجامعة المميزة دوليا ، تفاجاًت حسناء باعلان غريب ، مفاده ان الذي تحمل تكاليف القاعة و الاستقبال بهذه الفندق المشهور هو احد زملاءها في الجامعة .
تقدم الزميل للمنصة و قدم نفسه بعد تحية حسناء و الفريق المشرف و خاطب حسناء امام الملا . من هنا اتقدم للدكتورة حسناء طالبا يدها للزواج .
لم يكن للدكتورة حسناء وقتا للتردد، و اعلنت قبولها . صفق الجميع و كان الحفل حفلان . حفل الدكتوراه و حفل خطوبة .
تزوجت حسناء براشد . انه احد امراء المشرق . كان يعاملها في الجامعة معاملة خاصة ، و لكنها لم يخطر في بالها الزواج منه . بعد سبعة اشهر من الزواج ظهرت علي راشد اعراض مرض لم يمهله سوى اربعة شهور ليوارى الثرى . ثمرة هذا الزواج ابنا يسمى اسعد .
رن هاتف حسناء و هي تحكي لاحمد بلهفة متناهية ، و تذرف دموعا تجففها بليونة ، تستعيد شريطا من ايامها و الرشاقة لا تفارق وجهها الجميل . انه الرجل الاربعيني الذي عاد من مشواره و يخبرها انه رهن اشارتها . امرته بالانتظار بعض الوقت .
وضعت يدها على ركبة احمد و امعنت في النظر اليه و قالت " سنلتقي في موعد اخر لاحكي لك اصعب ايامي يا عزيزي " .
الرفيق طه 21/02/2014.......23:35