زواج الصغيرة بين الشريعة و القانون

احمد الكناني
2014 / 2 / 20

لا اخفي سرا اذا ما قلت ان جل ما نعانيه من تناقضات تلف ما حولنا و تزيد ليلنا حلكة تلك التصورات الدينية الساذجة الصادرة من الذين تبوأوا الدار والايمان عن غير حق، و اعدوا لانفسهم مقاعد مكنتهم من اطلاق العنان لتلك التصورات من ان تأخذ طريقها الى اذهان الناس كمسلَمات لا يشوبها الشك ، و كفكرة معصومة عن الخطأ يجب الاذعان اليها وان خالفت العقل و الوجدان ، و لطالما كنت مستمعا لا ينطق بشفه عندما يتجاذب المتدينون اطراف الحديث في المجالس التي تجمعني بمن احب ثم اقول رباه !! لماذا يفكر المقدسون بهذه الطريقة الغبية و قد خلت القرون على فلاطون و تلامذته و قد افنوا حياتهم لاحياء دور العقل و المنطق ، فأي منطق هذا يرجح فعل من الافعال ينتمي الى المائة السادسة للميلاد وفي بيئة كالجزيرة العربية بكل ظروفها و مكوناتها على المنجز الانساني بكل ما يحمله من رقي وعلى شكل معاهدات ملزمة تضمن حقوق النساء و الاطفال من ان يساء اليهما بحجج الالتزام بالدين والاقتداء بأفعال السلف ، وكأن الارض عندهم قد توقفت عن الدوران و توقفت معها عجلة الزمن و لا شئ بين ايدينا سوى النصوص الدينية و لابد من التعبد بها كما هي هي ، و كنت احدث نفسي ان لو ترك الامر لهؤلاء و من دون رادع يصدهم لوجدت سوقا تباع به الجواري و الغلمان يضاهي الويست فيلد بالجودة و الاسعار .
لقد جمعني مجلسا مع بعض المتفقهين لمناقشة قضية ذاك الشاب المسلم و زواجه من الفتاة الصغيرة و التي لا زال ملفها يتنقل في اروقة القضاء الاسترالي باعتبارها قضية تمس النسيج الاجتماعي الاسترالي و ليست منحصرة باشخاص اطراف القضية المدانين ، و ناقشنا ظروف القضية كاملة حيث يمكن رؤيتها من عدة زوايا وسلطنا الضوء على الاهم منها على امل الضغط بالاتجاه الذي يمكن من خلاله معالجة جذور القضية ولو من الناحية النظرية وهي مسألة التوافق بين الشريعة و القانون ... الذي حدث ان الجو العام اتجه نحو تصويب ما قام به رجل الدين العاقد ،اذ انه لم يرتكب خطأ يذكر وقد ادى ما تمليه عليه نصوص الشريعة الواضحة في تحديد سن الزواج للبنت ، وعلى هذا جرت سنة السلف الصالح حتى نقل عنهم القول " من سعادة المرء ان لا تطمث ابنته في بيته " و الطمث هو الحيض .و لا ينبغي له فعل غير الذي فعل ، و لكن ... كان الاولى الابتعاد في مثل هذه العقود عن الدوائر القانونية كما هو الحاصل في الكثير من الحالات المشابهة بين الجالية المسلمة وحينئذ لا تقع مثل هذه القضايا تحت طائلة المسائلة القانونية و لا تكون مادة اعلامية دسمة يلوكها من يستهويهم الرقص على انغام الاكلاسيكية الدينية .
هناك نوعان من العقود يتم اجراؤها بين ابناء الجالية ،لعقد المدني الذي يقوم به المجاز القانوني و هنا لا محاذير شرعية تذكر اذ يطبق القانون فحسب ،والنوع الشرعي الذي يقوم به رجل الدين ولا بد فيه من مراعات ضوابط الشريعة و ليس منها اتمام 18 عاما للبنت والولد على حد سواء كما ينص عليه القانون، و هنا يقع العاقد بين محذورين اذا واجه قضية العقد على الصغيرة بين رفض مثل هذا العقد فيقع في المحذور الشرعي و بين قبوله فيقع في المحذور القانوني .
على ان زواج الصغيرة دائما ما يثير لغطا في الدول الاسلامية بين منظمات المجتمع المدني و المشرعين القانونيين و دائما ما تكون الكفة مائلة باتجاه الطرف المشرع ، وببساطة لانها صراع في متاهات الكفر والايمان ، و بالمراجعة لتاريخ دساتير بعض الدول الاسلامية التي تشهد حراكا من هذا القبيل وجدت الدستور الايراني الاكثرتغييرا في نص هذه المادة ، و وصل الحد الاعلى للسن في عام 1974 الى 18 سنة للبنت و 20 للولد،الا انه تردى الى الحد الادنى ووصل الى 9 سنوات للبنت و 15 للولد وذلك في العام 1982 . الا ان العمر الحالي للزواج قد تغير مرة اخرى في العام 2002 و ثبت للبنت بسن 13 و للولد بقي على حاله وهو 15 ، مع خلو المادة هذه المرة من المنع و العقوبة القانونية فيما اذا حصل دون السن المحددة لكن جعلوه منوط باذن الولي، و رعايت مصلحة الطفل، و تشخيص القضاء .
لكن الواقع المعاش في ايران وهو المهم في الموضوع يشهد ارجحية كفة العقلانيين على المتشرعين ،ومن خلال الاحصاءات ثبت ان سن الزواج للمراة هو 23 عاما و للرجال 26 ، حيث يمكن الوصول الى مرحلة مبشرة تتغلب فيها الحالة العقلية البشرية على نصوص الدين المنظور فيها ظروف الزمان والمكان ولم تعد صالحة لزماننا ، و في حال اصرار المقدسين يصار الى العمل على نشر التوعية الى الاضرار اللاحقة جراء تطبيق قوانين لم يلحظ فيها ظروف مجتمعاتنا اليوم .
و بالنهاية لا يمكن الدخول في صراع مع نصوص الدين لعدم التكافؤ في مثل هذه الصراعات، لكن يمكن تغيير قناعات الناس من خلال اشاعة ثقافة سليمة عن الزواج تتجاوز ثقافة الدين التي يشكل الزواج نصفها ، وهو الحل الامثل للتوافق بين الشريعة و القانون .