عودة باسم يوسف

نبيل بكاني
2014 / 2 / 20

أذاعت قناة دويتشه فيله الألمانية يوم السبت أولى حلقات البرنامج السياسي الساخر "البرنامج"، الذي يقدمه الإعلامي الساخر، الدكتور باسم يوسف، خلال موسمه الجديد بعد توقف مثير للجدل، حيث نقل البرنامج مباشرةعلى قناة أم بي سي مصر يوم الجمعة.

و بالطبع، فعودة برنامج أثار كما هائلا من الجدل و أفيض في التعليق عليه الكثير من المداد و الكبسات الالكترونية، كبرنامج "البرنامج"، و بعد حلقة قوية و موضوع حساس و بأسلوب تناول جريء، كهذه الحلقة، التي قفز فيها مقدمه، كما عودنا، كل"الخطوط الحمر" - الوهمية- لن تمر دون أن تخلف الكثير من الردود.

البرنامج الذي ظهر مع الثورة المصرية، مَثل إحدى بوادر الربيع العربي الأولى للتحرر من قيود التحكم و التسلط الرسمي. هذا الربيع الذي خرج من رحم المعاناة اليومية للمواطن العربي، و كان شعاره الأبرز و مطلبه الرئيسي، هو الحرية، في كل الثورات و الاحتجاجات العارمة على امتداد الوطن العربي، و التي عرفت مشاركة رئيسية، و بشكل أبرز، النخب الممثلة للطبقة الوسطى، الطلبة و السياسيون و الموظفون و نشطاء الحريات، و هم الذين عانوا لعقود من التضييق و من ممارسات التحكم و الرقابة الرسمية، و كان مدها وجوديا، مطالبا بالحرية و العدالة، أكثر من سعيه إلى تحسين ظروف العيش المادية. هذا البرنامج وجه نقدا سياسيا بأسلوب ساخر لم تتعود عليه الهامة العربية الحاكمة أو أصاحب السلطة السياسية، بعد عقود من الانطواء و الانغلاق الذاتي، و قمع للحريات و في مقدمتها حرية التعبير التي تعتبر أساس الديمقراطية و أهم عامل في بناء مجتمع الشفافية و النزاهة و الدولة الرشيدة، في ظل مجتمع تعود منذ مدة طويلة على نمط واحد من النقد الساخر يتناول مواضيع اجتماعية محضة و أحيانا يقارع قشورا سياسية دون أن يُسمح له مناقشة حيثياتها أو تعدي تلك الخطوط المرسومة سلفا، و التي لا ندري اليد التي خطتها و لا حتى الفلسفة التي اعتمدتها أو المشروعية التي أجازت لها تشريع قيودها العرفية تلك، التي كانت أحد أهم أسباب الجهل و التجهيل التي طبعت المجتمع العربي فيما يخص معرفته بحقوقه.

عدم تقبل السياسي العربي عموما، و المصري خصوصا، الماسك بالسلطة، لهذا النوع من النقد الساخر الذي يكشف حقائق مرتبطة ارتباطا وثيقا بممارسته اليومية للسياسة – هذا السياسي الذي يستفيد من الظهور الإعلامي على التلفزيون الرسمي، و هو ما لا تحضا به كل الأطراف السياسية سواء قي مصر أو باقي المنطقة- مرده إلى ثقافة نمطية كرسها نظام الاستبداد و حكوماته طوال عهد استحواذه على السلطة، و هذا الوضع غير الطبيعي هو ما أدى إلى نشوء فكر و ثقافة مغايرتين للسائد، سلوك فكري متمرد، رافض لكل ما هو نمطي و مناهض لكل المسلمات السياسية و الاجتماعية، في محاولة لكسر الجمود و افتعال التغيير عبر توجيه النقد الوجيه و كسر الطابوهات السلطوية، استعانة بتكنولوجيا الاتصال و التواصل و ثورة المعلوماتية، التي ساهمت في اندلاع ثورات الربيع العربي و نجاحها النسبي. باسم يوسف هو الآخر، واحد من شباب ميدان التحرير المنتمي لمرحلة الثورة، فكريا و سلوكيا -و الثورة فكر مثلما هي صراع طبقي من أجل تغيير عميق- و الذي اختار يوم 25 ينار 2011 ميدان التحرير و ما للاسم من حمولة رمزية، مكانا لإطلاق أولى شرارات التغيير، يمثل اليوم طموح جيل ما بعد الثورة، بثقافة معيشية يومية تغيرت جذريا و هي تساهم كل يوم في تغير واقع معيشي بكل حمولته الاجتماعية و الثقافية و التقاليدية.

باسم يوسف الذي كان يشتغل طبيبا جراحا للقلب، كما كُتب عنه، طلب منه أستاذه الدكتور طارق حلمي الانضمام إلى المستشفى الميداني بساحة التحرير للمساهمة في تقديم العلاجات للمتظاهرين المصابين خلال فترة الثورة، ليلعب في فترات موازية مهمة إعلامي يقدم إلى جانب واجبه المهني و الإنساني في إسعاف المصابين، دورا تأثيريا، بعد أن عثر بين أنقاد التظليل الإعلامي الرسمي و القمع اليومي و أكاذيب النظام و تخوينه لرموز الثورة، على فكرة عفوية بسيطة في الحجم، لكنها هزمت في الصلب ضعف إعلام الديكتاتور، فاختار لتنفيذ فكرته تلك، أمام الإمكانات البسيطة، ركنا في شقته الزوجية استوديو لتصوير حلقات من "باسم شو" الذي سيحقق نسبا جد متقدمة من المشاهدة، ليصبح بعيد حلقاته الأولى برنامجا جديرا بالمتابعة؛ عفوي، جريء، مميز، متفاعل مع الأحداث، موضوعي و عميق ثم ساخر؛ أيقونات مجتمعة تحققت بها و منها الشهرة، و الأهم من كل ذلك، و كما صنفها خبير السياسة الأميركي، جيل شارب، ضمن واحدة من أهم أشكال المقاومة المدنية /كتاب "من الديكتاتورية إلى الديمقراطية" المحور 35.

أكيد، أن أهم ما قام به الدكتور باسم، أنه وضع السياسي الحاكم و الإعلامي الرسمي، أمام مقارنات كشفت تباين مواقفهما التي كثيرا ما وصلت إلى حد النفاق و الرياء، و هذا كاف ليؤنب عليه أطرافا كثيرة رأت فيه ذلك الإعلامي الشعبي، المثقف، البسيط، العفوي، الذي يتفاعل تلقائيا مع جمهوره بأسلوب راق إلى درجة قد لا يستوعبها من ظل لعقود يكتب بغير أصابعه، و ينطق بغير لسانه، ذلك الإعلامي المستقل الذي يمارس مهنته بما تمليه عليه مبادئه و قناعاته المستقلة، و هذه أيضا، كانت كافية لتصنفه ضمن خندق ما يسمى مجازا، الطابور الخامس.