جدلية الدين و المجتمع ... استراليا مثالا

احمد الكناني
2014 / 2 / 13

ثمة قضايا جدلية يعيش على نقائضها الشباب المسلم في استراليا لابد من الوقوف عندها مليا ومناقشتها بتأن و روية لانها شديدة الخطورة و الحساسية ، وذلك لالفات نظر ذوي الشأن من مؤسسات دينية و ائمة مساجد و اعلاميين للقيام بخطوات اكثر جدية من اجل الحفاظ على تناغم الخلفيات الثقافية في المجتمع الاسترالي والعمل على جعل استراليا اكثر تسامحا و النأي بها عن التطرف الديني و المذهبي ، و في الوقت ذاته الحفاظ على شبابنا من الانجرار وراء مفردات ظاهرها الرحمة و باطنها العذاب .
تلك الجدليات جمة يجمعها اشكالية التوافق ما بين اوامر الدين و متطلبات النظم الديمقراطية التي تعطي الحق في ممارسة الطقوس الدينية بشرط عدم التعارض مع تلك النظم ، و الواقع ان التعارض حاصل لا محالة نتيجة انتماء مفردات الدين الى منظومة مختلفة و متعارضة مع منظومة قوانين الدولة الحديثة ، و لا يمكن التوافق بينهما الا اذا حصل التزاوج الاجباري بين كلتا المنظومتين كما هو الحاصل في الانظمة الشرقية التي تعتمد على الدين كاساس لتشريع القوانين و الرجوع اليه في حال التعارض ، و هذا ما ابدينا تحفظنا عليه في اكثر من مناسبة اذ لا سنخية بين المنظومتين اطلاقا ، و كل منهما ينتمي الى فصيلة متباينة عن الاخرى وبطبيعة الحال ان الناتج من هذا التلاقح سيولد هجينا لا ينتمي الى اي منهما .
فهنالك اشكاليات ترجع الى التفاوت الحاصل في التشريعات المنظمة للاحوال الشخصية بين القوانين المدنية و الشريعة الاسلامية كتحديد سن الزواج او الاكتفاء بزوجة واحدة و ما الى ذلك ، فالقانون الاسترالي لا يرحم المعتدي على حق الاطفال في التمتع بطفولتهم او الاساءة اليهم ما داموا دون السن 18 ، و عليه فالسن القانونى للزواج هو 18 سنة مالم يصدر امر قضائى يسمح بزواج من هم بين 16 الى 18 سنة ، اما التشريعات الاسلامية فانها تجيز العقد على الصغيرة بالاجمال مع تفريعات طويلة عريضة تفصل بين العقد و الدخول و لا تحددها بسن معينة و انما تجعل البلوغ هو شرط الدخول بها مع استأذانها بوجود الاب او الولي على تفاصيل مبثوثة في كتب الفقهاء ، مما يعرض الشباب المسلم الى المسائلة القانونية اذا ما تمسكوا بالشريعة كمرجع لهم في تنظيم حالاتهم الشخصية .
ما حدث في الايام القليلة الماضية في غرب سدني يشكل واحدة من تلك الاشكاليات ، حيث تحدثت التقارير الواردة من الشرطة الاسترالية و نقلتها وكالات الانباء و الصحافة المحلية و نشرت التقرير مفصلا صحيفة " ذه استرالين " في اخر تحديث لها في السابع من شباط من العام الجاري 14 عن رجل من الجالية اللبنانية في 26 من العمر يحمل تأشيرة الدراسة في استراليا و يدرس علوم الكومبيوتر في جامعة نيو كاسل ، تزوج من فتاة ذات 12 ربيعا ضمن طقوس اسلامية ثم انتقل بها الى بيت الزوجية في جنوب غرب سدني ، و الصدفة المحضة هي التي قادت الشرطة الى الكشف عن الحادثة بعد مراجعة الزوج الى دائرة الاعانة الاجتماعية " سنترلنك " للسؤال عن كيفية حصول الزوجة على الاعانة ، حيث اودع الزوج السجن على ان يقدم للمحكمة لاحقا ، كما طال الاعتقال والد البنت الاسترالي المعتنق للدين الاسلامي و كذلك رجل الدين الذي اجرى عقد الزواج وهو من خلفية باكستانية ، بينها نقلت الزوجة الى مركز للرعاية.
ثم ان هذه القضية ليست الوحيدة و انما هي واسعة الانتشار في ولاية نيو ساوث ويلز التي يقطنها عدد كبير من المسلمين كما نقلت الصحيفة عن وزيرة الخدمات الاجتماعية في الولاية التي اكدت احترامها للاديان لكن لا يوجد هناك قانون يعلو فوق القانون الاسترالي .
الا ان الاشكالية الاكثر خطورة و التي تمس الامن القومي الاسترالي، تلك الشعارات الدينية التي يتردد صداها في اماكن العبادة من قبل الدعاة و التي تهدد مستقبل الشباب المسلم ،وهي دعوات النصرة للمسلمين في مواقع النزاعات في الدول الاسلامية ،والهدف منها الزج بهؤلاء الشباب في نزاعات و حروب مقدسة الظاهر لكنها تستبطن الشر كله و التي تتناقض مع طبيعة المجتمع الاسترالي المسالمة ، تلك المفارقة اودت بحياة العديد من شبابنا و ضياع الامل في العدد الاخر من العودة الى استراليا ، وستتكرر مأساة الافغان العرب من قبل عندما تحول اؤلائك الجهاديين الى نواة و خلايا للتنظيمات الارهابية بعد نهاية الحرب السوفياتية الافغانية . و هذه دعوة جادة الى ائمة الجمعة و الجماعة لاعادة النظر في الخطاب الديني و الاعتدال في طرحه و التأكيد على الانتماء للوطن الذي نتفيئ ظلاله ،و التقيد بقوانينه كمرجعية عليا في حال الاصطدام مع المتبنياة الدينية ، حقا ان التوجه الديني المشوب بالتعصب و المتبنى من قبل الشباب المسلم في استراليا يدعو الى القلق ...