بعد فشل الرهانات الخارجية هل من فرصة للمصالحة الوطنية

محسن ابو رمضان
2014 / 2 / 3

بعد فشل الرهانات الخارجية
هل من فرصة للمصالحة الوطنية


لم تنجح بالساحة الفلسطينية محاولات الحزبين الكبيرين فتح وحماس بالرهان على المتغير الخارجي حيث أن استمرارية الرهان من قبل الرئيس محمود عباس على خيار المفاوضات والرعاية الامريكية لها لم تثمر إلا عن اللهاث وراء سراب بالوقت الذي تستغل اسرائيل المفاوضات كغطاء لتكريس الاستيطان ونظام الفصل العنصري ، فالرهان على المفاوضات والرعاية الأمريكية لها أدى إلى تكريس سلطة اعتمادية مالياً وسياسياً واقتصادياً .
كما ان رهان حركة حماس على صعود حركة الإخوان المسلمين للسلطة في مصر وما رافقه من نهوض لتيارات الاسلام السياسي بالعديد من البلدان العربية إلى جانب الاعتقاد بديمومة الدعم القطري والتركي ، لم يحقق نتائج عملية ملموسة حيث ان احداث 30/ نوفمبر/2013 ادت إلى إجراء تغيرات دراماتيكية جذرية في خريطة التحالفات العربية الأمر الذي ادى إلى التأثير بصورة كبيرة على حماس في غزة مما بات يهدد بتكريس عزلتها وعزلة قطاع غزة عن المشهد السياسي في اطار العمل على اعادة ترسيخ الحالة الانسانية للقطاع ليس إلا .
إن الرهان على المتغيرات الخارجية سواء ً الاقليمية أو الدولية كعنصر وحيد ومقرر بالمعادلة الذاتية الفلسطينية على حساب مكونات العمل الوطني الداخلي الفلسطيني أدى إلى تعميق الانقسام والانكشاف والتبعية وبدد مقومات الهوية الوطنية الفلسطينية الواحدة وأبرز الهوية الذاتية والفئوية الفصائلية على حساب الهوية الجامعة .
كان يفترض الاستنتاج من فشل تجربة المفاوضات من جهة والرهان على صعود تيارات الاسلام السياسي من جهة ثانية العمل على تقليص التنافس بين" فتح وحماس " على طريق انهاء حالة الانقسام والانتقال إلى مربع المصالحة والوحدة والتلاحم عبر اعادة بناء الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة وذلك من خلال المؤسسة الوطنية الموحدة والمجسدة ب م.ت.ف وعبر ادماج كافة مكونات العمل الوطني والاسلامي ببنيتها على قاعدة الاتفاق على برنامج سياسي يشكل قاعدة لاستمرارية مسيرة الكفاح الوطني في مواجهة الاحتلال من خلال استخدام وسائل الكفاح الانجع القادرة على تحقيق الهدف الوطني .
بدلاً من الاستنتاج المرجو نجد استمرارية الرهان على المتغيرات الخارجية من جديد وخاصة في ظل استمرارية القيادة الفلسطينية بوضع البيض كله في سلة وزير الخارجية الامريكي كيري الذي لم تفرز جولاته العشرة حتى الآن على أكثر من اتفاق اطار سيؤدي إلى إعادة تجديد وشرعنة الاحتلال وتقويض مكونات القضية الوطنية وخاصة القدس واللاجئين والحدود إلى جانب محاولة الحاق الهزيمة التاريخية بشعبنا عبر الإصرار على الاعتراف بمبدأ يهودية " دولة اسرائيل " الأمر الذي سيؤدي إلى التنكر للرواية الفلسطينية والعربية للصراع وتعريض فلسطيني عام 48 إلى مخاطر التهجير والترانسفير الجماعي.
وبالوقت الذي ما زالت القيادة الفلسطينية تراهن على المفاوضات والعامل الامريكي فإن هناك اوساط فلسطينية وعربية تراهن على محاولة فرض مزيد من العزلة على حركة حماس، الامر الذي قد يؤدي إلى تعميق حالة الاحتقان الداخلي والتوتر، عبر محاولة استنساخ بعض التجارب العربية التي ادت بها ظروف الفقر والبطالة وسوء المعيشة إلى الحراك الشعبي الواسع ضد النظام السائد ، هذا بالوقت الذي ما زالت بعض اوساط من تيار الاسلام السياسي تراهن على استمرارية حالة عدم الاستقرار التي قد يتولد منها احتمالية ولو بسيطة لاستعادة الحكم لصالح حركة الاخوان المسلمين سواءً في مصر أو غيرها من البلدان العربية .
إنني أعتقد ان الظروف الفلسطينية تختلف عن العربية، حيث ان الفلسطينيين ما زالوا يمروا في مرحلة تحرر وطني تتطلب توحيد كافة الطاقات والجهود، وإذا كانت حركات الاسلام السياسي وخاصة تلك التابعة لحركة الاخوان المسلمين وفي اطار الدول العربية المستقلة تحاول العمل على الوصول إلى الحكم وفرض رؤيتها وأجندتها الفكرية ، فإن الحالة الفلسطينية اقتضت تحويل تيار الاسلام السياسي الرئيسي إلى حركة مقاومة تجسد ذلك بالإعلان عن حركة حماس إبان الانتفاضة الشعبية الكبرى، الأمر الذي يشير إلى أن المقاومة والكفاح في مواجهة الاحتلال هو القاسم المشترك بين الفلسطينيين في مرحلة التحرر الوطني ، وأن قضية التحرر هي الأولية الطاغية على ما عداها، حيث تعتبر قضايا الخلافات الفكرية، والثقافية مؤجلة لمرحلة ما بعد التحرر، علماً بأن الاتفاق على عقد اجتماعي بين الاطراف بطابعه السياسي والاجتماعي يعتمد على مبادئ المواطنة وحقوق الانسان سيشكل ارضية صلبة للتفاهم والتعايش بين القوى السياسية لمرحلة ما بعد التحرر الوطني ايضاً أي باتجاه تحقيق المجتمع المدني والديمقراطي على قاعدة مبدأ سيادة القانون.
اعتقد ان شعبنا بقواه الشبابية والاجتماعية المختلفة لديه بوصلة وطنية واضحة، حيث أن أية تحركات شعبية ستكون حتماً في مواجهة الاحتلال، ولن تكون في مواجهة اياً من الاطراف الفلسطينية التي تدير السلطة سواءً بالضفة او بغزة، ولعلنا نذكر انتفاضة النفق عام96 ، والانتفاضة الثانية عام 2000، والتي انفجرت في مواجهة الاحتلال رغم الانتقادات الداخلية الشديدة على أداء السلطة وخاصة فيما يتعلق بسوء الاداء الاداري والمالي " الفساد " وذلك بسبب توفر الحس الوطني الصادق لشعبنا الذي يميز ما بين التناقض المركزي والرئيسي وما بين التناقض الثانوي.
ممكن أن يكون هنا تحركات شعبية ايضاً للضغط على الطرفين باتجاه تحقيق المصالحة وانهاء حالة الانقسام ولكن برأي لن يصل الضغط لدرجة المطالبة باسقاط الحكومتين في اطار إدراك بان العدو المركزي هو الاحتلال .

إن المدخل الأنسب لمعالجة ازمة القطاع المحاصر لا تكمن بوضع المقترحات الخاصة به فقط رغم أهمية ذلك ، فالمعالجة تكمن في اطار ارتباط ذلك بالشق الثاني من الوطن أي مع الضفة الغربية والقدس بوصف الضفة والقطاع وحدة سياسية وجغرافية وقانونية واحدة ويشكلوا البنية التحتية للدولة الفلسطينية المستقلة والأرضية الصلبة لاستعادة مقومات الهوية الوطنية للفلسطينية الجامعة، حيث ان اخطر ما يتعرض له الفلسطينيين جراء الانقسام هو تبديد مقومات الهوية الواحدة والتشظي الذي سيعزز الكنتونات والمعازل في اطار منظومة الفصل العنصري التي تطبقها دولة الاحتلال بحق الارض والشعب والوطن.
ربما ستعمل بعض المقترحات مثل تشكيل هيئة وطنية تكنوقراطية لإدارة القطاع وإجراء الانتخابات المحلية والنيابية ولمجالس الطلبة وفق قانون التمثيل النسبي على تحقيق بعض الاختراقات الجزئية هنا أو هناك وتوفير مناخات مناسبة للمصالحة ولكن المدخل الحيوي والجاد الذي سيعمل على استعادة وحدة المؤسسات الوطنية يكمن بالتكامل بين القطاع والضفة وذلك عبر آلية تشكيل حكومة الوفاق الوطني وكذلك تفعيل الاطار القيادي المؤقت ل . م . ت . ف.
لقد بات مطلوباً تفعيل دور القوى المتضررة من حالة الانقسام عبر زيادة وتيرة رفع الصوت للمطالبة بتنفيذ اتفاق القاهرة وذلك من خلال دور الإعلاميين ، والمثقفين ونشطاء المجتمع المدني والفاعليات السياسية الغير منخرطة بالانقسام ، حتى يتم انهاؤه واستعادة الوحدة الوطنية بوصفها المدخل الأهم لاستعادة مكانة القضية الوطنية واعادتها للجذور بوصفها قضية تحرر وطني ، وذلك بوصفه خياراً وطنياً فلسطينياً خالصاً بدلا من الرهان على المتغيرات الاقليمية والدولية والتي لم تحقق نتائج عملية ملموسة ، سوى اضاعة الوقت الذي يستفيد منه الاحتلال لتكريس مخططاته المعادية لشعبنا.

وعليه فإنني ارى أن المضايقات على السكان الفلسطينيين في قطاع غزة لن تؤدي إلى تحركات وتموجات في مواجهة السلطة التي تدير الحكم في غزة ،ولكن ممكن لاية تحركات أن تواجه الاحتلال بوصفه السبب الرئيسي لأزمات القطاع بما يشمل الحصار وإجراءات التجويع والعقاب الجماعي ، كما من الممكن ان تحفز تلك الاوضاع على تنظيم فاعليات مشتركة ما بين غزة والضفة للمطالبة بانهاء الانقسام وتحقيق المصالحة.
استناداً لذلك وبهدف تعزيز الدور القومي لمصر ودورها الرائد على المستوى العربي ، بات من الهام العمل على إعادة رعاية ملف المصالحة ، حيث ان هذه البوابة هي التي تضمن وحدها اندماج حماس في بنية النظام السياسي الفلسطيني ، وبالوقت الذي سيساهم ذلك في تعزيز الوحدة الوطنية فإنه سيساهم بالضرورة في تحقيق الاستقرار بالمنطقة ايضاً، حيث ان الاسلام السياسي" المعتدل " وفق نموذج حزب النهضة في تونس هو أفضل بكثير من سياسة العزل والاقصاء التي ستؤدي إلى تفريخ عناصر وقيادات لا تؤمن بالديمقراطية والشراكة والتعددية ، بل تؤمن بالعنف وبأدوات اخذ القانون باليد الأمر الذي سيعمق من حالة الفوضى بدلاً من الاستقرار الذي يشكل شرطاً للتطور والنهوض واعادة البناء.
أعتقد أن حماس تحاول الاستفادة من تجربة حزب النهضة في تونس ويتم لمس ذلك من خلال العديد من المبادرات التي قدمتها مؤخراً والتي تعكس بها رغبة جادة بالمصالحة والاندماج في مكونات النظام السياسي الفلسطيني الموحد، الأمر الذي يتطلب التقاط هكذا مبادرات وتطويرها على طريق تحقيق الاندماج المطلوب الذي سيساهم بالضرورة باستعادة الوحدة الوطنية ومقومات الهوية الجامعة ، حيث ان آليات المضايقة والعزل والاقصاء لن تؤد إلا إلى المزيد من الاحتقان والتوتر وابعاد المسافة عن امكانية تحقيق الوحدة الوطنية بوصفها الشرط الضروري لاستكمال مسيرة الكفاح الوطني .