صور من دجل الرواة

احمد الكناني
2014 / 2 / 1

سأبدأ من حيث ما انتهيت منه في الحلقة السابقة من ذكر المبررات المعقولة لتوضيح الرؤية حول النصوص القرانية التي تناولت الجنان و ساكنيها وما تحويه من مؤثرات و صور ذهنية مركبة لا واقع خارجي لها في عوالمنا كالانهار من الخمر او اللبن ، او المرويات المفسرة لتلك النصوص والتي تتحدث بمبالغة عن ملذات الجنان و صفات الحور العين و الولدان المخلدون ، و ان ساكني الجنان لا شغل لهم سوى افتضاض الابكار.
ببساطة اقول ان لا مجال للنقاش في تلك النصوص طالما ان الهدف منها هو الحث على فعل الخير و الابتعاد عن الشر ، لكن المناقشة تأتي فيما اذا صارت النصوص و المرويات المفسر لها سببا للوقوع في الشر ،عندما تستغل من قبل خطباء السوء وتجار الدين ممن يعتاشون على حكايات الحور العين للايقاع بالشباب الساذج و الزج بهم في صراعات دينية و مذهبية ، هنا تأتي اهمية طرح مثل هذه الابحاث و بيان حقيقة تلك المرويات .
من تلك المرويات ما نقل عن صاحبي النبي حبر الامة عبد الله بن عباس و فقيهها عبد الله بن مسعود من تفسيرهم لنص سماوي يتحدث عن شغل اهل الجنان حيث فسروه بافتضاض الابكار ، اذ ان حصة كل مؤمن في الجنة ما مجموعه 4802 امراة كما هو مضمون الصحيح من الروايات ، فمن الطبيعي ان يكون شغلهم الشاغل هو رفع الغشاء و لا شئ سواه ، و مع الاقرار بالمكانة الرفيعة لابن عم النبي ابن عباس و الوالي على البصرة زمن خلافة الامام على ، و كذلك ابن مسعود المأمون على بيت المال زمن خلافة عمر وعثمان ، ولكن صحابتهم و الراوين عنهم لم يكونوا كذلك ، حيث ضبط لنا التاريخ قصة صاحب ابن مسعود والراوي عنه هذه الرواية وهو شقيق بن سلمة عندما نصبه صديقه المخلص له زياد بن ابيه على بيت المال لايام ثم عزله عنها ، و من الواضح ان غير المامون على اموال الناس لا يكون مامونا على دينهم ، و لا يمكن الاخذ بمروياته
و هناك قصة يرويها سعيد بن منصور وهو من كبار رواة الحديث كما ينقلها ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق عن صاحبنا هذا الراوي لحديث افتضاض الابكار شقيق بن سلمة حيث يقول : أرسل الي الحجاج فأتيته فقال: ما اسمك؟ قلت: ما أرسل الي الأمير الا وقد عرف اسمي، قال: متى هبطت هذا البلد؟ قلت: ليالي هبطه أهلُه، قال: كاين تقرأ من القرآن؟ ( اي كم تقرأ ) قلت: أقرأ منه ما إن اتبعته كفاني، قال: إنّا نريد أن نستعملك على بعض عملنا، قلت: على اي عمل الأمير؟ قال: السلْسلة، قلت: ان السلسلة لا يصلحها إلا رجال يقومون عليها ويعملون عليها، فإن تستعن بي تستعن بشيخ أخرق ضعيف يخاف أعوان السوء، وإن يعفني الامير فهو احب الي، وإن يقحمني اقتحم، وايم الله إنّي لاتعار( اي استيقظ) من الليل فأذكر الأميرفما يأتيني النوم حتى أصبح ولست للأمير على عمل، فكيف إذا كنت للأمير على عمل؟ وايم الله ما أعلم الناس هابوا اميرا قطّ هيبتهم اياك ايها الأمير، فأعجبه ما قلت، فقال: أعد علي، فأعدت عليه، فقال: أما قولُك إن يعفني الأمير فهو أحب الي وإن يقحمني اقتحم، فإنّا إن لا نجد غيرك نقحمك وإن نجد غيرك لا نقحمك، وأما قولك إن الناس لم يهابوا أميرا قطّ هيبتهم أياي، فاني والله ما أعلم اليوم رجلًا على ظهر الأرض هو أجرى على دم مني، ولقد ركبت امورا كان هابها الناس فافرج لي بها، انطلقْ يرحمك الله...
و المهم في هذه الحادثة ان الحجاج لم يجد غير شقيق بن سلمة اكثر لياقة من غيره لشغل هذا المنصب و لو جد غيره لما اقحمه فيه .
و لندع الحديث عن احوال الرواة المذكورين في سلسلة رواية افتضاض الابكار هذه و كذلك باقي المرويات التي تتحدث عن صفات الحور العين لان حالها حال روايات ثواب قراءة سورالقران المروية عن ابي عصمة نوح بن ابي مريم حيث كان يوزع الثواب بحسب مقاساته و بلا حساب و كان يقول هذا هو المروي عن عكرمة و هذا مروي عن ابن عباس ، و عندما بان كذبه قال : اني رأيت الناس قد اعرضوا عن القران و اشتغلوا بفقه ابي حنيفة و مغازي ابن اسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة ، اي من باب دعوة الناس الى فضائل الاعمال و لو كذبا
و امثال نوح بن ابي مريم كثرة متكثرة من الرواة كمحمد بن عكاشة الكرماني و احمد بن عبد الله الجويباري .
و من الطريف ما ينقل في هذا المجال : ان احمد بن حنبل و يحيى بن معين دخلا مسجد الرصافة للصلاة ، فقام بين أيديهما قاص فقال : حدثنا احمد بن حنبل و يحيى بن معين ، قالا انبأنا عبد الرزاق قال انبأنا معمر عن قتادة عن انس قال قال رسول الله(ص) : من قال لا اله الا الله يخلق من كل كلمة منها طائر منقاره من ذهب و ريشه من مرجان .. و اخذ يقص القصص و الامام ابن حنبل ينظر الى يحيى بأستغراب ، ولما فرغ من قصصه سأله يحيى : من حدثك بهذا الحديث ، قال احمد بن حنبل و يحيى بن معين ، فقال له انا ابن معين و هذا ابن حنبل و ما سمعنا بهذا الحديث ابدا ، فإن كان ولا بد من الكذب فعلى غيرنا ، فقال له : أنت يحيى بن معين ؟ قال : نعم ، قال : لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق ، وما علمته إلا هذه الساعة -;- فقال له يحيى : وكيف علمت أني أحمق ؟ قال : كأنه ليس في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما ، كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل غير هذا . قال : فوضع أحمد كمه على وجهه وقال : دعه يقوم ، فقام كالمستهزئ بهما .