روسيا فى المنظومة العالمية

سمير أمين
2014 / 1 / 20

عادت روسياتحتل مكانتها فى الساحة السياسية الدولية بصفتها قوة عظمى. لعل المناسبة أتت لنشرهذين المقالين حول تاريخ روسيا ثم الاتحاد السوفيتى.

كتبت أولهما فىأعقاب انهيار النظام السوفيتى وتم نشره بلغات عديدة غير العربية. ثم كتبت الثانيحديثًا.



روسيا: فعل العامل الجغرافى فى مسيرة تاريخ روسيا الكبرى

يخاطب الانهير مزدوجالوجهين للنظام السوفيتى بصفته مشروعاً اشتراكياً، ولروسيا بصفتها قوة عظمى،النظريات التى طُرحت فى مجال النضال بين الرأسمالية والاشتراكية من جانب، وفى مجالتحليل مكانة ووظيفة مختلف المناطق التى تتشكل منها المنظومة العالمية المعاصرة منالجانب الآخر.

ولذلك كنتاخترت العنوان الفرعى للمقال –"جغرافيا أم تاريخ؟" لافتًا النظر إلىالتساؤل عما إذا كانت الظروف التاريخية (والمقصود هنا تلك الظروف التى أتاحتانتصار ثورة 1917) هى التى تحكمت فى تطور الأمور، أم إذا كانت سمات جغرافيا المكانهى التى تلقى مزيداً من الضوء على مكانة روسيا القيصرية ثم الاتحاد السوفيتى فىالمنظومة الرأسمالية العالمية المعاصرة.



1- تمحورالتحليل الماركسى التاريخى، ولا سيما تعبيره السوفيتى اللينينى، حول قضية الصراعبين الرأسمالية والاشتراكية، وبالتالى قضايا إنجاز الثورة وبناء الاشتراكية.

وتبلورت هذهالنظرية – انطلاقاً من لينين- حول النقاط الأربع التالية:

1- لابد أنيؤدى صعود الصراع الطبقى الأساسى (الصراع بين البورجوازية والبروليتاريا) إلى الثورةالاشتراكية على صعيد عالمى.

2- ينطلقالتحرك نحو الثورة ذات البعد العالمى من تلك البلدان (مثل روسيا ثم الصين) التىتمثل "الحلقات الضعيفة" فى المنظومة العالمية، وذلك لأسباب يتوجباكتشافها وتوضيحها.

3- يمكن بناءالاشتراكية فى تلك البلدان، بالرغم من تخلفها الموروث من تاريخ التوسع الرأسمالىعلى صعيد عالمى.

4- يتجلىالصراع بين الرأسمالية والاشتراكية فى التضاد والمنافسة بين النظامين، أى نظامالدول الاشتراكية من جانب، ونظام الدول التى ظلت أسيرة الرأسمالية من الجانبالآخر.

يعطى هذاالمنهج نوعا من الأولوية للتغيرات على صعيد أنماط الإنتاج المترتبة على إنماء قوى الإنتاج،وذلك من خلال تركيز مجرد الطابع على التناقض بين هذين المستويين من الواقع. فيضعالخصوصيات التى تتسم بها مختلف "مناطق" المنظومة العالمية فى هذا الإطارالمجرد.

وإن كان فكرماركس لا يتلخص فى هذا المنهج، إلا أنه ساد فى الماركسية التاريخية. وبالتالى حدثنوع من المغالاة المجردة والتبسيط لفكر ماركس، تجلى فى طرح النقاط الأربعةالمذكورة فى صيغة مطلقة.

بذل التيارالذى أطلق فالرشتين عليه اسم "الاقتصاد- العالم" الجهد لتعديل هذاالتبسيط، حتى لوى العصا فى الاتجاه المعكوس، أى بعبارة أخرى أحل مغالاة معكوسة تحلمحل المغالاة فى التبسيط الماركسى التاريخى. على سبيل المثال قدم هذا التيارتفسيراً لما أصبح دور الاتحاد السوفيتى يرجع تطوره إلى فعل القوى التى تحكمت فىتطور الكل (والمقصود التى تحكمت على صعيد عالمى). وعلى هذا الأساس قدم تفسيراًلانهيار النظام السوفيتى يرجعه إلى التطور الذى طرأ على صعيد المنظومة العالمية،الأمر الذى شجع خفض تقويم فعل التناقضات الداخلية الخاصة بالنمط الاشتراكى المعنى.فإذا كانت الماركسية المبسطة تكاد تهتم فقط بـ "صراع الطبقات" فىتفسيرها للتاريخ، فإن تيار "الاقتصاد- العالم" يكاد يتجاهله، فيوصى بأنهذا الصراع لا يغير مسيرة التاريخ، بل يظهر فقط سر المسيرة الإجبارية التى يفرضهاتطور المنظومة العالمية، فهنا يتحكم الكل (العالم) فى الخاص (مناطق العالم)، بينماالنظرة الماركسية المبسطة توحى بأن الطابع اللامتكافىء واللامتوازى فى تطورالأطراف (الدول، الأقاليم) ينتج تطور الكل (المنظومة العالمية).

وبما أن"الأطراف" التى تتشكل منها المنظومة العالمية هى دول أو مجموعة دول(أقاليم) تجد مكانها فى جغرافيا العالم، فإن التيار المذكور الذى لوى العصا فىالاتجاه المعنى يمكن أن يُطلق عليه مصطلح "النظرة الجغرافية"، فى مقابل "النظرة التاريخيةالمفقودة".

أرفض هذينالنهجين المغاليين، وبذلت مجهوداً لتخطى التبسيط الذى يتسم به كل منهما، فقلت إنالخصوصيات (السمات الخاصة لمختلف أقاليم المنظومة العالمية) نتاج تفاعل العام الذىيتجلى فى فعل القوى التى تتحكم فى مسيرة التاريخ العام لجميع الشعوب، والخاص الذىيتجلى فى تنوع أشكال تكيف المسيرات الجزئية لمقتضيات فعل العام.

وهنا، فى هذاالمقال المخصص لتاريخ روسيا ثم الاتحاد السوفيتى، أنطلق من العودة إلى نقاشأطروحات نظرية طُرحت فى حلقات علماء التاريخ فى روسيا حول "خصوصية الإقليمالأوروبى- الآسيوى"، ومنهم تروبلسكوى الذى تمتع بشهرة فى عشرينيات القرنالسابق ثم أُطمس فيما بعد مع سيادة النظرة السوفيتية الدجمائية والمبسطة. ثم عادتأطروحات تروبلسكوى تحتل مكانها فى المسرح، وأثارت صدى فى روسيا والصين والهند، وإنظلت مجهولة فى باقى العالم.

أنطلق من هذاالنقاش لأننى أعتقد أن تاريخ روسيا/ الاتحاد السوفيتى ضرب من أفضل الأمثلة لما سبقأن قلته حول ضرورة تخطى المنهجين المذكورين فى نقدى. علماً بأن هذا التخطى لا يعنى"طمس الماركسية"، بل على نقيضه إغناءها ودفعها إلى الأمام فى قدرتهاالتفسيرية.

2- سبق أن كتبتعن "المنظومة العالمية" التى تخص القرون الخمسة بين عام 1000 وعام 1500ميلادى. ووصفتها بأنها تتشكل من ثلاثة أقاليم "متقدمة"- هى الصين والهندوالشرق الأوسط وإضافة إقليم رابع إليها– أوروبا- شهدت تقدماً سريعاً خلال المرحلةالمعنية. حتى تجمعت عندها أهم التغيرات التى استعجلت التطور نحو الرأسمالية فى هذهالمنطقة الهامشية حتى عام 1000.

وفى هذا الإطارالعام اعتبرت أن ما حدث "فى المحيط" الشاسع الذى يفصل ويربط معاً أوروبامن جانب وشرق آسيا من الجانب الآخر (أى روسيا الكبرى) نتاج تفاعل آليات التمفصلبين هذه الأقطاب الأربعة المشكلة لما أسميته "منظومة العالم القديم"(أقصد الذى سبق إقامة المنظومة الرأسمالية المعاصرة).

وطرحت فى هذاالإطار الأسئلة التى تمثل الإجابة عليها جوهر تفسير علمى لنشأة الرأسماليةالتاريخية، وهى أسئلة تخص:-



أولا : ديناميكياتالتحولات التى طرأت على مختلف الأصعدة المحلية لكل من هذه الأقطاب الأربعة) فىمواجهة التحدى العام. علماً بأن الصراع الطبقى– بالمعنى الواسع للكلمة-يتحكم فىهذه الديناميكيات فيحدد مدى ومغزى التحولات.



ثانياً : تمفصلما ترتب على حدوث هذه التحولات المحلية فى تكوين المنظومة العالمية المعنية منعناصر تطور وتكامل وتناقض الأدوار التى لعبها كل إقليم من الأقاليم الأربعةالمذكورة خلال المرحلة المعنية (من 1000 إلى 1500 مع امتدادها إلى عام 1800).

3- يُظهرالتحرى فى تاريخ تطور المنظومة القديمة تفوق الشرق الصينى والهندى. فقد ضمت الصينوالهند أغلبية سكان تلك المنظومة العالمية القديمة، بل أخذ عدد سكان آسيا الشرقية والجنوبيةفى الصعود المتواصل، فارتفع من 50 مليون لكل من الصين والهند قرنين قبل الميلادإلى 330 و 200 مليون على التوالى حول عام 1800، و 450 و 300 مليون حول عام 1850.هذا بينما ظل عدد سكان "إقليم الشرق الأوسط" ثابتاً إن لم يكن قد تناقص.فبلغ عدد السكان فى هذه المنطقة حوالى 50 مليون فى العصر الهلنستى (وهو غالباًأرقى مستوى بلغته المنطقة) ثم استتب حول 35 مليون عشية الثورة الصناعية والفتحالأوروبى. فلنتذكر أن عدد سكان مصر الفرعونية الذى بلغ 10 أو 14 مليونا فى بعضحقبات تاريخها انخفض إلى حوالى 2 مليون حول عام 1800. وكذلك تدهورت الأمور فى بلادالرافدين والشام.

وقد ظل عددسكان القارة الأوروبية منخفضًا (حوالى 30 مليون) حتى القرن العاشر ميلادى ثم انفجرحتى بلغ 180 مليون حول عام 1800 و 200 مليون حول عام 1850.

يضاف إلى هذهالملاحظات حول تطور حجم سكان أقاليم المنظومة ملاحظة ذات أهمية حاسمة، تخص إنتاجيةالعمل الاجتماعى التى ظلت فى صالح الصين طوال الحقبة الطويلة (إلى ما بعد الثورةالصناعية). فتمتعت الصين بمستوى أعلى من الرفاهية وهذا صحيح أيضاً بالنسبة إلىالهند حتى الغزو البريطانى (بين النصف الثانى من القرن الثامن عشر والنصف الأول منالقرن التالى).

تتجلى فى هذهالأوضاع الأسباب التى روت- عندما وعت أوروبا بتقدمها انطلاقاً من النهضة (حول1500)- طموحاتها الحاسدة فى التوصل إلى الشرق الآسيوى الثرى. وذكر كتاب "إتيمبل"المشهور ("أوروبا الصينية") هذا الوعى بأن الصين قدم أفضل نمط فى إدارةالدولة والاقتصاد، والتكنولوجيات الأكثر تقدماً. كما أوضح "إميابجشى"دور نهب ثروات الهند فى تفوق بريطانيا على منافسيها فى القرن التاسع عشر. فقامتقدم الصناعات الإنجليزية الأولى (النسيج) على أساس تفكيك القدرات الإنتاجيةالهندية المتفوقة، وذلك من خلال متابعة برامج ممنهجة لهدمها.

ينبغى وضعمسيرة الإقليم الوسيط، المشكل من الشرق الأوسط من جانب وروسيا الكبرى من الجانبالآخر، فى هذا الإطار.

ورثت منطقةالشرق الأوسط وضعية متقدمة نشأت مع جمع الحضارات القديمة (مصر وإيران وبلادالرافدين والشام واليونان) فى ظل الحضارة الهلنستية ثم الإسلامية، بالإضافة إلى أنالإقليم قد استفاد من مركزه الوسيط المحتكر للعلاقات التجارية بين أوروبا وشرق/جنوب آسيا. بيد أن أوضاع المنطقة أخذت فى الركود المتواصل أو يكاد فيما بعد. فأنتجهذا الركود نتيجتين هامتين. أولاهما إدراك الوعى الأوروبى- انطلاقاً من حروبالأفرنج ("الحروب الصليبية") أن أهمية الشرق الأدنى لا تكمن فى ثرواتهاالذاتية بل في مكانتها للسيطرة على طرق التجارة البعيدة. الأمر الذى دفع الأوروبيينتجاه البحث عن طرق بديلة؛ وفتح الطرق عبر المحيط الأطلسى والمحيط الهندى وبحرالصين. والنتيجة الثانية أن الصين والهند حولتا نظرهم من التوجه نحو الغرب إلىالتوجه نحو الشرق والجنوب الشرقى، المشكل من كوريا واليابان والهند الصينية(فيتنام وتايلاند وبورما وماليزيا). فلم يعد القطبان الصينى والهندى يواصلان النظرإلى الشرق الأدنى المتدهور.

هكذا انتقلتالمبادرة إلى أوروبا فأصبحت السيطرة على البحار من جانب وعلى الإقليم القارىالوسيط الروسى من الجانب الآخر، الوسيلة الجديدة المفضلة لتأسيس علاقات تجاريةمربحة بين القطب الأوروبى الصاعد والقطبين الآسيويين (الصين والهند). وتنافس كلاالطريقين (الطريق البحرى والطريق القارى عبر روسيا) من أجل تحقيق الهدف.

4- أصبحت سيطرةأوروبا على البحار تمثل جوهر التحدى بالنسبة إلى إقليم الشرق العربى/ التركى/الإيرانى الإسلامى وإلى إقليم أور-آسيا الروسى.

ظلت أوروبا-شمال شرق المتوسط الرومانى الإغريقى سابقاً- فى وضع هامشى فى النظام العالمى حتىالقرن العاشر، فكانت تشكيلاتها الاجتماعية- شأنها فى ذلك شأن أفريقيا جنوبالصحراء- لم تتخط بعد حدود المشاعات الأولى. كما شهدت القارة أمواجاً متتالية منهجرة "القبائل" المكونة لشعوبها وذلك على مسافات طويلة.

بيد أن هذهالمنطقة المتخلفة قد انتقلت إلى نهضتها باكراً. وقد قدمت تفسيراً لهذه"المعجزة" قائماً على بيان الميزة التى مثلها الشكل الخاص الذى اتخذهالنمط الخراجى فى أوروبا. فساد هناك تفتت اقطاعى فى ممارسة السلطة على خلاف تمركزهذه السلطة فى الشكل المتقدم للنمط الخراجى (لا سيما فى الصين). فظلت فكرة مركزيةالسلطة منحصرة على طموحات البابا (وريث الإمبراطور الرومانى) فى تمثيل "وحدةالعالم المسيحى"، وهى وحدة رمزية لم تعط للبابا سلطة سياسية حقيقية تذكر فىإدارة الممالك الإقطاعية الأوروبية.

ومر الانتقالإلى الرأسمالية عبر حقب متتالية سريعة، وتمثلت أولى هذه الحقب فى الحروب الإفرنجيةالتى دفعت "الإفرنج" (فرنسيين وإنجليز وألمان) فى سبيل مشروع السيطرةعلى "طرق الحرير" من خلال الاستيلاء على الشرق الأدنى الإسلامى والشرقالأدنى البيزنطى الأرثوذكسى. وينبغى التشديد فى هذه النقطة: "فالعدو" لميكن "المسلمين" فقط بل على قدم المساواة: "المسيحيون الأرثوذكس"للدولة البيزنطية. وخسرت أوروبا الإفرنجية حربها ضد الخلافة الإسلامية التى طردتهامن الأراضى المحتلة. ولكن هذه الحروب الإفرنجية دمرت الدولة البيزنطية، الأمر الذىيسر فيما بعد اختفاءها لصالح الفاتح العثمانى.

بيد أن"انتصار" المسلمين" أخفى فى طياته هزيمة تاريخية. فوجهت أوروباأنظارها فى اتجاه البحر، وفى نهاية المطاف ساهمت سيطرتها على البحر فى تدهورالأوضاع فى الشرق الأدنى الإسلامى الذى فقد احتكاره على طرق الحرير، وبدوره يسرتدهور الإقليم أن تبسط القبائل التركية والمغولية سلطتها على أراضيه. علماً بأنالقيادات العربية الإسلامية شاركت فى تسهيل استيلاء الأتراك على أراضيها بدعوتها"للإنقاذ من الإفرنج".

استفادت المدنالإيطالية من حروب الإفرنج، فبسطت سيطرتها على الملاحة فى المتوسط. ولنذكر هنا أنشخصين إيطاليين فتحا الطريقين الجديدين للوصول إلى الشرق الآسيوى: كولومبو الذىعبر الأطلسى (واكتشف أمريكا فى طريقه إلى آسيا) وماركو بولو الذى عبر المحيطالقارى الروسى- المغولى.

5- دخل المحيطالقارى الروسى المغولى (الذى أصبح روسيا) فى التاريخ المعاصر فى هذه اللحظةبالتحديد. فهمش فتح هذا الطريق القارى الجديد بين أوروبا والصين الطريق القديم عبرالشرق الأدنى الإسلامى.

فأصبح الصراعبين مختلف الشعوب التى تسكن الإقليم الأورو- آسيوى صراعاً تاريخياً حاسماً. تعارضمن خلاله تكتلان: تكتل الشعوب الروسية التى خرجت من منطقة الغابات الدائمةالشمالية من جانب، وتكتل الشعوب المغولية الرعاة الذين احتلوا السهول الواقعة فىجنوب الإقليم.

وكسبت روسياالمعركة عبر سلسلة حروب أدت إلى إقامة الإمبراطورية القيصرية واستيلائها على الإقليمبشموله من بولندا إلى المحيط الهادى، ومن المحيط الشمالى إلى بحر قزوين وجبالالقوقاز وحدود إيران وأفغانستان.

اكتسبتالتشكيلة الاجتماعية لهذا الإقليم الروسى الشاسع سمات خاصة بها، تميزها عنالتشكيلات الأوروبية من جانب، وعن التشكيلة الصينية من الجانب الآخر.

يقال عادة بهذاالصدد إن روسيا "نصف أوروبية ونصف آسيوية"، علماً بأن النعت "آسيوى"يحمل معنى سلبياً. أقول إن هذا الحكم سريع وسطحى.

قطعاً كانتالإدارة السياسية للتشكيلة الروسية "أوتوقراطية". بيد أن السمة ذاتهاتنطبق على النظم الملكية الأوروبية المطلقة التى سادت خلال قرون حتى ثورة انجلترا عام1683 وثورة فرنسا عام 1789.

على أن وسائلإدارة هذه السلطة الأوتوقراطية على منطقة شاسعة (من بولندا إلى أقصى سيبيرياالشرقية) اختلفت عن ممارسات الملكية الأوتوقراطية فى دول غرب أوربا الصغيرة. توجهتالممالك الأوروبية الأطلسية الأربع (انجلترا، فرنسا، أسبانيا، البرتغال)- بعداكتشاف أمريكا- إلى استعمارها. فأقام الأوروبيون فيها نظماً كولونيالية خاضعةلقوانين خاصة بها، متميزة عن القوانين السائدة فى الدول الأم. على سبيل المثالأقاموا فى أمريكا أشكالاً إنتاجية تعتمد على العبيد المنقولين من أفريقيا، بينمالم يسمحوا بنظام الرق على أراضى الدولة الأم.

سارت روسيا فىسبيل مختلف، فأخضع الروس الشعوب ذات الأصول غير الروسية، المقهورة والمنضمة فىالإمبراطورية، لنفس القوانين التى حكمت بها الطبقة الروسية القائدة شعبها الأصلى.علماً طبعاً بأن هذه القوانين فرضت القمع الإمبراطورى على الجميع واستغلالهم بنفسالأساليب.

فانحصرت"هيمنة الروس"– وهو أمر حقيقى- على المجال الثقافى (فكانت اللغة الروسيةهى الوحيدة المعترف بها).

وعندما تطلقوسائل الإعلام الغربية نفس النعت على "جميع الإمبراطوريات" وتماثلها فىنمط واحد (نتحدث عن الإمبراطورية الرومانية القديمة، العثمانية، البريطانيةالحديثة، الروسية .. الخ) عبر التاريخ، فإنها تقدم مقولة غير علمية، وخادعةتماماً.

ولكن الإقليمالأورو- آسيوى لم يقم بوظيفة المحيط الرابط لأوروبا بالصين إلا خلال حقبة قصيرةتمتد من 1250 إلى 1500 إذ حل الطريق البحرى مكانها انطلاقاً من 1500 ولم يكن هذاالتحول جغرافيا بحتا. فقد اكتشف الأوروبيون أمريكا فى الطريق واستعمروها وحولوهاإلى تخوم الرأسمالية الناشئة، وذلك قبل أن يستعمروا آسيا الشرقية والجنوبيةوأفريقيا حيث أقاموا نظم استغلال كولونيالى. هذا بينما حافظ الإقليم الأورو- آسيوىالذى أصبح روسيا على استقلاله.

6- همش اكتشافالطريق البحرى دور الإقليم الأورو- آسيوى انطلاقاً من 1500 إلى 1900 وقد واجهالروس هذا التحدى بأسلوب فعال لامع.

ففى عام 1517،أى بضع سنوات فقط بعد سفر كولومبو عبر الأطلسى، أخرج الراهب فلوفاوس تصريحاًتاريخياً مفاده أن موسكو أصبحت روما الثالثة (بعد روما، ثم القسطنطينية). كان مغزىهذا التصريح إيذاناً بأن روسيا ستتولى مسئولية بسط سيطرتها على الإقليم الأورو-آسيوى الشاسع.

وقد حمَّل بعضالمفكرين الروس فى العصر الحديث- ومنهم برديايف- المقتنعين بسلامة المنهج والهدف، حملواروسيا مسئولية تحقيق هذه "النبوءة" لصالح الإنسانية بأجمعها! بل أضافبرديايف بعد قيام ثورة 1917 أن "الشيوعية تمثل الآن هذه النبوءة"!

وإن كان مثلهذا التفسير مرفوضاً (وأنا أرفضه بلا تردد!) لغياب تأسيسه على أدنى قاعدة علميةولخطورة النتائج التى تترتب على تنفيذه، إلا أنه يفسر أهداف ومنهج السياسة التى اتبعتهاروسيا حتى ثورة 1917 التى توجهت اتجاهاً آخر (ولذلك قلت روسيا القيصرية لا الاتحادالسوفيتى!)

فتركز مجهودروسيا على الجمع بين تطوير مجتمع مستقل متمركز على الذات وبين الانفتاح على الغرب("المسيحى" هو الآخر، ولو "المسيحى المزيف" فى نظرالأرثوذكس!).

نجحت روسيا فىهذا المشروع الذى لا مثيل له من حيث المساحة الشاسعة التى غطاها، كما نجحتالولايات المتحدة هى الأخرى فى بناء دولة/ وطن على صعيد قارى. ويلاحظ أن الأمريكيينلجأو أيضاً إلى لغة النبوءة، فأطلقوا على مشروعهم نعت "إسرائيل الجديدة".غير أن الروس فى توسعهم القارى "استوعبوا" الشعوب المقهورة، بينماالأمريكان لجأوا إلى إبادة الهنود!

ولكن يبدو- معمرور الزمن- أن نجاح الولايات المتحدة فى مشروعها تفوق بمراحل على إنجازات روسيافى مشروعها. ويلجأ البعض فى تفسير الفرق إلى الميزة الخاصة التى تمتعت بها أمريكا:غياب وراثة "إقطاعية"، بحيث أن العلاقات الرأسمالية التى أقيمت علىأرضيتها استطاعت أن تنمو بدون عائق فى سبيلها، بينما روسيا القيصرية ظلت"إقطاعية" فى عقائدها وأشكال تنظيم سلطتها.

أعتقد أن هذاالتفسير يحمل شيئاً من الصحة. بيد أن هناك عوامل أخرى قد لعبت فى صالح أمريكا. فبالمقارنةمع روسيا استفادت أمريكا من عزلة جغرافية منعت عملياً التدخل فى شئونها، فظلتمحمية من إصابتها بالمدافع وذلك حتى العصر الحديث القريب حين أصبح استخدامالصواريخ لا يترك أى منطقة من الكوكب- دون استثناء- بعيداً عن مناله.

فلم يتواجدأمام مشروع التوسع الأمريكى عدو يذكر. ولم تمثل المكسيك عائقاً، فأصبح هو نفسهفريسة التوسع الأمريكى.

اختلفت الأموربالنسبة إلى روسيا التى عانت من الصدام العسكرى المباشر مع القوى الأوروبية العظمىوالذى تجلى فى حملة نابوليون، ثم حرب القرم (عام 1854)، ثم الحربين العالميتين.

فلم يكن منالممكن تفادى التفاعل بين سياسة روسيا وسياسة أوروبا. بل اختارت سان بترسبورج هذاالسبيل عمدًا إذ لم يتصور النظام القيصرى لحظة اتخاذ موقف "الحياد" إزاءالشئون الأوروبية، بل اعتبر نفسه طرفاً فيها. وكذلك فإن الاتحاد السوفيتى هو الآخر-ولو من موقف مختلف بشكل جذري - اعتتبر نفسه جزءًا منالصراع الطبقى على صعيد عالمى بين الطبقة العاملة حامل المشروع الاشتراكى وبين رأسالمال العالمى، فكلا النظامين- القيصرى والسوفيتى- رفضا العزلة بدعوى الخصوصيةالمزعومة- سواء كانت خصوصية الشعوب السلافية أم خصوصية الطابع الأوروآسيوى لروسيا.



مكانة الاتحادالسوفيتى فى المنظومة العالمية

مثلت ثورة 1917قطيعة فى تاريخ شعوب الاتحاد السوفيتى، وهى شعوب الإمبراطورية القيصرية سابقاً.فلا يصح اعتبار أن هناك مسيرة متواصلة فى تاريخ "روسيا الكبرى" مرتبمرحلة "سوفيتية" قبل أن ترجع لأصولها "الروسية" بعد انهيارالمشروع الشيوعى.

لقد خلقت سيادةالرأسمالية المعاصرة جديداً حقيقياً وحاسماً أصبح يتحكم فى شئون جميع شعوب الكوكب.ويظل تحليل ماركس فى هذا الشأن صائباً وحاسماً. ويتجلى التحدى الجديد الذى تواجههجميع الشعوب فى ضرورة تخطى نمط التراكم الرأسمالى. فلم يكن المشروع السوفيتى نتاج إلهام"نبوى" كما قال برديايف.

فتقع الأسئلةالصحيحة التى طرحتها ثورة 1917 فى مجالات أخرى تماماً، وهى: أولاً، ما هى الأسبابالتى أتاحت انطلاق الحركة نحو الاشتراكية من روسيا "المتأخرة" وليس منأوروبا الغربية وأمريكا الشمالية "المتقدمة"؟ وثانياً: ماذا حققت الحقبةالسوفيتية وماذا ما لم تحققه؟

لن أعود هناإلى هذه الأسئلة التى تناولت نقاشها فى كتابات تفصيلية أخرى. فأرجو أن يرجعالقارىء فى هذا الصدد إلى دراستى الحديثة المعنونة "الوحدة والتعددية فىالحركة نحو الاشتراكية".

أكتفى هنابالقول إن المجتمع السوفيتى أقيم بالفعل على أساس رغبة منهجية فى "بناءالاشتراكية" على أراضيه. ولكن النظام استتب فى شكل "اشتراكية دولة"،ثم تحجر فلم يتخط هذه المرحلة الأولى، الأمر الذى أتاح انقلابه فى نهاية المطافلصالح العودة إلى الرأسمالية.

أضيف نقطة تبدولى رئيسية لإدراك ما حدث بعد انهيار النظام فى مجال العلاقات بين الأمة الروسيةوالأمم الأخرى المكونة الاتحاد السابق.

لم تواصلالسياسة السوفيتية ممارسات النظام القيصرى فى هذا المجال فأقيم الاتحاد على قاعدةتعترف وتحترم تنوع القوميات، حلت محل مبدأ "الاستيعاب"("التماثل")- ولو الظاهر أكثر منه الحقيقى- الذى مارسه النظام القيصرى.

بل أكثر من ذلكأقيم النظام الاقتصادى السوفيتى على قاعدة إعادة توزيع فوائد التنمية المشتركةلصالح المناطق الأقل نمواً، علماً بأن الشعوب "غير الروسية" هى التىاستفادت من هذا الخط العام الجديد. فانتقل استخدام الفائض المستخرج من المناطقالأكثر تقدماً (روسيا الغربية، وأوكرانيا وجمهوريات البلطيق) للاستثمار فى المناطقالأقل نمواً (سيبيريا، آسيا الوسطى، الجمهوريات جنوب القوقاز). وساد نظام تماثلومساواة الأجور والحقوق الاجتماعية. وهو مبدأ يناقض تماماً المبدأ الذى يحكمالرأسمالية، وهو التفاوت فى مستوى الأجور بين المراكز والتخوم. بعبارة أخرى اخترعتالسلطة السوفيتية مبدأ "المعونة" الحقيقية، وهو مبدأ لا تزال الرأسماليةتتجاهله فى ممارساتها الواقعية، بالرغم من كلامها حول "لمعونة الدولية"!

أرجع إلىالموضوع الذى أود أن أتناوله هنا: وصف سمات النظام السوفيتى فى مرحلته الأخيرة،قبل السقوط. أقصد إذن وصف النظام "المتحجر" لعصر حكم برجنيف.

أولاً : نظامقائم على مبدأ "الطائفية":

وليس المقصود"طائفية" قائمة على الانتماء القومى أو الاجتماعى طبعاً، بل المقصود هوتكوين "تكتلات" مصلحية تجمع معاً أصحاب القرار والعمال الفاعلين فى قطاعإنتاجى معين. على سبيل المثال تكتل يضم أصحاب القرار فى الصناعة المعدنية والعمالالمستخدمين فى هذا القطاع.

فأصبح كل منهذه التكتلات "مركز قوة" يدخل فى التفاوض (لعل كلمة مساومة تعطى المعنى!)مع مراكز القوة الأخرى من أجل تصميم أهداف الخطة العامة وتوزيع الفوائد المستخرجةمنها: وصار الجوسبلان المكان الذى حلت فيه هذه "المفاوضات- المساومات".وصارت النقابات جزءًا من المنظومة بصفتها المؤسسة التى تتناول مسئولية إدارةالشئون الاجتماعية والفوائد المستخرجة منها لصالح العمال (مدارس، مستشفيات، سكن،معاشات الخ).

لعب مبدأالطائفية الموصوف هنا دوراً حاسماً، فحل محل "الربحية" التى تتحكم فىإعادة تكوين التوسع الرأسمالى. فتجلى عمل هذا المبدأ فى "السوقالسوفيتية" وأعطى له طابعاً مختلفاً عما هو عليه فى واقع عمل السوق فىالرأسمالية. علماً بأن الطابع "العقلانى" للخطة الناتجة عن هذهالمساومات الجماعية يظل موضوع تساؤل.

أدى العملطبقاً لمبدأ "الطائفية" فى ظروف تحجر النظام إلى صعود تناقضات جديدة بينمختلف الأقاليم الجغرافية المكونة الاتحاد. فكان لكل تكتل من التكتلات المعنيةوجود فى مناطق معينة، بينما غاب فى مناطق أخرى، علماً أيضاً بأن هذا التقسيمالجغرافى لم يمت بصلة بتقسيم السلطة بين القوميات. على سبيل المثال هناك تكتل معينيمكن أن يكون له وجود فى إقليم روسى وفى إقليم آخر فى اوزبكستان ولا وجود له فى جورجيا....الخ.



ثانياً : نظامسلطة أتوقراطية

أقصد هنا غيابممارسة الديموقراطية فى إدارة السياسة العامة، سواء كانت طبقاً للنمط الغربى(القائم على الانتخابات المتعددة الأحزاب) أم للنمط المتفوق الذى تصورت إقامتهثورة 1917.

على أن هذاالقول لا يرادف قبول نظرية "نظام التوتاليتارية" (الشمولية) الذى تكرروسائل الإعلام الغربية الحديث عنه بلا ملل. فقد اختفى وراء"الأوتوقراطية" الظاهرة فى اتخاذ القرار تفاوض حقيقى بين التكتلات التىمثلت تنوع المصالح الجماعية ومراكز القوة.

وبدلاً منالحديث المجرد والمبسط عن "الأتوقراطية" أقول إن النظام تجلى فى هرم منالسلطات المتجسمة في مؤسسات إقليمية (ولا سيما فى توزيع ممارسةالقرار بين مختلف الجمهوريات). وقد يسر هذا الوضع انفجار الاتحاد فى نهاية المطاف.





ثالثاً:استقرار النظام الاجتماعى

لا أنكر علىالإطلاق تواجد ممارسة العنف فى واقع التاريخ السوفيتى. وتعددت مصادر العنف المعنى.

انفجرتالموجة الأولى من العنف بمناسبة التعارض الصاعد بين هؤلاء "الواقعيين"-الذين أعطوا الأولوية للحاق– أى إنماء قوى الإنتاج- وأولئك الذين تمسكوا بتنفيذالوجه الآخر من المشروع، وهو إقامة علاقات اجتماعية جديدة ذات طابع اشتراكى صحيح.علماً بأن هذا التناقض لم يكن مفتعلاً، بل انعكاساً لواقع تناقض صحيح صاحب انتصارالثورة فى منطقة تخومية سابقاً فى المنظومة الرأسمالية العالمية.

تلت هذه الموجةالأولى ما ترتب على انتصار النظرة "الواقعية"، وهو استخدام العنف من أجلاستعجال عملية التصنيع. علماً بأن وسائل عنف شبيهة قد استخدمت فى تاريخ التراكمالرأسمالى! اذكر هنا شُح الإسكان وغيرها من ظواهر الفقر.

يحل المصدرالرئيسى فى استخدام العنف السوفيتى فى مجال ممارساته مع الفلاحين. فقد ألقى قرارإنشاء الكولخوزات عبء تمويل التصنيع على كتف صغار الفلاحين، حتى أنهى هذا القرارتحالف العمال والفلاحين الذى أتاح انتصار الثورة. هذه القصة معروفة تماماً.

وينبغى– عندمانتناول مقارنة درجة العنف بين نمط التراكم الأولى "الاشتراكى" والتجاربالرأسمالية السابقة- أن نتذكر أن الغرب استفاد من ظروف أفضل ساعدت على تخفيف نتائجالعنف، أقصد الهجرة على نطاق واسع لأمريكا. فارتفع عدد سكان أمريكا ذوى الأصولالأوروبية حتى يعادل عدد سكان أوروبا نفسها ولم تعرف التجربة السوفيتية مثل هذهالميزة.

أضيف أن النمطالسوفيتى للتراكم قد أظهر وجهاً إيجابياً بالمقارنة مع النمط الرأسمالى. فوفرفرصاً للصعود فى الهرم الاجتماعى لملايين من أبناء الطبقات الشعبية، وهو ما لميحققه النمط الرأسمالى.

أخذ النظام يتطورنحو الاستقرار الاجتماعى انطلاقاً من عصر حكم خروتشوف. فبلغ النظام حداً منالتنمية أتاح له رفع مستوى المعيشة بشكل ملحوظ ومتواصل.

لم يتمتعاستتباب الأمور بطابع "نهائى" طبعاً. فليس هناك نظام– اشتراكى أورأسمالى- يستطيع أن يزعم ذلك. فعمل الاستقرار الاجتماعى السوفيتى– النسبى- فى إطارله حدود ويتسم بالتناقض. لا سيما ذلك التناقض الذى صاحب غياب التقدم فى سبيل مقرطةالمجتمع.

فكانت هناكاحتمالات مفتوحة متباينة تحكم مستقبل النظام.

كان من الممكنأن يحدث تطور تدريجى نحو مزيد من الفعالية الاقتصادية بالانتقال من نمط تراكمتوسعى إلى نمط تراكم كثيف من خلال فتح باب للتبادل فى السوق (المصحوب بوضع حدودلعمليات السوق)، ولمزيد من الديموقرطية. بعبارة أخرى كان يحتمل أن يتطور النظامنحو موقع "يسارى وسطى" يحفظ المستقبل.

وكان هناكاحتمال آخر يمكن حدوثه هو تحجر النظام وهذا هو ما حدث بالفعل.



رابعاً: فكالارتباط مع الرأسمالية العالمية

لا أقصد بمفهومفك الارتباط نوعاً من الانعزال والهجرة إلى خارج الكوكب، بل اتخاذ موقف منهجى يتيحقلب العلاقة بين نمط النمو الوطنى وبين نمط النمو السائد عالمياً، إذ إن نجاحاستراتيجية رأس المال المعولم السائد يقتضى تكيف الأطراف الضعيفة فى المنظومةالعالمية لمطالب القوى المتحكمة على الصعيد العالمى. أى بمعنى آخر تفرض الاحتكاراتالرأسمالية الإمبريالية القائدة تكيفاً من جهة واحدة. فُيطلب من الاقتصاد التابعإعادة الهيكلة كى تفيد تنميته عملية استعجال التراكم فى الاقتصاد المركزى القائد.هذا هو برنامج مضمون وهدف "إعادة الهيكلة" للبنك الدولى.

فُيطلب منالكونغو أن يتكيف لما يفيد الولايات المتحدة، ولا يُطلب من الولايات المتحدة إعادةهيكلة نظامها بما يفيد تنمية الكونغو!

على النقيض من ذلكتسعى سياسة فك الارتباط إلى انقلاب هذه العلاقة، أى تحقيق شىء من التكيف المعكوس،تكيف الأقوى للأضعف. أقول "شيئاً من" لأن سياسات الأطراف الضعيفة نسبياًلا تستطيع أن تفرض بشكل كلى ومطلق تحولاً جذرياً وشاملاً فى هيكل الطرف الأقوى. وباللغةالدارجة: تسعى إلى أن يقبل الطرف الأقوى الأمر الواقع، يقبل المنهج الذى يستخدمهالطرف الضعيف من أجل تكريس استقلاله وتحسين وضعه الداخلى ومكانه فى المنظومةالعالمية، الأمر الذى يتجلى فى "تنازلات" من الطرف الأقوى.

ليس هناك إذن"فك ارتباط مطلق"، بل فك ارتباط نسبى فقط. علماً أيضاً بأن"الاستقلال الشامل" لا وجود له فى عالم مشّكل من أطراف مرتبطة بعلاقات تبادلتخلق تبعية متبادلة، ولو غير متساوية.

فظل الاتحادالسوفيتى مصدراً للمواد الخام للأسواق العالمية الرأسمالية. وفى هذه الحدود اضطرأن يتكيف هو لمقتضيات تحكم رأس المال الإمبريالى فى هذه الأسواق.



خامساً: بناءقوة سياسية وعسكرية عظمى

نجح الاتحادالسوفيتى فى رفع قواته المسلحة إلى مستوى قوة عظمى. فألحق الجيش الأحمر الهزيمة بالقواتالنازية، ثم استطاع بعد الحرب العالمية الثانية أن يُنهى فى بضع سنوات احتكار الولاياتالمتحدة للأسلحة النووية والصواريخ.

خلق هذا النجاح"ثنائية عسكرية" اتسم بها النظام العالمى حتى سقوط الاتحاد السوفيتى.ولعبت هذه الثنائية العسكرية دوراً إيجابياً فى ساحة السياسة الدولية، فضمنت لدولالتخوم الآسيوية، والإفريقية، والعربية المشتركة فى كتلة عدم الانحياز، هامشاً للتحركالمستقل دون أن تخشى عدوانًاعسكرياً من واشنطن. فليس من الغريب إذن أن تكون وشنطن قداستفادت فوراً من سقوط الاتحاد السوفيتى لشن حروب عدوانية ضد دول جنوبية انطلاقاًمن عام 1990.

لقد فرض الوجودالسوفيتى السياسى فى الساحة الدولية نوعاً من النظام المتعدد القطبية.

هذا ولم تسعالسياسة السوفيتية إلى إنجاز أكثر من ذلك، أى حماية استقلالها، فلم ترسم لنفسهاهدف "تصدير الثورة الاشتراكية" كما يحلو لوسائل الإعلام الغربية أن تكرربلا ملل.

ظل النظامالسوفيتى نظاماً مستقلاً قاوم المنظومة الرأسمالية العالمية. وذلك سواء اعتبرناهاشتراكى الطابع أم لا.



سمات الرأسمالية فى روسيا بعد السوفيتية

توقف تطورالنظام السوفيتى بعد انتصار ثورة 1917 عند مرحلته الأولى، مرحلة "اشتراكيةالدولة" التى أسس قواعدها لينين ثم ستالين. ثم تحجر النظام عند هذه النقطةحتى أخذ يميل إلى أن يتحول إلى رأسمالية الدولة فى عصر برجينيف.

ألجأ هنا إلىمفهومين تناولت توضيح مضمونهما فى مقالى المعنون "الوحدة والتعددية فى الحركةنحو الاشتراكية" وأطلقت اسم الـ "رأسمالية دون رأسماليين" على هذاالنظام فى وصفى لتحجره قبل السقوط.

روى برجنيفصعود طموحات الطبقة القائدة المستفيدة من النظام ("النومنكلا تورا") إلىأن تحول أعضاؤها إلى رأسماليين أصحاب الملكية على نمط بورجوازية الغرب، ثم اعتمد يلتسينوجورباتشوف على هذه الطبقة من أجل إنجاز "الإصلاحات" المزعومة تحت عنوانجذاب: "إعادة هيكلة النظام وإضفاءه الشفافية".

أثبتت التطوراتالتى تلت فراغ الشعار الذى اختفى وراءه مشروع إسقاط النظام بحاله، لتحل محلهرأسمالية منفلتة لصالح بورجوازية خرجت من صفوف النومنكلاتورا.

هل ارتكب يلتسينوجورباتشوف جريمة "الخيانة"؟

ليست إجابتىبالنفى، إذ إن سقوط الاشتراكية المزعومة (فى واقع الأمر سقوط رأسمالية الدولة)صاحبته بالضرورة ردة فاحشة فى مجال الحفاظ على ما يمكن تسميته "المصالحالوطنية" لشعوب الاتحاد السوفيتى. فانفجر الاتحاد وأصبحت الجمهوريات المكونةله دولاً تابعة تكاد تكون نيوكولونية بالنسبة إلى بعضها مثل دول البلطيق. ودخلتروسيا نفسها فى نفق لم يظهر بعد نور المخرج منه.

اعتمدت خطةالإمبريالية- باشتراك يلتسين وجورباتشوف فى تنفيذها– على تبنى وصفة "العلاجبالصدمة"، التى صممتها رأسمالية الاحتكارات الغربية من أجل تدمير فورى وشامللمؤسسات الدولة بحيث يصبح المجتمع عاجزاً فى مواجهة الهجوم المنهجى المخطط.

وقد ساهمتقطاعات واسعة من البورجوازية الروسية، ومثيلاتها فى الجمهوريات المستقلة الجديدة،فى تنفيذ البرنامج، بل قبلت أن تتحول إلى بورجوازيات كومبرادورية لمعرفتها أن هذا هوثمن إثرائها السريع. وترتب على تضافر هذه العوامل إقامة نظام رأسمالى هش الهيكل،يتسم بالسمات التى سنتناول وصفها فيما يلى.



أولاً: تحول روسيا إلى وضعية تخومية فى النظام الرأسمالىالعالمى المعاصر:

تميل المنظومةالإنتاجية الروسية إلى أن تنحصر فى قطاعات إنتاج المواد الخامة للتصدير- ومنهاالنفط والغاز بصفة رئيسية- فلم تقم الحكومة بإصلاح القطاعات الصناعية والزراعية وهىقطاعات لا يهتم بها رأس المال الدولى ولا البورجوازية الكومبرادورية الجديدةالمحتكرة للسلطة العليا.

وتعانى هذهالقطاعات من شح الاستثمار المخصص لها. بالإضافة إلى إن الحكومة سمحت بتدميرالتعليم والقدرات الإبداعية التى كان النظام السوفيتى يحافظ عليها حفاظ العين. كاننمط التعليم السوفيتى- لا سيما التعليم العلمى- يُعتبر من أرقى ما أُنجز عالمياً. وقدتم تدمير هذا الإنجاز بأسلوب منهجى صممه "خبراء" أمريكان.

من المسئول عنالكارثة؟ الطبقة الحاكمة التى فُتحت لها أبواب الإثراء الفورى من خلال نهب الملكيةالعامة. ولا سيما القسم من هذه الطبقة الذى استولى على الكومبينات السوفيتيةالعظمى فى استخراج النفط والغاز. فشكل هذا القسم نواة الأوليجاركية الجديدة، علىنمط بلاد الجنوب المنتجة لمثل هذه الثروات من أجل التصدير. فأصبحت الدولة الروسيةبمثابة دولة ريعية تعتمد ميزانيتها على الريع ولا غير. وخضع الإصلاح الضريبى"لنصائح" البنك الدولى فتم تخفيض نسبة الضرائب المحصلة على أرباح الشركاتإلى 17% فقط، فى مقابل ما يتراوح بين 40 و30% فى الدولة الغربية! وكذلك أُلغيت أو تكادالضرائب على الأرباح الموزعة ونسبتها فى روسيا هى أيضاً 17%، فى مقابل ما يتراوحبين 70 و40% فى الدول الغربية!

ثم تم تفكيكالصناعات التحويلية وبيع أقسام منها بأثمان رمزية لا صلة لها بالقيمة الحقيقيةللأصول العينية (نموذج بيع القطاع العام فى مصر مبارك ومرسى!) وذلك لإقامة"منشآت" تعمل من الباطن لصالح الاحتكارات الأجنبية التى تمتص الفائضالمنتج فى نشاطها. أى بعبارة أخرى تبنت روسيا أسوأ نمط من أنماط التبعية الجديدة.

والوضع أسوأ فىالجمهوريات الأخرى للاتحاد السوفيتى السابق، فأصبح رأس المال المالى يحكم اوكرانياكما يحكم مستعمراته الأخرى فى أوروبا الشرقية (بولندا، دول البلطيق، المجر الخ).وتقوم "منظمات غير حكومية" تمولها بسخاء أجهزه الإمبريالية بتنظيم"مظاهرات" تدعو أوروبا لتولى أمور إدارة الدولة.

ويعتمد نظامالسلطة على طبقة "وسطى" جديدة نشأت مع التحول الكومبرادورى. تتشكل هذهالطبقة من موظفين يقبضون مرتبات مرتفعة وظيفتهم خدمة الكومبرادور فى إدارةأعمالهم.

تختلف أوضاعروسيا الموصوفة هنا عن الصين التى رفضت "العلاج بالصدمة" وحافظت علىاستقلال رأسمالية دولتها ولم تسمح بتحويل صناعاتها إلى منشآت تعمل من الباطن لصالحرأسمال الاحتكارات الإمبريالية (يستطيع القارىء أن يرجع هنا إلى ما كتبته فىالدراسة المعنونة "الصعود الناجح: الصين"، المنشورة فى كتابى "ثورةمصر بعد 30 يونيو").

يبدو أن بوتينقد بدأ يدرك مدى التدمير الذى أصاب اقتصاد روسيا ويبدو أنه ينوى اتخاذ مبادرات منأجل إصلاح الأوضاع. سوف نتناول نقاشها فيما بعد.



ثانياً سلطةأوتوقراطية غير مسئولة

يحول نمطالرأسمالية الروسية دون تقدم ديموقراطى، وليس استمرار الممارسة الأتوقراطيةتعبيراً عن "بواقى الماضى"، بل تعبيراً عما تقتضيه ممارسة سلطةالأوليجاركية الكومبرادورية الجديدة. وفى هذا الإطار أقام دستور 1993 نظاماً رئاسياًيخفض سلطات الدوما (البرلمان المنتخب) إلى ما يقرب الصفر.

تتجاهل وسائلالإعلام الغربية– عمداً- هذه الحقيقة. فلا تدين النظم التى تتبنى الوصفة الليبراليةبنقص الديموقراطية، وتدينها فقط إذا سارت فى سبيل آخر.

يحل الفرق بينأساليب الأتوقراطية الجديدة وسابقتها السوفيتية فى مجال آخر. فتخدم الأتوقراطيةالجديدة مصالح الأوليجاركية الكومبرادورية الجديدة. وانعكست النزاعات بين أطرافهذه الأوليجاركية داخل نظام الحكم. فأصبح كبار موظفى الدولة أطرافاً فى هذهالنزاعات من أجل استخلاص فوائد مالية فى مقابل تحيزهم لطرف أو آخر. ويعتبر هذاالوضع أهم مصدر "للفساد". وقد رأينا فى بعض الأحوال عناصر منالأوليجاركية يدعون "الغرب" لإنقاذهم باسم الديموقراطية طبعاً!

اندرجت سياسةبوتين فى مرحلتها الأولى فى هذا الإطار. فاستخدم الرئيس تلك الوسائل ذاتها من أجلوضع أصدقائه من حلقات سان بترسبورج (وهى قاعدته الأصلية فى انطلاقه) فى وظائفقائدة. وسوف نرى فيما بعد إذا كان هناك احتمال أن يعيد بوتين النظر فى هذا المجال،بعد استقراره فى السلطة.

يشارك"الشعب الروسى" فى مسئولية الانهيار. علماً بأنه وجد نفسه فى اضطراب بعدانهيار المؤسسات السوفيتية التى كان قد تعود على التعامل معها. ولكن النظام الجديدهو الذى يحمل المسئولية الكبرى فى نهاية المطاف. فلجأ هذا النظام إلى استخدامالعنف لتدمير ما تبقى من مؤسسات العصر السوفيتى حتى ضرب بالمدافع أول برلمانمنتخب!

ولم يكن"اليمين" الجديد قادراً على تخطى حدود تكوين جماعات صغيرة ترعد بالضوضاء(وعلقت وسائل الإعلام الغربية على هذه الضوضاء أهمية لا تستحقها!).

ولا يزال هذااليمين- إلى الآن- عاجزاً عن خلق حزب سياسى بالمعنى الصحيح. كما أنه لم يصبحقادراً على بلورة مشروع بديل للسوفيتية يكون متماسكًا ومقنعًا، يصاحبه خطابأيديولوجى جاذب.

فظل هذا اليمينأسيراً لبيروقراطية السلطة، ومضطراً إلى الاعتماد على مساندتها لتحقيق أهدافه من نمطشبه رأسمالى فى روسيا، مثل ما أسميته فى ظروف مصر: النمط المنحط لرأسماليةالمحاسيب.

ظل الحزبالشيوعى يتمتع بدرجة من الشعبية، الأمر الذى انعكس فى قدرته على جمع نصيب محترم منالأصوات فى الانتخابات الأولى. إلا أنه ظل متجمداً، دون تجاوز حدود الشعاراتالدجمائية، الموروثة، وبالتالى ظل عاجزاً عن مواجهة التحدى الجديد. وشجع هذا العجزخشيته وخجله حتى أنه قبل تنازلات- مثل مساندته لدستور 1993- لم تكن الموافقة عليهافى مصلحته.

ثم ظهر علىيسار هذا الحزب مجموعات "ماركسية" مجددة ولكن هذه المجموعات هى الأخرىلم تخرج– إلى الآن- من عزلتها فى حلقات "نقاش" دون كسب جماهيرية.



ثالثاً: تفككنظام "الطائفية"

كان من المحتمل أن تقوم النقابات– فى غياب الحزب الشيوعى- بدور فعال، على الأقل منأجل حماية الإنجازات الاجتماعية المحققة فى ظل نظام الطائفية السوفيتية السابق.وفعلاً استمرت الجماهير تثق فى نقاباتها، على الأقل خلال العقد الأول للنظامالجديد، أى التسعينيات.

ثم ارتكبتالنقابات ما يبدو لى خطأ جسيماً. فتصورت إمكانية استمرار نظام الطائفية القديمالذى كانت طرفاً فيه. وقد شجع موقف العديد من كوادر إدارة الاقتصاد السوفيتىالسابق دوام هذا التخيل. فوقف هؤلاء الكوادر مع عمال المنشآت المعنية فى مواجهةنهب القطاع العام.

وذهب البعضمنهم- مع كوادر نقابات- إلى تصور حل على نمط الاشتراكية الديموقراطية الغربية، أىإقامة مؤسسات ثلاثية الأطراف (أصحاب رأس المال، الدولة، النقابات) تقوم بمفاوضاتبينية حتى تصل إلى قرارات جماعية فى مختلف القضايا التى تمس إدارة المنشآت والشئونالاجتماعية (شروط التوظيف والعمل، الأجور، المعاشات الخ). ولعل هؤلاء تجاهلوا إنأيام الأسلوب الاشتراكى الديموقراطى المذكور قد فاتت فى الغرب نفسه.

لم تمنع خشيةالنقابات وخجلها صعود النضال الطبقى الذى تجلى فى إضرابات متكررة قوية. على أن هذهالمبادرات ظلت "تلقائية" فى معظم الأحوال – ونتاج لقرارات صادرة منالقاعدة دون موافقة قيادات النقابات- وعاجزة عن دفع النقابات لإصلاح نفسها أو– فىغياب حدوث ذلك- عن إنشاء نقابات بديلة.

أدى تضافر هذهالعوامل السلبية إلى ردات متواصلة لوجود النقابات فى الساحة، كما حدث فى الغربأيضاً، ولنفس الأسباب.



رابعاً: صعودطموحات إقليمية منفلتة

أنتج سقوطالنظام السوفيتى ظروفاً ملائمة لانفجار طموحات إقليمية منفلتة. ولئن كانت هذهالطموحات موجودة فى ظل النظام السوفيتى، إلا أن السلطات بذلت المجهود المطلوب بروحمن المسئولية، كى لا تنفلت الأمور باللجوء إلى التفاوض (لعله"المساومة") مع القوى المعنية، والعنف إن لزم الأمر.

تبخرت روحالمسئولية. وصارت كل فئة تدفع مصالحها الخاصة دون اعتبار للمصالح الأعلى. بل أخذتتكتلات الأوليجاركية تستغل الطموحات الإقليمية عندما وجدتها تفيد مصلحتها.

ليست الحركاتالإقليمية فى روسيا "قومية" (أو "دينية") الطابع بالضرورة.فهناك على سبيل المثال طموحات إقليمية فىأماكن نائية فى سيبريا بالرغم من كون سكانها من الروس. ولكن هناك أيضاً حركاتإقليمية ازدهرت على أرضية مطالب قومية، لاسيما فى المناطق الإسلامية (مثل إقليمالشيشان). واستغل العدو الإمبريالى (الولايات المتحدة) المناسبة للتدخل السافر فىشئون روسيا الداخلية. ثم لجأت السلطة المركزية الروسية إلى استخدام العنف فىمواجهة هذه الحركات واستغلت عمليات الإرهاب التى باشرتها بالفعل بعض هذه الحركاتلتبرير رد الفعل العسكرى.

هناك إشاراتتوحى أن بوتين بدأ يدرك خطورة الموقف. ولاسيما أن العديد من محافظى الأقاليمالمنتخبين طبقاً للدستور قد أصبحوا أطرافاً فى الحركات الإقليمية. فأصدرت الرئاسةقانوناً يتيح لها حق تعين موظفين (أسمتهم "مديرى الأقاليم") لهم حق الفيتوضد قرارات المحافظين. مرة أخرى لا يتجاوز هذا الحل حدود ممارسة الأتوقراطية تفادياالبحث عن حلول صحيحة من خلال التفاوض.



خامساً : غيابروسيا (مؤقتاً؟) فى الساحة الدولية

دعت القوىالإمبريالية العظمى الممثلة فى "مجموعة السبعة" روسيا للاشتراك فىمجالسها (فأصبح المجموعة مكونة من ثمانية) وذلك بعد سقوط النظام السوفيتى بقليل.

ولا تزال هذهالمشاركة رمزية، دون أن يكون لها أى تأثير فى مواقف السبعة. فبينما تم حل اتفاقيةوارسو العسكرية لا يزال الناتو قائماً، بل صارت ممارساته أكثر استفزازاً وعجرفة.وكذلك قُبِل انضمام روسيا لمجموعة السبعة على أساس تبنيها مبادىء الليبراليةالاقتصادية دون تحفظ.

إلا أن تطورالأمور جعل قيادات روسيا تدرك خطورة الحال. إذ إن حضور روسيا فى مجموعة الثمانية(والمفروض أن روسيا أصبحت "صديقاً") لم يمنع الولايات المتحدة وأوروباخلفها من التدخل السافر فى شئون روسيا الداخلية، والقيام بمؤامرات عدوانية لاسيمافى جورجيا ودول وسط آسيا وأوكرانيا.

يبدو أن بوتينقد أدرك أن الغرب لا يزال عدواً لروسيا الأمر الذى يفسر مواقفه الجريئة التىاتخذها فى مواجهة الأزمات الدولية الأخيرة (سوريا، إيران، أوك
.


خامساً : غيابروسيا (مؤقتاً؟) فى الساحة الدولية

دعت القوى الإمبرياليةالعظمى الممثلة فى "مجموعة السبعة" روسيا للاشتراك فى مجالسها (فأصبحالمجموعة مكونة من ثمانية) وذلك بعد سقوط النظام السوفيتى بقليل.

ولا تزال هذه المشاركةرمزية، دون أن يكون لها أى تأثير فى مواقف السبعة. فبينما تم حل اتفاقية وارسوالعسكرية لا يزال الناتو قائماً، بل صارت ممارساته أكثر استفزازاً وعجرفة. وكذلكقُبِل انضمام روسيا لمجموعة السبعة على أساس تبنيها مبادىء الليبرالية الاقتصاديةدون تحفظ.

إلا أن تطور الأمور جعلقيادات روسيا تدرك خطورة الحال. إذ إن حضور روسيا فى مجموعة الثمانية (والمفروض أنروسيا أصبحت "صديقاً") لم يمنع الولايات المتحدة وأوروبا خلفها منالتدخل السافر فى شئون روسيا الداخلية، والقيام بمؤامرات عدوانية لاسيما فى جورجياودول وسط آسيا وأوكرانيا.

يبدو أن بوتين قد أدرك أنالغرب لا يزال عدواً لروسيا الأمر الذى يفسر مواقفه الجريئة التى اتخذها فى مواجهةالأزمات الدولية الأخيرة (سوريا، إيران، أوكرانيا). ولذلك أعتقد أن زمن غياب روسيامن الساحة الدولية قد انتهى.

أتذكر حوارًا جرى بينى وبينبعض المسئولين الروس (اليمينيين) فى أعقاب سقوط النظام السوفيتى. فقال هؤلاء لى(يكاد يكون بالحرف): "خسرنا الحرب، ولكن سوف نكسب السلم، كما أن ألمانيا التىخسرت الحرب لم يمنع هذا صعودها الاقتصادى، فسوف نستفيد نحن أيضاً من تبنى مبادئالليبرالية الرأسمالية بعد أن تخلصنا من الأوهام الاشتراكية الخيالية".

وكانت إجابتى كالآتى:"أنتم لا تدركون اختلاف الظروف. لقد ساعدت الولايات المتحدة ألمانيا علىنهضتها بعد الهزيمة، لأن وشنطن كانت بحاجة لأن تكون ألمانيا قوية فى مواجهة العدوالحقيقى القائم- الاتحاد السوفيتى. ويختلف الأمر اليوم فليس هناك وجود لأى عدويذكر أمام الولايات المتحدة. وبالتالى لا تريد وشنطن مساندة صعود روسيا حتى لاتصبح مرة ثانية قوة عظمى، فالأفضل بالنسبة إليها هو مواصلة تدمير بلادكم".



سادساً: التدهورالأيديولوجى

قامت الأيديولوجيا السوفيتيةالرسمية على تكرار بلا ملل لخطاب "الاشتراكية" إذ كان المصدر الوحيدلشرعية النظام قائماً على ذكر ثورة 1917.

طبعاً كانت الفجوة بينالكلام (حول الاشتراكية) والواقع عميقة. ولكن ليس هذا الوضع شاذا يخص الاتحادالسوفيتى فقط.

فلا تقل عمقاً الفجوة التىتفصل الخطاب الأيديولوجى السائد فى الغرب (ومفاده أن الليبرالية الاقتصادية مرادفةلتقدم الديموقراطية واستتباب السلم عالمياً) عن الواقع. فوظيفة الخطاب الأيديولوجىالمبتذل هى بالتحديد إخفاء الحقيقة.

لجأ الخطاب السوفيتى أيضاًإلى تعبئة الشعور "بالوطنية"- ليس بمعنى الشوفينية بالضرورة. فدعا إلىتكريس وحدة الشعب "وراء زعمائه" فى مواجهة العدو الإمبريالى الرأسمالى.ووجد هذا الخطاب صدى" ملحوظاً لأنه قام على حقائق- العداء للإمبريالية. علماًأيضاً بأن هذا الخطاب قد ساعد الحكام على إخفاء نواقصهم فى إنجاز التقدم الموعود.

وليست هذه الممارسة خاصةبالتجربة السوفيتية. إذ يلجأ زعماء دول الجنوب إلى خطاب وطنى مماثل حول معاداةالإمبريالية لمشروعهم "المستقل".

واليوم، فى ظروف صعود عداءالغرب لروسيا، يقوم الشعور بالوطنية الروسية بدور إيجابى. إلا أن مثل هذا الخطابما زال يؤثر فى الشعب الروسى المشغول بمواجهة النتائج الكارثية للسياسة الليبراليةالتى ينفذها النظام.

فحل خطاب شوفينى بحت محلتعبئة الوطنية الصحيحة. ويغذى الخطاب الشوفينى كراهية الجار ويحمله مسئولية (وهميةطبعاً) المصاعب التى يعانى منها الشعب الروسى. فأصبح المهاجر القوقازى أو الآسيوىيمثل هذا العدو. مرة أخرى ليست هذه الظاهرة خاصة بروسيا. فأصبحت أداة خداع الشعوبفى الغرب "المتقدم" (الحملات ضد المهاجرين) وفى الجنوب"المتخلف" (الحروب الأهلية "الدينية" أو "العراقية"فى الوطن العربى وفى أفريقيا المعاصرة).



خروج روسيا منالنفق؟

توحى قراءة الصفحات السابقةبأن روسيا تعيش عصر أفولها لدرجة بائسة، وأن مبادرات بوتين لقلب الاتجاه لم تأتبثمار تذكر إلى الآن. وهناك ظواهر اجتماعية توحى بأن الأفول لا يتعلق فقط بتدهورالمنظومة الإنتاجية بل يلمس أيضاً المجال الديموغرافى- تعداد سكان روسيا فىالتنازل- الأمر الذى يدل على أن فقدان الأمل فى المستقبل أخذ يتفشى فى المجتمع.

ويستدريج بعضشخصيات اليسار الجذرى الروسى بأن الأفول المذكور مؤقت. ويقوم تفاؤلهم على ملاحظةغياب شرعية نظام السلطة الراهن فى أعين الشعب الروسى، وتشبيه الظروف الراهنة بماكانت عليه روسيا قبل انفجار ثورة 1917. فالمنتظر فى نظر هؤلاء إنما هو انفجار موجةمتكررة لحركة الثورة الاشتراكية، وليس أقل.

أعتقد أن كلتا وجهتى النظرتفتقران للحجة. فمن جانب لم ينجز النظام الرأسمالى الليبرالى الحاكم أهدافهالمعلنة، أى درجة من الاستقرار الاقتصادى والسياسى والاجتماعى تضمن استمراره.وبالتالى تظل الأبواب مفتوحة على تغيرات تمس جوهر الأمور. والمقولة صحيحة بالنسبةإلى روسيا كما هى صحيحة بالنسبة إلى أى منطقة أخرى من الكوكب، بما فيها الدولالمركزية القائدة، وبالأولى دول الجنوب الصاعدة وغيرها.

ومن الجانب الآخر لم تظهربعد- لا فى روسيا ولا فى غيرها من أقاليم العالم- قوة استطاعت أن تقيم الجبهةالواسعة المطلوبة لانقلاب اتجاه التطور العام.

أقول، انطلاقاً من ملاحظتىالمذكورة، إن السؤال الحقيقى المطروح هو الآتى: ما هى الشروط التى تتيح صعود موجةثانية للحركة نحو الاشتراكية؟ علماً بأن هذه الموجة المطلوبة لا يمكن أن تكونتكراراً للموجة الأولى التى حركت الشعوب خلال معظم القرن العشرين. ثم بعد ذلكيمكننا أن نطرح نفس السؤال بصورة ملموسة وخاصة ظروف روسيا الراهنة: ما هى الخطواتالأولى المطلوبة والممكن تحقيقها والتى تدفع الحركة إلى الأمام فى ظروف روسيا؟

تناولت بشىء من التفصيلالوجه الأول– العام- للقضية فى مقالى المعنون "الوحدة والتعددية فى الحركةنحو الاشتراكية". فأرجو من القارىء المهتم بالموضوع أن يرجع إليه. وقد تمركزتملاحظاتى فى القضية حول بيان الجديد الذى يمنع اللجوء إلى الاستراتيجيات التى أتتبثمارها خلال الموجة الأولى (القرن العشرين) والتى لم تعد فعالة فى ظروف القرنالواحد والعشرين.

كما انطلقت من نظرة مجددةلقضية "بناء الاشتراكية"، قائمة على اعتبار أن السير نحو الاشتراكيةيتجسم فى مسيرة تاريخية تمتد على عقود من الأعوام، بينما قامت نظرة القرن العشرينعلى تخيل انتقال سريع للاشتراكية. ثم لفتت النظر إلى تحول هام لطرح القضية نظرياًوعملياً، يمس إشكالية تعددية الأطراف المشتركة فى الحركة نحو الاشتراكية. ويختلفهذا الطرح هو الآخر عن أطروحات ماركسيات القرن العشرين. فرأت هذه الأخيرة أن هناكطبقة واحدة ووحيدة عليها أن تقود وتنجز التحول الثورى إلى الاشتراكية هى البروليتاريا.كما أن بعض فروع الماركسية التاريخية رأت أنه– فى ظروف مجتمعات تخوم المنظومةالرأسمالية المعولمة- يمكن أن تقوم البورجوازية الوطنية (أو الدولة الوطنية)بتحقيق أهداف مرحلية أولى تنخرط فى التطلع نحو الاشتراكية.

وترسى خلاصة التحليل الذىقدمته فى القضية فى طرح مقولة "المشروع المستقل" ("الوطنىالمستقل") بصفته الخطوة الأولى على الطريق الطويل للاستمرارية. وأقصدبـ"الاشتراكية" مرحلة أعلى فى حضارة الإنسانية تقوم على مبدأ لحم النسيجالمجتمعى على أساس سيادة الديموقراطية، ويحل محل لحمه على أساس سيادة السوق.

ويتجلى مضمون "المشروعالمستقل" المطلوب والممكن فى إقامة "رأسمالية دولة مستقلة" ذاتالتوجه الاجتماعى الشعبى بصفتها الخطوة التى تفتح الباب لتطويرها إلى"اشتراكية دولة" ثم بالتدريج إلى تقدم الأخيرة نحو الاشتراكية.

كيف يمكن ترجمة هذه الخطوطالعامة إلى برنامج عمل ملموس فى ظروف روسيا اليوم؟

لقد ناقشت أطروحاتى فى هذاالمجال فى موسكو عام 2013 بشىء من التفصيل مع عدد من الرفاق الروس. ودون أن أجرؤعلى القول بأننا "اتفقنا بالضرورة وبالتفصيل" أقول إنه قد بدت لى موافقةشملت النقاط الأساسية الآتية:

1- الخروج من سيادة انفرادنمط الملكية الخاصة فى إدارة الاقتصاد وإحلال سيادة "رأسمالية دولةمستقلة" محله.

يقتضى تنفيذ المشروع البديلالمذكور العودة إلى تأميم أهم قطاعات الإنتاج الروسى التى يملكها حالياً أعضاءالأوليجاركية بصفتهم أصحاب ملكية خاصة. وتشمل هذه القطاعات النفط والغاز بصفةخاصة، وأيضاً قطاعات صناعية هامة مختلفة. وذلك دون إلغاء مبدأ الملكية الخاصة بشكلعام، بمعنى احترام سيادة هذه الملكية فى أنشطة إنتاجية متعددة. بكلمة أخرى بناء"اقتصاد مختلط".

2- الخروج من سيادة تحكمالسوق فى إدارة المنشآت تحكماً مطلقاً، وتعويضه بالعمل بمبدأ التفاوض بين ثلاثةأطراف: أصحاب القرار (سواء كانوا موظفين يديرون القطاع العام أم أصحاب رؤوسالأموال الخاصة)، العمال المستخدمون فى القطاع المعنى، الدولة (أو السلطاتالمحلية).

ويقتضى تنفيذ المشروع إبداعالإطارات المؤسساتية المناسبة على جميع الأصعدة من مستوى المنشآة إلى مستوى القطاعوالإقليم، ثم إلى مستوى الوطن والدولة. وتمثل هذه الخطوة عاملاً فاعلاً ومتحكماًفى دفع رأسمالية الدولة لتحويلها بالتدريج إلى اشتراكية الدولة.

3- الانعتاق من سيادة مبدأانسحاب الدولة من مجالات الخدمات العامة ونقل مسئولية إدارتها إلى رأسمال المالالخاص، وتكريس قيام الدولة بإدارة الخدمات المذكورة (التعليم، الصحة، الإسكان،الضمان الاجتماعى... الخ). ولا سيما بالنسبة إلى روسيا العودة إلى النظم التى أعطتللاتحاد السوفيتى سبقاً وتفوقاً على صعيد عالمى (لا سيما فى مجالات التعليم).

وتفترض العودة إلى قيامالدولة بدورها القائد فى هذه المجالات إصلاحاً جذرياً فى النظام الضريبى بحيث توفرالحصيلة الضريبية الموارد المطلوبة بالإضافة إلى خروج الدولة من التبعية الريعيةفى تمويل أنشطتها.

أقول إن النظام الراهن-القائم على تحديد نسبة خفيفة (17%) للضرائب وتعميم هذه النسبة (أى النظام المسمىبالإنجليزية flat tax الضريبة الموحدة الخفيفة)- هو أسوأ نظام ضريبى يمكن أن يكون، أىعلى مستوى العالم! وطبعاً نصح البنك الدولى العمل بدعوى أنه يجعل روسيا مكاناًجذاباً للاستثمار الأجنى!

وبالفعل هو نظام جذاب، يحولالصناعة الروسية إلى منشآت تعمل من الباطن وتتيح امتصاص أرباحها لصالح رأس المالالإمبريالى. ولكنه نظام مدمر يسبب نمط تنمية رثة ولا غير.

4- اتخاذ إجراءات تدفعالديموقراطية إلى الأمام، ولا تنحصر الوصفة هنا على إجراء انتخابات صحيحة فقط. بليتوج قبل ذلك بخلق مناخ ديموقراطى فى المجتمع. الأمر الذى يفترض سن قوانين تتيححرية تنظيم الأحزاب والنقابات والمؤسسات الأهلية، بل تشجيع ازدهارها بتوفير دعملها إن لزم الأمر.. الخ.

تمثل هذه الإجراءات الوسيلةالوحيدة التى تفتح مجالاً لتقدم مقرطة المجتمع السياسى. وليست هذه مشكلة خاصةبروسيا. فلا يختلف الأمر عالمياً. فقد تسببت عقود من سيادة رأسمالية الدولة فىروسيا وفى بلدان أخرى، وعقود من سيادة رأسمالية "الموافقة التامة" فىالغرب ثم عقدين أو ثلاثة من سيادة الرأسمالية الليبرالية المنفلتة، تسبب ذلكالتاريخ فى تنويم الوعى السياسى وطمس الثقافة السياسية على صعيد عالمى، فى البلدانالمتقدمة والمتخلفة على قدم المساواة.

فلا ينفع إجراء"انتخابات" فورية فى هذه الظروف، بل يحتاج الأمر إصلاح الوضع قبل ذلكلخلق مناخ وممارسات ديموقراطية حقيقية حتى يرتفع مستوى الوعى المسيس إلى المستوىالمطلوب. ويتطلب تقدم الديموقراطية مزيداً من الصبر! وينبغى وضع قضية الدستورالروسى فى هذا الإطار.

قطعاً ليس دستور روسيا لعام1993 دستوراً ديموقراطياً، شأنه فى ذلك شأن معظم الدساتير القائمة على مبدأ تفوقسلطة الرئيس (ولو المنتخب!) على السلطات الأخرى (البرلمان). و تتلخص مثل هذه الدساتيرفى أشكالها المتطرفة (وهو وضع الدستور الروسى المعنى وكذلك وضع جميع الدساتيرالمصرية الناصرية وبعد الناصرية ومنها مشروع الدستور الأخير) فى بند واحد مفادهالحقيقى يقٌرأ "للرئيس السلطات"!

بيد أن حل المشكلة لن يأتىمن خلال انتخاب فورى لجمعية وطنية مسئولة تسن مشروع دستور جديد لا فى روسيا، ولافى مصر (وقد أثبتت التجربة التونسية هشاشة الأوهام المعلقة على هذا الأسلوب، بليستحسن تأجيل اتخاذ هذا الإجراء الضرورى فى نهاية المطاف) حتى تخلق ممارسةديموقراطية فعلية على أرضية الواقع الشعبى الملموس وخلال بضع سنوات إنعاش الثقافةالمسيسة.

5- مثلت البنية السوفيتيةالمتعددة القوميات انجازاً تقدمياً ليس فقط بالنسبة إلى الشعوب المعنية (الروسوغيرهم) بل أيضاً على صعيد عالمى. فقدم نموذجاً للمطلوب– مشاركة قوميات مختلفة فىبناء مستقبل مشترك- وذلك مهما كانت نواقصها. علماً بأن هذه النواقص لم تحل فى مجالالتعامل مع قضية القومية- إذ إن النظام السوفيتى قد احترم بالفعل التعددية فى هذاالمجال- بل حلت فى مجالات أخرى تمس إدارة الاقتصاد والسياسى.

وبالتالى أعتبر تفكيكالاتحاد ظاهرة سلبية تاريخياً، جزءًا لا يتجزأ من الكارثة. أقول أكثر من ذلك:"إن القوى (الرجعية) التى طالبت بالاستقلال المزعوم لم تتمتع فى لحظة سقوطالاتحاد بمساندة شعبية واسعة كما قيل، خاصة كما قال به الإعلام الغربى الكاذبوالمخادع وفُرض الاستقلال غير المطلوب على جمهوريات آسيا الوسطى. وقد سعتالأوليجاركية الروسية من وراء هذا القرار منها إلى التخلص من "عبءالمعونة" المصممة من الداخل فى هيكل النظام الاقتصادى السوفيتى كما ذكرت. وفىبعض الجمهوريات الأخرى- أوكرانيا، الدول القوقازية- طرحت قطاعات من الأوليجاركيةالمحلية ولا الشعوب المعنية هذا المطلبومولت أجهزة الإمبريالية بسخاء –ولا تزال فى أوكرانيا حالياً- المؤامرة كما أنالإعلام الغربى ضخم صور "الانتفاضات" من أجل الاستقلال تضخماً فاحشاًَ.

على أنه– بعد الحصول على"الاستقلال"- ازدهرت أوهام فى صفوف الجماهير تعلق آمالاً على"معونة" غربية تحل محل الدعم السوفيتى السابق بل تتفوق عليه. وطبعاً لميحدث ذلك، حدث العكس تماماً: دفع مشروعات الإمبريالية لنهب ثروات الجمهورياتالمعنية.

لعل الظروف بدأت تتغير منهذه الوجهة ويلاحظ عودة "الحنين" لأيام الاتحاد، حتى فى دول البلطيق.

آن الأوان إذن لفتح مجاللإعادة بناء نوع من التقارب، وربما أكثر، بين الجمهوريات الجديدة وروسيا، وفتحمفاوضات من أجله ويفترض دفع استراتيجيا فعالة فى هذا المجال.



أولاً : تجنبتصور العودة إلى إقامة سلطة مركزية (على صعيد الاتحاد المجدد أو التحالف المقيدباتفاقية دولية بين الأطراف) على نمط الاتحاد السوفيتى السابق. الأمر الذى يتطلبمن الطرف الروسى أن يدرك سلامة مخاوف الشعوب الأخرى بسبب غياب التوازن بينهم. فلاتخص هذه المخاوف روسيا فقط، إذ نجد تحفظات متماسكة فى المفاوضات حول التعاون بينالبرازيل– الدولة القارية- وبوليفيا.

ثانياً : تجنب منطق"السوق المشتركة" فى بناء العلاقات الجديدة بين روسيا والجمهورياتالمعنية، إذ تمثل السوق المشتركة وسيلة تنتج وتعيد إنتاج التفاوت بين أطرافها إذاأقيمت فى الأصل بين أطراف غير متساوية.

تضرب التجربة الأوروبيةالمثل لما يجب تفاديه. فيزعم الإعلام الأوروبى أن الاتحاد الأوروى، أقيم من أجلتخطى تواضع قدرات الدول الصغيرة أو المتوسطة الأوروبية فى مواجهة ضخامة حجمالولايات المتحدة. وبالتالى يقدم صورة قيام النية الأوروبية من أجل تكريساستقلالها الجماعى. واقتنع الرأى الأوروبى، بل الرأى السائد أيضاً فى روسيا وفىالعالم بحقيقة هذا الادعاء. بيد أن الواقع يثبت عكسه تماماً. لم تتح الوحدةالأوروبية المنية على مبدأ السوق المشتركة الموحدة فرصاً للبلدان الأوروبية الأقلنمواً (خاصة فى أوروبا الشرقية سابقاً) لاستعجال لحاقها بالدول الأوروبية الغربية.بل على عكس ذلك فتح أبواب أوروبا الشرقية للنهب لصالح احتكارات الغرب– لا سيماالألمانية. فأصبحت العلاقة بين أوروبا الغربية وأوروبا الشرقية غير متوازنة، شأنهاشأن العلاقات بين الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية. أقول إن الوحدة الأوروبيةأقيمت من أجل تحقيق هذا الهدف بالتحديد، علماً بأن المشروع نفسه لم يدخل فى أى شكلمن أشكال المنافسة مع الولايات المتحدة كما يزعم الإعلام الأوروبى، بل كرس تبعيةأوروبا السياسية والعسكرية التى تتجلى فى قيادة أمريكية للناتو وللسياسة الخارجيةلدول الثلاثية (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان).

لقد أدركت شعوب أمريكااللاتينية ذلك تماماً، ولهذا السبب رفضت مشروع بناء سوق قارية أمريكية الذى طرحتهوشنطن. وهو مشروع مماثل للمشروع الأوروبى! ولكن للأسف يبدو أن الرأى العام فىأوروبا الشرقية وفى روسيا لم يدرك ذلك- إلى الآن.

وبالتالى ينبغى تصور قيامالبديل بالنسبة إلى العلاقات بين روسيا والجمهوريات المعنية على قاعدة أخرى: بناءتكامل مدروس وموازٍ نتاج تفاوض بين الدول المعنية بحيث يحفظ استقلال رأسماليةالدولة الخاصة لكل أطراف التحالف. ويضرب مشروع ألبا فى أمريكا الجنوبية مثالاًللنمط المطلوب، خارج سيادة علاقات السوق.

6- تكريس استقلالية سياسةروسيا فى الساحة الدولية ودعم قواتها العسكرية. ففى مواجهة مشروع عسكرة العولمةوبسط السيطرة الأمريكية العسكرية على الكوكب، ليس هناك بديل لتكريس مبادىء احترامالسيادة الوطنية فى المجالات الدولية ودعمها بالقوة العسكرية على قدر التحدىالإمبريالى.

وبعد هذا العرض المفصل لمايبدو لى مكونات البديل بالنسبة إلى روسيا علينا أن ننظر فيما إذا كان يتواجد فىالكيان المجتمعى الروسى قوى تدرك مغزى التحدى وتدفع خياراتها السياسية فى سبيلانجاز الأهداف المحددة.

كانت الحكومة التى رأسهابريماكوف لمدة قصيرة خلال التسعينيات قد شرعت فى سبيل الإصلاح واتخذت بعضالمبادرات– ولو المتواضعة- فى الاتجاه المطلوب. ولكن الأوليجاركية استطاعت أنتتخلص من بريماكوف.

ثم بعد مضى سنوات ظهرت مرةأخرى إشارات تدل على أن بعض أقسام من الطبقة السياسية الحاكمة (ولا بد من التمييزبين هذه الطبقة المسئولة عن إدارة السياسة وبين الطبقة الحاكمة فى المجالالاقتصادى، بالرغم من التحالف الذى يربطهما مع بعض) أصبحت تدرك مدى الكارثة. ويبدوأن بوتين ينتمى إلى هذه المجموعة واستغل الفرصة للصعود فى سلم السلطة. فتوجهتقيادة بوتين توجهاً جديداً فى ثلاثة مجالات هى:



أولاً: السياسةالخارجية. فقد أخذ بوتين درساً من موافقته السابقة على تدخل الإمبريالية فى ليبيا(بامتناعه عن استخدام حق الفيتو ضد هذا التدخل فى مجلس الأمن). والتالى معروفوواضح. وأدرك أن الإمبريالية لم تزل تمثل الخطر الرئيسى على صعيد عالمى. فلم يكررالخطأ عندما انفجرت أزمة سوريا. هكذا عادت روسيا تحتل مكانة دولة عظمى فى الساحةالدولية.



ثانياً: فى مجالإعادة بناء تحالف مع الجمهوريات السوفيتية سابقاً، قاوم بوتين مشروعات الإمبرياليةفى الاستيلاء على هذه الجمهوريات، لا سيما فى جورجيا وأوكرانيا.

الأمر الذى أدى إلى إعلان مايكاد حرباً إعلامياً غربياً ضد "الديكتاتورية" وتدين "القيصرالجديد" وضد الطموحات الإمبريالية الروسية إزاء الجمهوريات المعنية الخ..



ثالثاً: فى مجالإعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية الروسية. شن بوتين معارك ضد بعض عناصرالأوليجاركية- وليس ضد الأوليجاركية بجمعها بصفتها طبقة حاكمة اقتصادياً.

والأسئلة التى تطرح نفسهاالآن هو الآتى:

هل ينوى بوتين فعلاً قلبميزان القوة وإعادة بناء نوع من رأسمالية دولة مستقلة؟

هل لديه استراتيجية (ولو"سرية") لتحقيق هذا الهدف؟

ما هى شروط نجاحه إذا كانهذا هو هدفه الحقيقى؟ ما هى القوى الاجتماعية فى داخل روسيا التى يمكن أن يعتمدعليها فى مشروعه؟

من هم الأعداء الحقيقيونوالحلفاء المحتملون فى الساحة الدولية؟

تصعب الإجابة على هذهالأسئلة على الأقل بالنسبة لى شخصياً. لعل بعض الرفاق فى روسيا الذين يدركون مدىالتحدى والذين يعلمون كيف تتحرك القوى الاجتماعية فى الساحة الروسية سوف يقدمونإجابات أفضل.

أقول بهذا الصدد –ومن حيثالمبدأ- إن نجاح مشروع إعادة بناء رأسمالية دولة مستقلة يفترض كسب مساندة"الشعب" بالمعنى الواسع للكلمة. أقول إن هذا المبدأ لا يحكم فقط مستقبلروسيا، فهو مبدأ يحكم أيضاً نجاح مثل هذا المشروع فى أى بلد آخر من الكوكبالمعاصر.

لن أكرر هنا ما سبق أن كتبتهبهذا الصدد حول ضرورة إعطاء مشروع رأسمالية الدولة طابعا "اجتماعيا"تقدميًا (ولا أقول طابعه "اشتراكى").

الأمر الذى يتطلب بدورهإجراء إصلاحات تتيح المشاركة للأغلبية الكبرى من الطبقات الشعبية فى فوائد التنميةالاقتصادية، فلن يقتنع الشعب بمساندة "مشروع وطنى بحت" يتجاهل مشاكلهتجاهلاً شاملاً

وتأتى بعد ذلك إشكاليةالتحالفات الخارجية التى يمكن من خلالها دفع مشروع التنمية الوطنية المستقلة.

سادت- ولا تزال تسود- أوهامخطيرة بهذا الصدد، فى روسيا وفى العالم. فيعلق البعض آمالاً على"أوروبا"- كما هى أى الاتحاد الأوروبى- وما زال العديد من "رجالالسياسة" -لاسيما فى حلقات "الخبراء" فى الشئون الدولية- مقتنعينبجدية كلام أوروبا عن نفسها: أن المشروع الأوروبى يسعى إلى نشر الرفاهية والديموقراطيةوضمان السلام، فيتجاهلون الواقع: اصطفاف أوروبا وراء مشروع بسط الولايات المتحدةسيطرتها العسكرية على الكوكب. ويستمرون فى تغذية الآمال بأن يكون هذا الاصطفافمؤقتا.

ولقد قامت خيارات أوروباالشرقية- عندما قررت الانضمام إلى الاتحاد الأوروبى- على أساس هذه التخيلات التىيكذبها واقع الأمور.

وكذلك قامت دعوة جورباتشوفإلى بناء "البيت الأوربى المشترك" على نفس الأوهام. وكانت الحجج المقدمةبهذا الصدد بسيطة. أولاً: تشارك روسيا وأوروبا فى "الثقافة""والإرث التاريخى" ("أوروبا المسيحية"؟). علماً بأن الكلام عن"أمة أوروبية" (لا وجود لها فى الواقع) لا يختلف كثيراً عن الكلامالموازى عن "الأمة الإسلامية" (التى هى الأخرى لا وجود لها).

ثانياً: إن روسيا غنيةبالثروات الطبيعية التى تحتاج أوروبا إليها –لا سيما البترول والغاز- وتمثل أرضيةللتفاهم فى صالح الطرفين.

لقد تناسى هذا الخطاب البسيطلدرجة السذاجة أن "أوروبا" تشكيلة اجتماعية تقودها طبقات اجتماعيةحاكمة. تمثل مصالح رأسمال الاحتكارات الإمبريالية. وفيما يتعلق بالبترول والغازبالتحديد فقد طورت أوروبا فى الحقيقة استراتيجيات تسعى إلى الاستغناء عن استيرادهامن روسيا. ومنها مشروعات تحويل أنابيب آسيا الوسطى والقوقاز دون مرورها عبر روسيا.

لئن اقتنع غرباتشوف بما قال،إلا أن بوتين يبدو واعياً بمغزى التحدى وحقيقة طابع أوروبا الإمبريالية حليفةالولايات المتحدة.

بيد أن هذا"الوعى" الواضح" لا يكفى فى حد ذاته طالما لم تُحقق شروط دفع مشروعرأسمالية دولة مستقلة التى ذكرناها فيما سبق.

فطالما لم يتحقق جمع هذهالشروط ستظل تحركات بوتين معارضة ولكن هشة. ويدرك الغرب ضعف مبادرات بوتين فلايقلق منها. ويقول بهذا الصدد "الخبراء" الأوربيون فى شئون روسيا إنتحركات بوتين لن تضع مصالح أوروبا فى خطر. فيظل اقتصاد روسيا فى حالة خراب وتنميتهمهددة.

وتميل الطبقة السائدة-الأوليجاركية- إلى الاعتراف بالأمر الواقع- أى اختلال ميزان القوى فى صالح أوروباوفى غير صالحها- فتحترم ما يقتضيه حتى تضمن استمرار سيطرتها على الحكم وإثرائها.خلاصة القول إن روسيا لن تخرج عن آفاق الدولة الكومبرادورية التابعة.

الكرة الآن فى يدى بوتين: هلهو قادر أن يدرك ذلك؟ هل هو عازم على أن يتخلص من تحكم الأوليجاركية فى شئونروسيا؟ هل هو مستعد أن يدفع ثمن انقلاب الميزان لصالحه من خلال سياسة اقتصاديةواجتماعية تنقض السياسة التى استمر يسير فى سبيلها إلى الآن؟

تمثل دول "الجنوب"ولا سيما الدول الصاعدة التى تسعى هى الأخرى إلى إقامة نظم رأسمالية دولة مستقلة،بديلاً بعد تبخر الأوهام حول أوروبا. وسوف يقوى تكريس تحالفها فى السياسة الدوليةوفى مواجهة عسكرة العولمة موقف روسيا فى الساحة. وتتواجد أيضاً مجالات للتعاونالاقتصادى يمكن استغلال فرصه. وهناك إشارات تدل على صعود الوعى بهذه الإمكانياتظهرت فى سياسة روسيا والصين بالأخص فلا بد من تعميق الفكر والعمل فى سبيل إنجازوعودها اللامعة.