الصندوق وأقاصيص أخرى

عامر هشام الصفّار
2014 / 1 / 16

الصندوق
لم يدر بخلده أنه سيزور بيته البغدادي الذي ولد فيه هذه الأيام. هو الآن يبحث عن صوره الأولى، وعن نصوص مقالات كان يوما يلقيها عبر إذاعة بغداد، وعن ألبومات طوابعه التي تركها في صندوق خشبي طرّزته نقوش ملونة. كان يجمع في الصندوق كل ما يهفو أليه فؤاده حتى قصاصات ورق خطَّ عليها يوما كلماته الأولى في الحب.
الصندوق مفتوح الآن، وتذكرة العودة الى بلد المهجر ما زالت في حقيبة السفر.

الحَدَث
سينهض متثاقلا هذا الصباح. يعلم أن مدير المستشفى سيدعوه لحضور حفل أفتتاح قسم الطواريء الجديد. سيستقل سيارته وسيمّر كالعادة في الشارع المؤدي الى جامع أم الطبول البغدادي. سيلبس صدريته البيضاء الطويلة وسيبتسم للصورة، وقد يطلب منه المدير أياه أن يلقي كلمة بالمناسبة. سيقول عنه زملاؤه أنه طبيب مكافح، وأنه صبور.
ما لم يكن يتوقعه هو أن جريدة الصباح ستنشر صورته موشحة بالسواد بعد أن قصده تفجير لعين.

جلسة
الساعة تقترب من السابعة مساءا. بدأت جموع المشاهدين تنتظم في مسرح دار الأوبرا الملكي في حدائق كوفنت في لندن...الشتاء البارد ترك أثره على ملابس الناس، إلاّ إنني ما زلت أرى عددا من الصبايا بجانبي يلبسن ملابس الصيف. فُتحت الستارة هذه اللحظة، وفريق الموسيقى يستعد للبدء في عزف سيمفونية ناتكراكر لجايكوفسكي. راقصات الباليه كالفراشات الملونة رحن يتنقلن من مكان لآخر على شكل حلقات رقص لا نهاية لها. المايسترو يتلوى يميناً ويسارا مع أنغام أوتار العازفين ومليك من بلاد الغال يلبس جلبابا أخضرا ما فتأ يغازل الراقصات. على حين غرّة راحت فراشة بيضاء صغيرة تطير قربي هامسة بأني اليوم أجلس في المقعد الخطأ!.

الغريب
مثل طاووس نسى عشه القديم، جلس سمير في الصف الأول في قاعة المسرح العالمي في كارديف0 الليلة باردة والمسرحية الراقصة ستبدأ بعد قليل. لم يهتم سمير بعنوان المسرحية. أراد فقط أن يغيّر روتين جدوله اليومي0
الناس يملؤن المكان وهو وحده يمنّي النفس بصداقات جديدة.

تحولاّت
مهزوزا هو اليوم...أمامي..يقتعد كرسيه في الردهة وهو بالكاد يحدثني عن كيف شعر ليلة البارحة أنه أصبح مأمورا بعد ان كان آمرا لقطيع من الغنم.. الخروف الأبيض أياه راح يعنّفه ويطلب منه أن يأكل العشب الأصفر..! الخراف كلها راحت تطالبه بدفع الفدية وهو لا يدري في أي أتجاه سيطلق العنان لساقيه..؟ تفصّد جبينه بالعرق وأصابته قشعريرة خوف... خوف من المجهول.. حيث قطيع الخراف سيصبح سيدا على البشر..!