مكانة روزا لوكسمبورغ في التاريخ

توني كليف
2019 / 1 / 11

توني كليف.
ترجمه ‫الى العربية‫:‬ وليد ضو



‫لم يبالغ فرانز مهرينغ، كاتب سيرة كارل ماركس، عندما اعتبر روزا لوكسمبورغ العقل الثاني بعد ماركس‬. لكنها لم تساهم فقط من خلال عقلها وحده خدمة لحركة الطبقة العاملة، إنما قدمت كل ما تملكه، قلبها، وشغفها، وإرادتها القوية وحياتها.

قبل كل شيء، كانت روزا لوكسمبورغ اشتراكية ثورية. وهي تعد من بين القادة الاشتراكيين الثوريين العظيمين ولها مكانة تاريخية خاصة في بلدها.

عندما انتشر الفكر الإصلاحي بين الحركات الاشتراكية التي كانت تطمح فقط إلى تحقيق "دولة الرفاه"، عبر الترقيع مع الرأسمالية، أصبح من الأولى توجيه نقد ثوري لهذه الألعوبة مع الرأسمالية. صحيح أن المعلمين الماركسيين إلى جانب روزا لوكسمبورغ- لينين، وتروتسكي، وبوخارين وآخرين- قادوا معركة ثورية ضد الفكر الإصلاحي. ولكن كانت الجبهة التي يواجهونها محدودة. في بلدهم، روسيا، كانت جذور هذا الفكر هشة وكان يكفيهم مجهود بسيط لاجتثاثه من جذوره. حيث كانت سيبيريا أو حبل المشنقة أحدهما كان مصير كل اشتراكي أو ديمقراطي، والذين كانوا يعارضون استخدام العنف من قبل الحركة العمالية؟ من في روسيا القيصرية كان يحلم بالطريق البرلماني لتحقيق الاشتراكية؟ من كان يدعو إلى تحقيق حكومة ائتلافية، ومع من كان يمكن إجراء تحالفات؟ حيث كانت وجود النقابات يكاد يكون معدوما، بحيث يمكن بذلك التفكير بالحل المناسب للحركة العمالية؟ لينين وتروتسكي وغيرهما من القادة البلاشفة الروس لم يحتاجوا إلى مواجهة الحجج الإصلاحية بتحليل مضن ودقيق. كل ما لزمهم هو مكنسة لكنسها بعيدا إلى مزبلة التاريخ.

في وسط أوروبا وغربها كان للفكر الإصلاحي المحافظ جذورا أعمق، وأكثر من ذلك وسط انتشار هذا التأثير على الأفكار وعلى مزاج العمال. وكانت حجج الإصلاحيين بحاجة إلى إجابة من شخص متفوق، هنا روزا لوكسمبورغ برعت في ذلك. في هذه الدول مشرط روزا كان سلاحا أكثر فائدة بكثير من مطرقة لينين.

في روسيا القيصرية جماهير العمال لم تكن منظمة في الأحزاب أو داخل النقابات. ولم يكن هناك مثل هذا التهديد لإمبراطورية قوية جرى بناءها عبر تصاعد دور البيروقراطية المنتشرة وسط الطبقة العاملة ووسط الحركة العمالية المنظمة تنظيما جيدا في ألمانيا، وكان من الطبيعي أن يكون لروزا لوكسمبورغ وجهة نظر مبكرة وواضحة إزاء دور البيروقراطية العمالية قبل لينين وتروتسكي. لقد فهمت قبل فترة طويلة أن القوة الوحيدة القادرة على كسر سلاسل البيروقراطية هي مبادرة العمال أنفسهم. وكتاباتها حول هذا الموضوع يمكن أن تشكل مصدر إلهام للعمال في الدول الصناعية المتقدمة، وتشكل مساهمة ذات قيمة كبيرة للنضال من أجل تحرير العمال من الفكر الإصلاحي البرجوازي المضر أكثر من أي ماركسي آخر.

في روسيا، حيث كان للبلاشفة دورا واسعا ومهما في تنظيم الاشتراكيين، حتى عندما لم يشكلوا الأغلبية، كما يدل اسمهم، فإن مسألة تصرف أقلية ماركسية إزاء الجماهير، بحيث تقودهم قيادة محافظة للغاية لم يشكل الأمر مشكلة بالنسبة لهم. لكن بقي لروزا لوكسمبورغ، إلى حد كبير، أن تتطور المنهج الصحيح لهذه المسألة الحيوية. ومبدأها الأساسي كان: البقاء إلى جانب الجماهير من خلال نشاطهم ومحاولة مساعدتهم. وقد عارضت مسألة الامتناع عن المشاركة في التيار الرئيسي للحركة العمالية، أيا يكن مستوى تطورها. ونضالها ضد العصبوية كان بالغ الأهمية للحركة العمالية في الغرب، وخاصة في المرحلة الحالية، حيث سياسة دولة الرفاه تعزز هذا الموقف. فالحركة العمالية البريطانية، بشكل خاص، عانت من عصبوية هنري هايندمان وحزبه "الفيدرالية الاشتراكية الديمقراطية"، ولاحقا من الحزب الاشتراكي البريطاني وحزب العمال الاشتراكي البريطاني، ولاحقا الحزب الشيوعي وخاصة (خلال مرحلته الثالثة) واليوم من قبل العديد من الملل، يمكن للحركة العمالية في هذا البلد أن تحصل على الإلهام من روزا لوكسمبروغ خاصة من معركتها المبدئية ضد التيار الإصلاحي بحيث لم تتهرب من خوض هذه المواجهة. وقد علمت أن الثوري لا يمكن له السباحة وسط تيار إصلاحي، ولا يمكن له الجلوس خارجا والنظر في الاتجاه المعاكس، إنما أن يسبح عكسه.

مفهوم روزا لوكسمبورغ لبنية المنظمات الثورية كان يرتكز على أنه يجب بناءها، من الأسفل، وعلى أسس ديمقراطية ثابتة، وبشكل يتناسب مع احتياجات الحركة العمالية في الدول المتقدمة وهو مفهوم قريب جدا من مفهوم لينين لأعوام ١٩٠٢ ١٩٠٤ الذي جرى نسخه وأضيفت عليه نكهة بيروقراطية على يد ستالينيي العالم بأسره.

ولقد فهمت بشكل واضح قبل أي شخص أن بنية الحزب الثوري، والعلاقة المتبادلة بين الحزب والطبقة، سيكون له تأثير كبير ليس فقط على النضال ضد الرأسمالية ولتعزيز قوة العمال، ولكن له تأثير كبير على مصير هذه السلطة نفسها. وقد أعلنت، وبنرة نبوية، على أنه من دون الحركة العمالية الديمقراطية فإن "المسؤولين وراء مكاتبهم" سيحلون مكان العمال في السلطة السياسية. "الاشتراكية"، كما تقول، "لا يمكن فرضها أو تنفيذها بواسطة مرسوم".

مزجت روزا لوكسمبورغ بين الروح الثورية والفهم الواضح لطبيعة الحركة العمالية في غرب ووسط أوروبا، وهذا الأمر جاء بفعل خلفيتها التي جاءت منها بحيث أنها ولدت في روسيا القيصرية، وأقامت لفترة طويلة في ألمانيا، ولنشاطها الواسع وسط الحركة العمالية في بولندا وألمانيا. أي شخص من مكانة أدنى كان سيستوعب فقط ظروف بيئة واحدة من البيئتين، ولكن روزا لوكسمبورغ لم تكن كذلك. فقد أحضرت إلى ألمانيا روحا "روسية"، روح العمل الثوري. وإلى بولندا وروسيا حملت معها روحا "غربية" يعتمد من خلالها العمال ذاتهم من أجل الديمقراطية والتحرر الذاتي.

وكانت لمساهمتها في مسألة تراكم الرأسمال قيمة لا تقدر للماركسية. وفي التعامل مع العلاقات المتبادلة بين الدول الصناعية المتقدمة والدول الزراعية واستنتجت فكرة عظيمة تقول أن الإمبريالية، حيث تستقر الرأسمالية لفترة طويلة، تهدد في نفس الوقت بدفن الإنسانية تحت أنقاضها.

كونها حيوية، ونشيطة وغير قدرية في مقاربتها للتاريخ، التي اعتبرته بأنه ثمرة النشاط البشري، وفي نفس الوقت عرت تناقضات الرأسمالية العميقة، روزا لوكسمبورغ لم تعتبر أن انتصار الاشتراكية أمر لا مفر منه. الرأسمالية، بحسب رأيها، يمكن أن تكون غرفة انتظار نحو الاشتراكية أو البربرية. نحن الذين نعيش مع شبح القنبلة النووية علينا فهم هذا التحذير واستعماله كحافز للعمل.

في أواخر القرن التاسع عشر وفي بداية القرن العشرين غرقت الحركة العمالية الألمانية، بسبب مرور عقود من السلام، بوهم أن هذا الوضع سيدوم للأبد. نحن الذين نسمع النقاشات حول نزع السلاح المسيطرة على اجتماعات منظمة الأمم المتحدة واجتماعات القمة، من الأفضل علينا التعلم من تحليلات روزا لوكسمبورغ حول الصلة الوثيقة بين الحرب والرأسمالية، وإصرارها على أن النضال من أجل السلام لا ينفصل عن النضال من أجل الاشتراكية.

ساهم شغف روزا لوكسمبورغ في الوصول إلى الحقيقة بارتدادها عن الفكر العقائدي. في فترة تحولت فيها الماركسية على يد الستالينية إلى حد كبير إلى عقيدة، ناشرة الخراب على مستوى الأفكار، كانت كتابات روزا لوكسمبورغ منشطة وواهبة للحياة. لم تكن تطيق أن تتحول إلى ساجدة أمام "السلطات المعصومة". وكتلميذة حقيقية لماركس كانت قادرة على التفكير والتصرف بشكل مستقل عن سيدها. على الرغم من استيعابها لجوهر تعاليمه، لم تفقد روحها النقدية إزاء تكرار بسيط لكلماته، تلك التي كانت تغير الوضع أم لا، وسواء كانت [الأفكار] مصيبة أو لا. استقلالية فكر روزا لوكسمبورغ هي أعظم إلهام للاشتراكيين في كل مكان وعلى الدوام. ونتيجة لذلك، لم يستنكر أحد بقوة كما فعلت هي فكرة تأليهها أو تحويلها إلى "سلطة معصومة"، كزعيمة مدرسة للفكر أو للعمل. وهي أحبت صراع الأفكار كوسيلة للاقتراب من الحقيقة.

خلال فترة عندما قام الذين يعتبرون أنفسهم ماركسيين بتدمير الماركسية من مضمونها الإنساني العميق، لم يقم أحد بما قامت به روزا لوكسمبورغ من خلال إنقاذنا من القيود الهامدة للمادية الميكانيكية. بالنسبة إلى ماركس(١) الشيوعية (أو الاشتراكية) هي "إنسانية حقيقية"، "مجتمع تكون فيه التنمية الحرة والكاملة لكل فرد مسألة أساسية". روزا لوكسمبورغ جسدت هذه المشاعر الإنسانية. وتعاطفها مع المظلومين والمقموعين كان دافعا مركزيا في حياتها. مشاعرها العميقة وتضامنها مع معاناة الناس وجميع الكائنات الحية تجسدت في كل شيء فعلته أو كتبته، سواء في رسائلها من السجن أو في كتاباتها العميقة في أبحاثها النظرية.

روزا لوكسمبورغ، مع ذلك، علمت جيدا أن حيث الإنسانية تعيش أقصى درجات التراجيديا فإن الدموع لن تحل شيئا. شعارها، كما شعار سبينوزا، ربما كان "لا تبكِ، لا تضحك، ولكن إفهم"، على الرغم من أنه كان لها نصيبا وافرا من الضحك والدموع. وكانت طريقتها تكمن في الكشف عن اتجاهات التنمية في الحياة الاجتماعية من أجل مساعدة الطبقة العاملة على استعمال امكانياتها بطريقة ممكنة بالتزامن مع التطور الموضوعي. ونادت لتحكيم العقل بدلا من العاطفة.

تعاطفها الإنساني العميق ورغبتها الجادة نحو الحقيقة، وشجاعتها غير المحدودة وعقلها الرائع كل ذلك جعل منها اشتراكية ثورية عظيمة. وكما كتبت عنها صديقتها المقربة، كلارا زيتكن، في نعيها لها:
"مع روزا لوكسمبورغ كانت الفكرة الاشتراكية هي المسيطرة على كل من قلبها وعقلها، شغفها الخلاق المتقد دون توقف. وكانت المهمة الكبيرة والطموح المسيطر على هذه المرأة المدهشة هو تحضير الطريق نحو الثورة الاشتراكية، لشق طريق التاريخ نحو الاشتراكية. أن تعيش تجربة الثورة، وأن تشارك في معاركها، يحقق لها ذلك أعلى درجات السعادة. مع إرادتها، وعزمها، ونكرانها لذاتها، وتفانيها من أجل الكلمات التي هي ضعيفة جدا، لقد كرست حياتها كلها من أجل الاشتراكية. قدمت نفسها من أجل القضية الاشتراكية، ليس فقط من خلال وفاتها المأساوية، ولكن عبر كل مراحل حياتها، يوميا وكل ساعة، من خلال النضال لسنوات عديدة…. كانت السيف الحاد، والشعلة الحية للثورة".

(١) كارل ماركس- الجزء الأول- الصفحة ٦٤٩

هذا النص هو الجزء الأخير من كتيب توني كليف- روزا لوكسمبورغ- الصادر عام ١٩٥٩ في العدد الثاني والثالث لدورية الاشتراكية الدولية‬