الخطاب المخالِف / الضالّ المغضوب عليه !

ليندا كبرييل
2014 / 1 / 13

لم أقترب من القضايا الفكرية إلا بتردد وفي وقت متأخر ، وقد أدهشني أن أخوض في العلمانية مرات عديدة . وفي كل مرة جديدة أكتشف أمراً كنت أجهله ، يجعلني أكثر إيماناً بها كأعظم نصر حققه الإنسان بمعزل عن السماء .
لم نتربَّ في بلد الحرية ، ولو خضْتُ نقاشاً في الديموقراطية فسأكون ( كالأخرس وعامل قاضي ) ، إلا أني بفضل بلد الغربة الذي أعيش فيه ، أدركتُ عظمتها ، كأسلوب حياةٍ ومنهج تفكيرٍ قائم بالأساس على ضمان حقوق البشر .
اليوم أقترب من تخوم موضوع الحرية التي كفلها لنا النظام العلماني ، ردّاً على رسالة وصلتني من أستاذ كبير ما أنا منه إلا طالبة ، ومع علمي أن ( البيضة لا تكسر حجراً ) ، أرى أنه قدّم لي فرصة ذهبية للغوص في بحر عميق قد أخرج منه خالية الوفاض ، إلا أني لا أعدم الأمل في العثور ولو على صدفة واحدة .
تابعْ قراءة مقالي حضرة القارئ إذا أردتَ أن تعرف رأيي في حرية النقد التي نفتقدها في حياتنا العربية ، وإذا رغبتَ أن تعلم كيف أنظر للمختلفين معي فكرياً ، وأخيراً .. في ظلّ الهجوم الكاسح على المسيحية ، كيف أرى دفاع الأستاذ عن رأس المسيحية السيد يسوع المسيح ، في رسالته التي وجهها لي من هذا الموقع الكريم .
أقدّم إليكم سيداً في العلمانية ، وأحد الثقال في الفولتيرية ، الأستاذ غسان صابور المحترم ، وهذا رابط رسالته :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=392244

تفضّل الأستاذ حسن محسن رمضان المحترم بنشر سلسلة بلغتْ حتى الآن سبع عشرة حلقة عن ( تزوير مسيحية يسوع ) ، تعرّض لها الأستاذ صابور بالنقد في مقالين ، احتجّ فيهما على طريقة تناول المعتقد المسيحي والبلاد تلتهب بالحرب الدينية ، مما يساعد برأيه على تأجيج أسباب الصراع .
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=390853
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=391375

وكون الأستاذ صابور لا يسمح بالتعليق في مقالاته ، فقد اضطررتُ لتسجيل رأيي في مقال الأستاذ رمضان ، وإليكم رابطه :
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=391989

وظننت أن الأمر انتهى بمداخلة الأستاذ صابور .. حتى فوجئت بمقاله – الرسالة - ، يتهمني بالتشكيك في ( فولتيريته ) ، وأني أنزع عنه حق الشك ، القاعدة الأولى للوصول إلى الحقيقة ، كما يوجّه الاتهام إلى الأستاذ رمضان أنه لم ينقد الإسلام حتى يتساوى بالحياد الفكري ، ويتابع صبّ الزيت على النار مركّزاً على سيد المسيحية .
تُرى .. لماذا لم يستخدم الأستاذ صابور وهو المفكر اللايقيني ، حقّه في الشك والسؤال والحوار مع الأستاذ رمضان استنطاقاً للحقيقة من وجهة نظره ؟
وهل بإمكانه الاحتجاج على مئات المواقع الكونيّة التي تعجّ بالأقلام المهاجِمة للمسيحية ، فلم يرَ منها إلا موقع الحوار بالذات الذي يتحفنا فيه أساتذة ناشطون بكتابات ( محرقَصة ) ، ولم يجد فيه إلا مقالات الأستاذ رمضان ؟
وما المشكلة في ارتكاز مفكّر على المراجع اليهودية ما دام النقض متاحاً لكل باحث أكاديمي ؟
نحن العرب بحاجة إلى إعادة بناء عقلنا الذي فُطِر ( ويتغدّى ويتعشّى ) على اتهام اليهود واسرائيل عالطالعة والنازلة ، وأصبح له في كل عرس قرص وكلما دقّ الكوز بالجرّة وكلما صاح الديك !
هذا مع العلم أن حكامنا دون استثناء ، وضعوا أياديهم في يد ( العدو ) الصهيوني الإسرائيلي اليهودي ، علناً ومن زمن بعيد ، من تحت الطاولة ومن خلف الستار ، بطريقة أو بأخرى .
لعل هذا الاتهام من قِبَل البعض يساهم في التخفيف من حدة مرض العملاق العربي : الشعور بالانهزام الحضاري المريع أمام القزم الإسرائيلي المتفوق .
وإذا كانت الصهيونية هي المستخدِمة حقاً لهذه الأقلام التي تريد تفجير الأوضاع الدينية ، فإن الحياة غير مستحقة للمغيَّبين .. الحياة موجودة لمنْ يفهم معناها ويقدّرها ، ولمن يستطيع قيادتها وتوجيهها .

وقفت أمام اعتراض الأستاذ صابور على نقد المعتقد المسيحي بتعجب .
ذلك أن النقد بدأ به آباء الدين منذ عصور المسيحية الأولى واختلفوا اختلافاً عظيماً ، ثم تواصل نقضها على أيدي باحثي اليهود والمسلمين ، بل إن أتباع المسيحية أنفسهم نقضوها بشدة ، من بدايات عصر النهضة قبل الأستاذ رمضان وغيره الذين لا يفعلون الآن أكثر من الاستناد إلى تلك الدراسات وإعادة نشرها من خلال رؤيتهم الخاصة للحدث ، وهي في متناول الجميع وليست مخفية في قبو الأسرار .
فهل السيد المسيح في خطر يحتاج إلى الدفاع وإسكات الطرف الآخر تحت دعوى تهييج النعرات الدينية المتأججة في الواقع على طول تاريخنا عدا فترات استثنائية لا يعتدّ بها ؟
ليس هكذا يكون النقد برأيي ، لا سيما أننا ووجِهنا بحملات هجومية ماكرة على السيد المسيح في وسائل الإعلام المرئية ، وفي كتب ومقالات تغطي قارّة بكاملها ، وألسنة ثرثارة تلفّ على بلد بحاله ، وحديثاً في الشبكة العنكبوتية التي وضعتْ كل ما سبق بكفة وهي لوحدها بكفة أخرى .
وأفهم أنه لا يهون النقد على الذين يرون المسيح بطلاً مات في سبيل مبادئه ، وأنا منهم ، إلا أن قيمة عظماء التاريخ ، تنبع من مسلكهم في الحياة ونظرياتهم التي أتوا بها وإنجازاتهم الواقعية ، فآمن الملايين بمناهجهم واتبعوها ، ومع مجيء العلمانية أصبح الدين واقعة تاريخية يحقّ لكل باحث التنقيب في سير الأنبياء وأعمالهم ، ولم يعد حدثاً خارقاً للطبيعة يعلو على الإدراك البشري وفوق القدرة على الدراسة والبحث . فكيف نطالب بحماية الأنبياء من النقد واعتبار مسيرتهم حدثاً ميتافيزيكياً وقد كانت أعمالهم شهادة تاريخية على عصر قد نتفق وقد نختلف عليها ؟
ونحن في عصر الأنترنت التي سلّطتْ أشعتها المقطعية على كل عصيّ عن إدراك علّته ، أسأل :
أية قوة بإمكانها التصدّي للتشريح والتنقيب ( والتسكيت ) حتى لو كانت هذه القوة صادرة من الله نفسه ؟؟؟
لا محذور ولا محظور على كل باحث ومفكر ، ولغة الدروشة لا تعرفها حرية التعبير والنقد ، ولا نستطيع أن نطالب أي كاتب أن يفصّل لنا مقالات على ذوقنا واحترام قناعاتنا ، لأننا لو فعلنا لشاركنا في إسقاط أعظم مبدأ ندعو إليه : حرية الفكر !
الأستاذ رمضان قد يكون متطرف الموقف وقد نختلف معه ، لكنه لا يتعدّى على حق المجتمع ، ولا يدعو إلى قيم العنف والفرقة كما يفعل شيوخ تبرير الإرهاب . إنه كباحث مسلم في سيرة السيد المسيح ، يقوم بنفس العمل الذي يقوم به الباحث المسيحي عندما يتعرّض بالتنقيب في سيرة السيد محمد ، من هنا تصبح مطالبته بالتوقف عن حرية التعبير بمثابة التعدّي على حقه الخاص الذي كفلته له حقوق الإنسان .
غير مفهوم أستاذنا أن تكون لمجرد الإعجاب بالسيد المسيح تريد إسكات صوتٍ ينقده كشخصية دينية تاريخية لها حسنات ومآخذ من وجهة نظر الناقد . أم ترى أنه على الناقد أن يكتب على صفحة الماء لتطمئن القلوب ؟
ولن تكون أكثر غيرة على المسيح من أهل المسيحية أنفسهم الذين استقبلوا عرض فيلم الإغراء الأخير في حياة المسيح بالاستسخاف ، ولم يطالب أحد من رجال الدين في أنحاء المعمورة بوقف العرض . كذلك لم يخرج الرعاع الهمج للتدمير والحرق انتقاماً ممنْ ادعى أن المسيح أكلته الكلاب بعد موته . وغير ذلك كثيييـــــــر .. ليس أقلّه رمي المسيح بالمثلية التي قوبِلت باللامبالاة !
وكيف لا تنظر بعين الاستحسان لمحاولات الفاتيكان رأب الصدع الخطير بين البشر ، بتبرئة اليهود من دم المسيح ، ولمّ شمل الكنائس ، والتوفيق بين الناس ؟ متى سيبرّئ الأزهر يهود بني قريظة وقينقاع المنقوعين في خندق الأحقاد متى ؟ تلك حوادث مضت وانتهت ، ولا نريد أن يعيش أحفادنا المرارات التي عانيناها .
يُعرَف التاريخ برجالاته ، فهنيئاً للبشرية برجل الفاتيكان الأول .. الأمس واليوم ، وطوبى للعقول المتنورة والقلوب الرانية إلى السلام !
المسيحيون ليسوا معاقين وجِب مراعاة مشاعرهم المرهفة .
فالمسيحي قادر على إسقاط الدعوات التي لا تتفق مع وجدانه الديني ، وتذليل التوجهات التي تخالف ما استقرّ عليه العرف العلماني في البلاد الديموقراطية .
نحن المنتسبين إلى منهج السيد المسيح ، ننمو وننشأ في بيئة حرّة متصالحة مع الحياة ، ونستنطق بقدراتنا الذاتية المعارف الدنيوية والأفعال الأخلاقية ، فنقيّمها غير منساقين ببلاهة إلى المشاعر البدائية ، باحثين دوماً عن الجديد المعمّر للكون والإنسان .
ننفتح على السؤال والتشكيك والاستنتاج دون سطوة أحد .
لا وصاية على عقولنا من أعلى ، ولا نرتهن أنفسنا لتفسيرات رجل دين ظنّ نفسه الوكيل الرسمي عن ( شركة ) الله .. أو لباحث يكتب أمام مرآة مقعّرة فيرى أنه أتى بما لم يأتِ به أحد قبله . الانسياق بلا تفكير حجْر على حريتنا الفكرية وإدخالنا تحت ولاية أو وصاية .
نحن نسقط الجبة والقفطان والعمامة قبل أن تحتوينا على أنها القيّمة على عقولنا !!
ولا نجزع أن نطرح من عقيدتنا ما لا يوافق ميزان العقل، وما لم يعدْ يتوافق مع منطق العصر المدني ، وما لا يتفق مع حقوق الإنسان ، فالتفكير في المسيحية حرية مقرونة بالمسؤولية الذاتية ، لا تستعبدنا فيه أية قوة مهما كانت خارقة .
نطهّر أنفسَنا بأنفسنا .. نقوى بالمسيحية لا كدين .. وإنما كفلسفة ورؤية للحياة تتضمّن قِيمها شرط تحقيق صالح الآخر لتحقيق صالحنا الخاص .
وبفضل العلمانية استطعنا أن ننخرط بالإنسانية ونتمازج مع الوجود الحيّ موظّفين أخلاقياتها لخدمة المجتمع فتمضي الحياة في ازدهار وتدفّق ، غايته الأولى والأخيرة تعمير كون مضيء بالمعرفة .
بعد كل هذا .. هل باستطاعة الأقلام المهاجِمة أن تخترق كياناً ثقافياً فكرياً هذّبته العلمانية وأنضجته ؟
وإذا وجدْتَني قد وجّهتُ نقداً لتاريخ الحروب الدينية متفقة مع الأستاذ رمضان في مقالي :
الحروب بين الخلل الجينيّ والخبل الدينيّ
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=382790

فما هو إلا نقد لأفاعيل البشر من الأفاعي التي التفّتْ على عقول الناس واستطالت على صدورهم ، فلا يدّعِ أحد أن الحق بجانبه ، لأن ( الجمل لو شاف حدبته لوقع وانكسرت رقبته ) .
وأكثر ما أؤمن به ، أن نفوذ الخطاب الإسلامي ومقارعته الشديدة لأهل الديانات الأخرى ، ليس مستمَدّاً من كفاءة أفكاره وقوة حججه ، بل من ضعف المقدرة الذهنية عند القارئ على تحليل المعلومة وإنتاج قراءة بصيرة ، في مجتمع أغلبيته ترزح تحت الأميّة الأبجدية ، وأغلبية الأبجديين تعاني من فقر ثقافي مدقع ، وهاتان الأغلبيتان الأميّتان ترزحان تحت نير استعمار الأساطير والخرافات .
الخطاب الإسلامي ( نايم ورجليْه بالشمس ) ، ولا يدرك في غفلته هذه أي وضع خطير ينتظر أبناء المستقبل !؟

أستغرب حقاً من عقليةٍ استوعبت الديموقراطية ، المطالبة بإسكات قلمٍ ناقد لتاريخ ديني قد يُغضِب البعض وقد يرضي البعض الآخر ، بدعوى أنه مساهم ومحرّض على الهيجان الديني . وإذا كان الشك أول أسس الإنسان المعرفي ، فهل نكصْتَ عن الصراع بين نقيضَيْن لاستمرار عملية خلق وعي جديد ؟ أم أن الإنسان العربي تعمّق اغترابه بسبب الهوة الحضارية الهائلة ، فأصبح عاجزاً عن التعامل مع المحيط مما ولّد عنده الخوف والرعب النفسي من مواجهة حقائق الوجود ؟
ألا تتفق معي أن الحلول الانهزامية المطالِبة بالتسكيت أو التبريد ، هي كحلّ العلاج الفيزيائي لمُقعَدٍ لحمله على النطق والمشي !؟
لم يصل الغرب إلى وعي بمفهوم الحرية بثورات رومانتيكية . مهّد فلاسفة عصر النهضة لأعاصير رهيبة قضت على العفن الروحي والفكري ، ولم يطالبوا بإسكات صوت ، بل سمعنا صيحة فولتير الخالدة ( قد أختلف معك في الرأي لكني مستعدّ أن أدفع حياتي ثمناً لحريتك في الدفاع عن رأيك ) .
يدفع حياته ، وليس ( قرشَيْن ) والسلام !!
نحن طارئون على مجتمع النور ، نتنعّم بثمرات العلمانية دون استبطانها بقناعة تامة لأننا لم نعايش النضال النفسي والعقلي الجبار للثورات المطهِّرة ، فترى جيناتنا المصابة بمرض مزمن تنتفض عند الأزمات ، وتنفكّ من إسار قيود الديموقراطية بين الفينة والأخرى .
لنعترفْ أننا أبناء بيئة جبلتْنا على النواقص وجرتْ في دمائنا الشوارد السلبية ، ولا يخدعنّك محاولات الدجاج التشبّه بالطيور المحلِّقة ، فما هي إلا بضعة سنتيمرات من الطيران وتعود الدجاجة لحالها ، فالسماء لا تقبل إلا النسور ، لا الحمام ولا الدجاج .. ويكون واهماً منْ يظنّ مسوح المدنية والتحديث المسيطرة على المشهد الصحراوي العربي ، بوادر نهضة حداثية .
أسباب الحروب والتطاحنات الطائفية في بلادنا أعمق من أن نتوقف عند هجوم هذا القلم أو الكراهية الناطقة من داعية فاجر .
نحن كلنا ضحايا عنف تغلغل في النفوس وترسّخ في الذهنيات النرجسية .
فالجغرافيا قسَتْ على العرب بحرمانهم من فرصٍ معيشية في نسيج حياتي منسجم متقارب ، ففرضتْ عليهم وجوداً في جزر صحراوية قبلية ، متنازعة متباغضة أبداً ، تقوم على قانون الدم والغلبة والعصبية .. والثأر .
الثأر الثأر ..
الثأر يكتب كل تفاصيل حياتنا وتاريخنا .
تمعّنوا في سمات الثأر المشوَّهة في وجوه الأجداد ، لتدركوا أية قسمات قبيحة أتحفكم بها الأحفاد !
وتتبّعوا مسار جلمود امرئ القيس في انحداره لتعرفوا كيف حطّ على رأس زمننا فبطحه !
وانظروا في قاموس الوراثة كيف فلتتْ من قبضته جيناتٌ طائشة ، لم يستطعْ التحضّر تطويعها ، فسقطتْ تطورياً وحداثياً لتتسلّل إلى تلافيف المخ العربي حيث تتراكم طبقات الجهل !

مهمتنا اليوم ليست إسكات الأصوات الناقدة ، وإنما إكساب القارئ القدرة على تفكيك الأحداث واستيعابها بوعي لا بالتلقين الببغائي .
النقد موقف حواري بنّاء ، عماده تقديم رؤية مختلفة وإلقاء ضوء على المطروح من زاوية أخرى .
ليتنا ندرك أن الفكر المتهجّم فكر ناقض ، هادم لعوامل الحياة ، لا وقت لديه للنظر في عوامل التعايش السلمي : عوامل الحياة والاستقرار . ولا يستطيع لحسن الحظ الصمود والتصدّي أمام النقد والتحليل الواعي ، واستمرار التصادم معه مع ما يسببه من كدر هو السبيل الأمثل لتمييز الغث من السمين ، و( ضرورة ) لتتابع الكوكبة المتنوّرة مسيرة النهضة .

ولا يكفي الكاتب أن يرصد الأوضاع القائمة ويطرح رأيه فيها إن لم يساهم بفعالية في تغييرها .
ولا يكفي القارئ أن يمسح بعينيه ما يطالع إن لم يغيّر في وعيه وطريقة تفكيره .
ويفقد الطرفان ، الكاتب والقارئ ، مغزى حرية التفكير إن لم يساهما معاً في دفع الظروف نحو الأفضل .

لكن المشكلة أننا نعيش في واقع حياتي غريب ، كل ما فيه مقدّس مترفّع متفوق متعال ، الأول الأفضل الأحسن الأعظم ... إلا الحياة نفسها ! حتى تطبّعتْ الجينات العربية بهذه الصفات ونفَخَ الغرور في القلوب ، فكيف يرضى الكاتب بنقد إنتاجه الفكري ؟ وهل الكاتب العربي إلا إفراز بنية النقص الخطير هذه ، ونتاج مجتمع الخوف والحذر والتذلّف ، أصاب النفسيات بالهشاشة تهتزّ عند أول صدام فكري . ؟؟
يستشعر الكاتب العربي بالحساسية من النقد التقويمي أو لمجرد إبداء رأي مخالف لطرحه ، وهو لا يرضى بأقلّ من الموالاة والثناء اللذان تهتزّ لهما جوانحه . ومع كل ما يقدمانه من دعم معنوي يظلان قاصرَيْن عن تجاوز المنجز الفكري ، والانتقال من مستويات الحاضر المحدودة إلى آفاق الغد الرحبة .
النماذج الفكرية المطروحة ناقصة ، حتى تدخل حيّز الجدل والحوار والنقد لتقلب كل نقطة مظلمة إلى بقعة ضوء ، لتصبح رافعة لحركة إنسانية في ميدان ما . والنص الذي لا ينفتح على النقد بكل أشكاله ، يحمل عوامل فنائه بذاته ، ويصبح النازلون تفخيماً ، المتفانون تعظيماً ، الهتّافون تنفيخاً ، الهاريون أنفسهم تبجيلاً بالكاتب وإنتاجه ، يصبحون نازلين تهديماً ، متفانين تظليماً ، هاريين أنفسهم تكسيراً وتبشيعاً .
الثقافة العربية أول من أوجدتْ قاعدة ( مع .. أو ضد .. ) فهيّجت العصبيات وألغت العقل ، والكاتب العربي الذي يريد قارئاً ( ما قرأش حاجة ، ولا شفش حاجة ) كاتب متسلّق !!

أين العقل ؟
أين وضع الإنسان العربي عقله ؟ أم أضاعه ؟؟
الفرار كل الفرار من قطيع الخِرفان لأنهم هجروا العقل ، ومن قطيع الخَرفانين لأن العقل ارتحل عنهم .
وإذا كان كل ما تلف في الوجود قابلاً للإصلاح إلا العقل الخربان ، فإنه يشبه المرجان الذي إن تحطّم أو استُأصِل احتاج إلى مئات السنين لينبت من جديد !!