أفعى و إكليلُ وَرد (1)

عمّار المطّلبي
2014 / 1 / 10

ए-;-क-;- न-;-ा-;-ग-;-ि-;-न-;- औ-;-र-;- फ-;-ू-;-ल-;-ो-;-ं-;- क-;-ी-;- म-;-ा-;-ल-;-ा-;-
للشّاعر الهندي بهارتريهاري*

إهداء التّرجمة: إلى الصديق المترجم و الأديب الكبير د. بهجت عبّاس


عن الشّاعر:
فيلسوف و نحويّ وشاعر هندي من القرن الخامس الميلادي
عُدَّ بهارتيهاري من أعظم فلاسفة اللغة و الدّين في الهند الغابرة. كان، في الأصل، نحويّاً كبيراً، لكنّ مؤلّفاته اشتملتْ على جانبٍ فلسفيٍّ بعيد الأثر، لاسيّما دراسته الروابط المُفترضَة بين النّحو، المنطق، علم دلالة اللفظ، أو السيمانتك semantics و علم الوجود أو الأنتولوجي ontology. كان ذلك كلّهُ جزءاً ممّا يُسمّى شُدُدفايتا shuddhadvaita أو الأحديّة الخالصة، التي ترى أنّ اللغة و الإدراك في نهاية الأمر مفهومان متطابقان أنتولوجيّاً، و أنّهما يشيران إلى الحقيقة الأسمى، أو براهمان. فسّر بهارتهاري ذلك بأنّهُ سموٌّ على حدود اللغة المنطوقة و المكتوبة و حدود المعنى.. إنّها الكلمة الأصل التي تفسّر طبيعة الوعي بالظواهر المُدركَة بالحواس، تلك التي ليستْ سوى براهمان نفسه.
و جوهريّاً، تُقدَّم اللغةُ هنا، بوصفها ظاهرةً أنتولوجيّة تُفسِّر قدرتنا على إدراك الأشياء، و جعلها مفاهيم قابلة للتبادل و التّواصل. يفترض المفهوم الميتافيزيقي لِ ( أحديةِ الكلمة ) هذا وحدة الموجودات كلّها، أو وحدة الوجود، و أنّ الحقيقة كلٌّ عضويّ واحد، برغم ما يبدو لنا منْ ظواهر متعدّدة في علم اللغة linguistics، ظواهر ليست سوى مرايا لوجهٍ واحدٍ حسب !!


سافرتُ في بلدانٍ كثيرة، يصعبُ السفرُ فيها
و انتهيتُ صفرَ اليدَين
تخلّيتُ عن كرمِ أصلي و مكانتي
و خدمتُ الجميع
و مثل غرابٍ يسرقُ طعاماً
أكلتُ، خائفاً، خبزَ آخرين
وها أنتِ، أيّتها الرغبة
يا مَنْ إلى أفعال الشرِّ تقودين
إيّاي لا تتركين !
***
بحثاً عن الثروةِ عبرتُ البحور
و بحثاً عن الجواهرِ نسفتُ الجبال
و أنفقتُ مردّداً المانترا (1)
لياليَ بين القبور
و ما ملكتُ من السعادة
شَروى نقير (2)
آه، أيّتها الرغبة
اتركيني الآن !
***
صبرتُ على ما فاهَ به الأشرار
و لكي أُسرّ الحمقى
ظلّتْ شفتايَ تضحكان
حينَ كانَ قلبي غارقاً في النحيب
و مكتوفَ اليدَين
أحنيتُ حكمتي أمام التافهين
لم تجعليني إلى الآن يا رغبتي
أرقصُ مثل مغفّلٍ مجنون !
***
هذه الحياة:
قطرة ماءٍ على ورقة لوتس (3)
نحنُ لا نُمَتَّعُ فيها ، لكنّ المِتَعَ
هي مَنْ تستمتعُ بنا !
لا نُكفِّر عنْ أفعالنا
الكفّاراتُ تحرقُنا (4)
الزمنُ لا يمرّ، بل نحنُ الذين نرحل !
نُمسي نحنُ، لا الرغبةُ، إذْ يتقدّم بنا العمر، عاجزين
الوهنُ يهاجمنا، و يتغضّنُ الجلد
الشّعرُ يشتعلُ شيباً، الجسدُ ينحني
و الشيخوخةُ تلحقُ بنا
الرّغبةُ وحدها تزدادُ شباباً كلّ يوم !!
***
ذا النّهر اسمُهُ الأمل
ماؤهُ الرغبةُ
و أمواجُهُ العطش !
و الهوى تمساحٌ يعيشُ فيه
الأهداف العقيمةُ طيورٌ
تقتلُ شجرةَ الفضيلة
على الضفاف
هنالكَ أيضاً دوّامات الوهم
و الضفاف العالية للقنوط
( المتأمّلون ) العظماء سعداء، إذْ هُم (5)
بعقولهم النقيّة، لمْ يعبروا هذا النّهر قطّ !!
***
مباركون
هم أولئك الذين يعيشون
في كهوف الجبال
غارقين في تأمّل الضياء الأسمى
ستشربُ الطيورُ دموع البهجة التي
منْ عيونهم تسيل
واحسرتاه، حتّى في الخيال
تزداد عقولنا ألفةً
مع الحدائق و متع القصور
و على هذا تنطوي أعمارنا السريعة الزوال !!
***
طعامهُ لا طعم فيه
منْ يدٍ ممدودة يكسبهُ
الأرضُ الجافّةُ فراشُه
وأسرتهُ جسدُه
و ملابسهُ الوحيدةُ
قطعةٌ رثّةٌ من قماش
واحسرتاهُ... واحسرتاه
الرغبةُ بالمتعةِ
تأبى أنْ تفارقُ المرء !!
***
غير عارفةٍ بقوّة اللهب
تهوي الحشرات
و الأسماكُ تبتلعُ الطُّعم
لا تدري أنّ الصنّارة فيه
و نحنُ مدركون جيّداً أنّ هذا العالم
هو دار الغرور و البلاء
لكنّا لا نستطيعُ أنْ نتخلّى عنه
تلكَ هي قوّة الوهم !
***
أباتتْ تلك الأماكن في جبال الهملايا دارِسَة
حتّى يقف المرء متسوّلاً عند الأبواب ؟
هل اختفت الجذور في غابات الجبال كلّها
أجفّتِ الأربِعةُ كلّها ؟ (6)
أذوت الأشجار التي تحملُ حلو الثمار
و لحاءً يُصنعُ منهُ الكساء
فترى المرء يتطلّعُ بوجلٍ إلى وجه أحمق
أرْقَصَتْ حاجبَيهِ ريحُ الزّهو
بثروةٍ لا قيمة لها ؟!!
***
إنهض، و لنمضِ إلى الغابة
حيثُ سيكونُ طعامُنا الجذورَ و الثّمار
و حيثُ لا يكون لنا منَ شرابٍ إلاّ نقيَّ الماء
و أوراق الشجر الطاهرة لنا الفراش
و حيثُ لا يكون لأصحاب العقول الصغيرة و الطائشين
و أولئكَ الذينَ أوْثقَتْ قُلوبَهُم أغلالُ المال
منْ وجود !!
***
في المتعة يكمنُ الخوفُ من المرض
في كرم المحتدّ: الخوفُ من فقدان المكانة
في الثروة: الخوفُ من الطغاة
في الشرف: الخوف من إضاعته
في القوّة: الخوفُ من الأعداء
في الجمال: الخوف منْ تقدّم العمر
في المعرفة: الخوفُ من الهزيمة
في الفضيلةِ: الخوفُ من العار
في الجسدِ: الخوفُ من الموت
في هذه الحياة، كلّ شيءٍ مفعم بالخوف
وحدَهُ الزّهد في الأشياء لا يخاف !!
***
حول جذر الصحّة، هنالكَ دوماً
آلافُ الديدان في هيئة عِللٍ و أخطار
حين يهوي النصيب، فإنّه يفتحُ مائة بوّابةٍ للخطر
مَنْ ولِدَ، سيبتلعهُ الموتُ لاريب
قلْ أين ذاك الإله الذي خلق خلقاً
لمْ تغفلْ عنهُ المنايا ؟!!
***
تُشبهُ الحياةُ موجةً فوق المياه
أيّاماً قليلةً حسبُ يلبثُ الشّباب
الثروةُ أسرى منْ خيال
بدداً تضيع
أمّا المتعةُ فكوميضِ برقٍ
بينَ سودِ الغيوم
عارفاً بهذا، أيّها الإنسان
هبْ قلبك لبراهمان (7)
كي تعبر بحرَ الحياة !!
***
آه، أين السّعادة في هذه الحياة ؟
هذه الحياة التي تدوم في أفضل الأحوال
مائةً من السنين
( نصفها يُنفَقُ في النّوم
و النّصفُ الآخرُ نصفُهُ في العجز
و ما يبقى يُنفَقُ نصفهُ في الطفولة
و نصفٌ في خدمة الآخرين ) !!
أيّها الانسان
في هذه الحياة العقيم
الشبيهة بموجةٍ من الأمواج
أين هي السّعادةُ يا تُرى ؟!!
***
الآن تبدو طفلاً
والآن شابّاً لا شغلُ لهُ سوى الحبّ
فقيراً في هذه اللحظة، و موسراً في الأخرى
صغيراً طوراً، و طوراً شيخاً محنيّ الجسد
آه أيّها الممثّل، ستختفي عن خشبة المسرح أخيراً
حينَ يُلوّحُ لكَ الموتُ
منْ وراء السّتار !!
***

تحيا فيمَنْ تبدو فيه الآلهة إندرا، براهما
و آخرون همْ و نصلُ عشبةٍ سواء (8)
أولئكَ الذينَ إنْ غضبوا دمّروا الأكوانَ
في طرفة عين !!
آه، أيّها الحكيم، إعرفْهُ، ذلكَ الواحدَ الأسمى
الذي لا يموت
و لا تركنْ بعقلكَ لمتعةٍ كاذبة !!
***
آه، متى يأتي ذلك اليوم ؟
حينَ في غابةٍ، أقول " شيفا "، " شيفا " (9)
أتنقضي أيّامي ؟
أفعى و إكليل وردٍ سواء
العدوّ اللدود و الصّديقُ سواء
سرير الزّهر و سرير الصّخر سواء
إمرأةٌ جميلةٌ و نصلُ عشبةٍ سواء !!!!
***
تلكَ المدنُ الجميلة
أولئكَ الملوكُ الجبابرة
أولئكَ النّبلاءُ أولو القوّة و الطّول
أولئكَ المجتمعونَ العارفون
تلكَ النّسوةُ بوجوهٍ كالبدور
أولئكَ الأمراءُ المُترعونَ زهواً
و أولئكَ الذينَ أنشدوا المدائحَ فيهِم
جُرِفوا كلُّهُم بعيداً
منْ ذاكرة الإنسان
تحيّتي إذاً
للزمنِ
الذي صنعَ هؤلاء !!

للاطّلاع:
http://almothaqaf.com/index.php/texts/58591.html

_____________________________________________
(1) مانترا: كلمة مؤلَّفة منْ مقطعَين: مان، و تعني: تفكير، و ترا، و تعني تحرير، أو أداة . المانترا إذاً هي أداة العقل .. إنّها صوت يقودك، حين تُردّدهُ إلى التأمّل العميق. هي تُشبهُ أذكار المتصوّفة التي تؤدّي إلى حالة الوجد و الغياب ..
مثال على المانترا هذا المقطع:
ओ-;-म-;-्-;- श-;-ा-;-ं-;-त-;-ि-;- श-;-ा-;-ं-;-त-;-ि-;- श-;-ा-;-ं-;-त-;-ि-;-
أُم شانتي شانتي شانتي
و يعني: الصوت الذي لا صوتَ له، سلامٌ سلامٌ سلام
بترديدكَ المانترا صامتاً، فإنّكَ تدلفُ إلى صمتِ العقل، أو الإدراك العميق: الوعي النقيّ الذي يربطكَ بروح هذا العالم .. ليستْ هناك مانترا واحدة، لكنّها جميعاً لها وظيفة واحدة، أنْ تدفعكَ بعيداً عن الأفكار الدنيويّة اليوميّة، لتنزلقَ في تلكَ الفجوة بين لأفكار، كما يقول أحد الدّارسين، حيثُ لا شيء سوى الرّوح، مبدأ الكينونات كلّها في هذا الكون !!
(2) يقولُ أمير الأمراء أبو الطيّب المتنبّي:
فقُلْ في حاجةٍ لمْ أقضِ منها على تعَبي بها، شروى نقيرِ !!
(3) أيّاماً معدودات تعيش أزهار اللوتس، ثمّ تذوي فوق الماء !!
(4) الكفّارة: وسيلة لإصلاح خطأٍ تسبّب به ذنبٌ أو خطيئة اقتُرِفَتْ بالرّضوخ لعقابٍ يتناسبُ معهما، في طقوسٍ معيّنة.
(5) المتأمّلون، هم ( اليوغيّون ) نسبةً إلى رياضة اليوغا، و اليوغيّ في الهندوسيّة هو ( الرائي )، أو الحكيم الذي يصل عن طريق التأمّل المديد العميق و الصّلاة، إلى الاتّحاد بهذا العالم، حيث تختفي الحدود بين الوجود الفيزيقي و الرّوحيّ .
(6) أربِعَة: جمعُ ربيع
(7) براهمان ब-;-्-;-र-;-ा-;-ह-;-्-;-म-;-ण-;- : هو الحقيقة النّهائيّة خلف هذا الكون . في كتاب ( الفيدا व-;-ि-;-ड-;-ा-;- تُلفَظ الفاء بصوت ال v )، هو ( الواحد )، و في أل ( أوبانيشادउ-;-प-;-न-;-ि-;-ष-;-द-;- ) " تُلفَظ أُبْنيشَد ": الأبدي الذي لا ينكرهُ أحد، موجودٌ في كلِّ مكان، منهُ يصدرُ هذا الكونُ و كلُّ ما فيه.. هو أصلُ الأشياء كلّها: فيها و خارجها !!!
(8) في كينوبنيشاد، نقرأ:
ثلاثة أشياء نحتاج
* عيونٌ ترى الأشياءَ التي لا شكلَ لها، آذانٌ تسمعُ معانيَ بلا أصوات، و عقلٌ يتعلّمُ من الصّمت !!
* لنبدأ الآن، هذه القصّة ستكون مرشدنا ( گُورو ग-;-ु-;-र-;-ु-;- )
* في زمنٍ بعيدٍ بعيدٍ، بمملكةٍ مختلفة، لكنّها شديدة الألفة مع ممالكنا، كان الآلهة القديمة إندراइ-;-ं-;-द-;-्-;-र-;-ा-;- ( ملك الآلهة ) ، فايوव-;-ा-;-य-;-ु-;- ( الفاء تُلفَظ v) إله الهواء ، و أگني अ-;-ग-;-्-;-न-;-ि-;- إله النّار، قد استبدّ بهم الزَّهو و العُجْبُ و الخُيلاء !!.
* كان الذي لا اسم لهُ محيطاً بأفكارهم، فارتدى شكلاً، و ظهر أمامهم!
* ما هذا ؟! تساءل الآلهة
( يا أگني ، تقدّم و اسأل )
إندفع أگني و وقف قبالته !
* و سأل ذاك:
( مَنْ أنتَ، و ماهي قوّتك ؟)
( أگني أنا ! أنا النّار التي تحرق الليل، ما أكثر ما أحرقت ) !! أجاب الإله
* ( فاحرق هذه إذاً !!) قال ذاك
ثمّ دلّى نصل عشبةٍ أمام عينَيه ..
* إندفع أگني، و على رأسهِ تاج منْ لهيب، لكنّ العشبة ظلّت على حالها، لمْ يمسَسْ جلدها الأخضر الشّاحب سوء !!
**
* فايو .. تقدّم أنت !!
* ( مَنْ أنت؟) سأل ذاك !!
* أنا فايو .. أنا النّسمة التي تُحيي، و أنا الذي يطيرُ كلّ شيءٍ أمامي !!
* حرّك هذه العشبة إذاً !! قال ذاك
* إندفع فايو بجناحين منْ هواء، غير أنّ العشبة بقيتْ ثابتةً كالحجر!!
**
* إندرا .. أيّها الحكيم.. تقدّم !!
* تقدّم إندرا، ممتطياً عربة الأفكار !!
و واعجبا .. لم ير إندرا سوى أُما उ-;-म-;-ा-;- ابنة الممالك العليا !! !!
**
* مَنْ كان ذلك ؟
سأل إندرا أمّ الجميع
* ( إنّهُ براهمان ) ، أجابت !!
**
أگني يحرق بالنّار التي منحها لهُ براهمان .. فايو يُحيي بالنّسمة التي أعارها لهُ براهمان .. وراء الكلمات و الأفكار هو براهمان .. هو و ليس هو، مصدر كلّ ذاك !!
**
* خافٍ تدبير الأعلى .. كنْ يقظاً .. إرقب الذي لا اسم له .. الأمّ تنتظرنا في الأعالي !!
* سنفترق الآن، حتّى تجمعنا دوّامةٌ أخرى من الزّمان !!
* أُم تات سات ओ-;-म-;-्-;- त-;-त-;-्-;- स-;-त-;-्-;- !!!
(9) شيفا श-;-ि-;-व-;-ा-;-: هو المُدَمِّر .. الإله الذي يرتبطُ بالنّهاية وىالموت، و هو واحد في الثْالوث الذي يضمّ الإله براهما ब-;-्-;-र-;-ह-;-्-;-म-;-ा-;- الخالق، و فشنوव-;-ि-;-ष-;-्-;-ण-;-ू-;- الحافظ . ( الفاء في شيفا و في فشنو تُلفظ v )
ليس شيفا بالإله الشريّر في الهندوسيّة، فهو لا يُدمِّرُ شيئاً سوى وهم ( الفردانيّة )، و هو بهذا يجعلنا نرى الأشياء على حقيقتها .. إنّهُ يفتحُ الطّريق إلى خلقٍ جديد، و بداية جديدة، محرّراً إيّانا منَ ( الشّكل ) أصل الأوهام جميعاً !!