السودان دولة يحكمها دستور عرفى دائم!

محمود محمد ياسين
2014 / 1 / 6

” مَنْ يصنع الدستور؟ هذا (السؤال) يفترض عدم وجود دستور أصلاً، بل هناك مجرد مجموعة من الافراد ومجموعة من الناس لا رابط بينهم، يعنى لا وجود للدولة... لكن اذا كان السؤال يفترض الوجود المسبق للدستور، يصبح الموضوع هو تعديل الدستور ... الدستور لاى شعب يعتمد، اساسا، على سمات شخصيتة وعاداته ... الاعتقاد فى وضع دستور لشعب ما بشكل قَبْلى يعتبر نزوة، تتجاهل العامل المهم الذى يجعل الدستور امراً اكثر من نتاج للعقل. كل أمة لها الدستور الذى يناسبها ويلائمها... الدستور ليس مجرد صناعة، ولكن ياخذ شكله عبر قرون من الزمن. “- هيجل

شهد السودان فى فترة ما بعد الإستقلال حتى اليوم انتاجاً ثراً من الدساتير ظلت تتغير بتغير الحكومات؛ وتلك الدساتير هى:

●-;- دستور السودان لسنة 1956 وهو إمتداد لقانون الحكم الذاتى لسنة 1953.
●-;- دستور السودان المؤقت لسنة 1964، المعدل فى 1965و1966و1967و1968.
●-;- دستور السودان الدائم لسنة 1973
●-;- دستور السودان الإنتقالي لسنة 1985
●-;- دستور جمهورية السودان لسنة 1998
●-;- دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2005

رغماً عن وجود تلك الوثائق الدستورية، ظلت طريقة عمل (modus operandi) الحكومات التى تعاقبت على حكم السودان بعد إستقلال البلاد يحدد سماتها دستور غير مكتوب يشمل مجموعة من الاحكام والاوامر السيادية التى تحكم علاقات الدولة بمختلف الفرقاء. وهذا الدستور العرفى يتمتع بثقل أكبر من الدساتير الرسمية فرضته رغبة الحكومات المتتالية فى كبح التطور الديمقراطى وتحقيق الاستمرارية. فالدساتير الرسمية السابق ذكرها وُضعت فى مرحلة ما بعد الاستقلال تحت إشراف حكومات لم تبرح موقع حماية مصالح قوى إجتماعية، متنفذة تسيطرعلى الدولة، وتم هذا فى تناقض مع مصالح الشعب؛ فجوهر الدولة لم يتغير منذ أن نالت البلاد استقلالها. وكل التغيرات التى تمت على صعيد الحكم المباشر ظلت تحدث كتعبير عن تغييرات، تغلب عليها صفة الكمية أكثر من النوعية، فى التكوين الإجتماعى لتلك القوى. كما أن الحكومات المختلفة ليست طارئة، بل حلقات فى سلسلة متصلة ببعضها البعض. فرغم الاختلاف فى تحديد شكل الدولة على أوراق الدساتير المتعددة، فان جوهر الحكم المعادى للشعب لم يتغير سوى كانت الدولة ”ديمقراطية ذات سيادة“ كما جاء فى الدستور المؤقت (1956)؛ أو ”ديمقراطية السيادة فيها للشعب“ فى دستور (1956) المعدل (1964)؛ أو ”ديمقراطية اشتراكية“ فى دستور (1973)؛ او ”ديمقراطية موحدة“ فى دستور1985 الانتقالى؛ أو إسلامية فى دستور (1998)؛ أو ”ديمقراطية لا مركزية“ فى دستور (2005).

ولا نقصد بالدستور الغير مكتوب بأنه عبارة عن مخطط مدروس لمتآمرين (قانونيين وسياسيين) يعملون فى الخفاء لصالح الحكومات السودانية. إن الدستور سواء كان مكتوباً او عرفياً هو قانون تاريخى اجتماعى يمثل الوضع السياسي والاجتماعي السائد كتعبير حقوقى لمكتسبات القوى الاجتماعية المتنفذة سياسياً، وهو ليس برنامجاً سياسياً مستقبلياً. وعليه خلافاً لنظرية المؤامرة، فإن الدستور السودانى العرفى حقيقة واقعة وهو الشكل الملائم لتوجه الحكومات السودانية المتتالية لإحكام سيطرتها على الدولة والانفراد بالحكم بإقصاء جماهير الشعب من دائرة صنع القرار. اما الدساتير المكتوبة فلم تكن أكثر من وثائق أشبه بالديكورات يجرى تجديدها مع تبدل الحكومات.

اشتملت الدساتير السودانية الرسمية، مع بعض التفاوتات البسيطة، على صياغات واضحة لمبادئ الديمقراطية وحماية الحريات والحفاظ على حقوق الإنسان والعدالة والشورى واستقلال السلطة القضائية، بالاضافة الى التماشى مع المعايير العالمية الواردة فى” لائحة الحقوق الدولية“. ولكن هذه المبادئ لم تكن أكثر من شعارات مجردة إذ ظلت البلاد تحكم بقوانين الطوارئ والاحكام العرفية طيلة الثمانية وخمسين عاماً الماضية عدا استثناءات قليلة؛ فلم يكن الدستور اكثر من "وثيقة" يجرى التنصل منها، اما بمنح السلطة التنفيذية سلطات استثنائية أو بسن القوانين التى تتعارض مع الحريات، نذكر منها:
●-;- قانون دفاع السودان 1958
●-;- الأوامر الدستورية لسنة 1958-1964
●-;- قانون أمن الدولة 1973
●-;- الأمر الجمهوري الخامس 1971 كقانون نص على أن نظام الحكم رئاسى.
●-;- اضافة قوانين سبتمبر 1983 الاسلامية لدستور 1973.
●-;- قانون الأمن الوطني 1991
●-;- قانون النظام العام والقانون الجنائي 1991 كامتداد لقوانين سبتمبر 1983

اتخذت تلك الاحكام الاستثنائية صفة الدستور العرفى الذى تكمن ضرورته فى أنه المرجع الاساس للحكومات الذى يمكنها من:

●-;- تكريس العلاقات الانتاجية القديمة وإجراءات التقشف (austerity measures ) التى تفاقم الفقر فى المدن والارياف السودانية، وإبقاء مفاتيح الاقتصاد القومي بيد مؤسسات التمويل الدولية ودوائر خارجية أخرى.
●-;- معاداة الحركة الجماهيرية المتمثلة فى نقابات العمال وإتحادات المزارعيين والمهنيين. وطال أمد هذا التوجه فى عهد حكم الإنقاذ الحالى وزادت حدتة التى تمثلت فى تلجيم نشاط الحركة النقابية للعمال.
●-;- تغييب الشفافية فى إدارة شؤون الدولة وتسهيل السطو على المال العام.
●-;- القمع العنيف للمعارضين وأقصاه القتل وأقله التعرض لابشع الاهانات (الما عجبو يلحس كوعه).

إن المجتمع السودانى ليس كتلة واحدة، بل قوى إجتماعية فى صراع متواصل تحركه بشكل اساسى مصالح اقتصادية متضاربة، ويأخذ اشكالا مختلفه؛ والذى يعد القانون الدستورى يعده وفقا لمصالحه. والدولة السودانية ظلت تحكمها الاحكام العرفية التى تستمد منها القوى الاجتماعية صاحبة اليد العليا المرجعية لحرمان الشعب من حقوقه السياسية والمدنية للحفاظ على مصالحها الكامنة في ترسيخ استغلال الطبقات الشعبية وتوظيف الاقتصاد الوطني في خدمتها.

وطالما ظل الاساس المادى للدولة السودانية باق على حاله، ستظل تلك القواعد العرفية الدستورية تمثل شكل الدولة ونظام الحكم فيها. وهكذا فإن التغيير لا يتم فى مجال الحقوق القانونية المجردة بل بالنشاط السياسى الهادف لتغيير العلاقات الاقتصادية التى تقف في وجه تقدم البلاد وترجع لها معاناة الشعب؛ ولهذا النشاط السياسى، الذى يعنى بصورة ضمنية إسقاط الدستور العرفى، يجب أن تكون الأولوية قبل الكلام عن اعداد الدستور. مشكلة االسودان ليست دستورية، بل هى فى الاستحقاقات المادية لعشرات الملايين من المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر؛ وبدون القلب الإستراتيجي لتوزانات القوى لصالحهم تنطبق على أى صياغة دستورية جديدة استعارة ”the chickens come home to roost “- الدجاج يأتى الى الحظيرة للمبيت.