التاريخ العبري : سرقة و اعادة صياغة و تسويق ... قراءة في ملحمة جلجامش

احمد الكناني
2013 / 12 / 21


في ذكرى عيد الميلاد و حلول العام الجديد تتطلع الامم الى غد اكثر اشراقا و مستقبل اكثر رخاءا تماشيا مع سنن الكون و قوانينه السائرة نحو التطور و التكامل اذ لا مجال لاعادة التاريخ الى الوراء ’ فالتاريخ لا يعيد نفسه ابدا .. في مشرقنا يمكن ان يعيد التاريخ نفسه و يجعلنا نستدير معه و نستدبر العالم اجمع ...و حينئذ نتطلع الى الماضي و نستشرفه و نراه اكثر اشراقا من الحاضر والمستقبل ’ و لهذا وذاك نحب تأريخنا القديم وتاريخنا المعاصر يؤرقنا ’ ونعشق العراق القديم وفي العراق الجديد بؤسنا ’ نحب مع جلجامش الحياة و نبحث معه عن الخلود ’والموت مع العراق الجديد يلاحقنا ’ الحب والحياة شعار العراق القديم وفي شعاره الجديد محونا ’عراقنا القديم كلنا نستظل به وعراقهم الجديد يفرقنا .
اذن دعونا مع العراق القديم نعيش ’ انه يمنحنا الحياة والخلود كما منحه لغيرنا ’ و اقولها صدى لقول طه باقر :" النتاج الادبي في حضارة وادي الرافدين يمثل اولى محاولات الانسان للتعبير عن الحياة و قيمها و معانيها بأسلوب الخيال و الفن ..."
و من هنا ارتأيت ان ارجع الى الماضي السحيق الى العراق القديم و اقرأ قسمات وجهه من خلال ملحمته الكبرى ملحمة جلجامش و انكيدو ’ و قراءتها من جديد و التمعن فيها ’ لان وجهه كوجه حبيبتي يزيدك حسنا اذا ما زدته نظر ’ و كلما امعنت النظر الى الملحمة تكشفت لك معان جديدة لم تقف عليها في قراءتك الاولى وهو سر خلودها . و من خلالها ايضا نلحظ اين كنا والى اين ذاهبون ’ لنرى اين نحن بين العراقين .و هذا لا يعني جلوس على الاطلال و التباكي على موت الحضارة ’ و انما هي قراءة واعية للماضي و الاستفادة منها للحاضر’ لان تاريخ الشعوب بمثابة الجذر الذي يمدها بالحياة فلابد من الاهتمام به وعدم الانقطاع عنه ’ كيف واذا كان تاريخا متجذرا و ملهما للبشرية جمعاء ’ لان من ملحمة العراق نسجت بقية الحضارات ملاحمها ’ و اقتبست من واقع نصوصها البطولات و نسبتها الى رموزها ’و هذه المعادلة التاريخية ليست بحاجة الى الاثبات اذ ان تدوين ادب الرافدين قد سبق الادب الكنعاني و العبراني و اليوناني و اداب الهند و ايران بما لا يقل عن الالف عام ’ و الالواح الطينية التي تحتوي على فهارس و عناوين ادبية سومرية و الموجودة في "اللوفر" و" فيلادلفيا" تشير الى الالف الثاني ق .م وهو ما يرجح ان يكون ادب العراق القديم اقدم نتاج ادبي عرفته البشرية .
و من ملحمة جلجامش نستكشف مفردات المدنية و الحضارة في ارقى صورها فهي ليست نصا دبيا ابداعيا فحسب و انما اشارت نصوصها الى مجالات ابداعية اخرى لم تتذوقها البشرية من قبل كالفن و السياسة ’ ورغم ولوغها في اعماق الزمن و كثرة الواقفين عليها من الباحثين و الدارسين الا انك تقف حائرا امام ما يتجلى في طي فقراتها من معان جديدة كلما امعنت النظر فيها ’ و قد تبدو اشياء لم يسلط عليها الضوء بما يكفي رغم اهميتها القصوى ’ و لعلي اشير الى بعض منها في هذه القراءة بما يناسب موضوع المقال ’ تاركا الاسهاب و التوثيق الى مناسبة اخرى .


الفنون الجميلة
فن النحت و تخليد العظماء بالنصب التذكارية ابداع عراقي يتيم يتجسد في الملحمة في فصلها الثالث و عند التعرض لدراما موت انكيدو المذهل لجلجامش و خطبته في مجمع الشيوخ و اظهاره لجزعه على فقدان انكيدو ’ ثم امره النحاس و الصائغ و الجوهري و ناقش الاحجار الكريمة ان يصنعوا نصبا تذكاريا لانكيدو من الازورد و الذهب ’ و هذا الجانب من الملحمة لم تفرد له دراسات خاصة تظهر براعة قدامى العراقيين و تمكنهم من النحت بالاحجار الكريمة ’ و قد سبقوا المصريين الى هذا الفن ’ رغم ان قبر الملك الفرعوني توت عنخ يحتوي على الازورد والذهب ايضا ’ و من هنا ارجعوا هذا الفن الى الفراعنة ’ لكن هذا ليس معناه انه لم يكن معروفا قبل ذلك ’ والملحمة شاهدة على ذلك ...و اليك نصها
يقول جلجامش :
" اصغوا الي ايها الشيوخ و استمعوا قولي :
من اجل انكيدوا خلي و صديقي ابكي و انوح نواح الثكلى
انه الفأس التي في جنبي و قوس يدي ...
لقد ظهر شيطان رجيم وسرقه مني ...
و لما ان لاح اول خيط من الفجر نهض جلجامش
و نادى في صناع المدينة و صاح :
"ايها الصفار (النحاس) و الصائغ و الجوهري و ناقش الاحجار الكريمة اصنعوا تمثالا لخلي "
ثم نحت لصديقه تمثالا جاعلا صدره من اللازورد و جسمه من الذهب
و نصب منضدة من الخشب القوي "

و الازورد : معدن فاتح الزرقة و اجوده اشده اشراقا ’ واصفاه السمائي اللون ’ و توجد منه هذا اليوم انواع مختلفة تنتمي الى بلدان مختلفة منها الطبيعي و منها المنتج صناعيا ’ و يستعمل كاحجار كريمة للزينة .
ثم ان هذا العمل العظيم الذي قام به جلجامش و تخليده لانكيدو بالنصب التذكاري له اهميته القصوى بالنسبة لاحداث الملحمة ’ لان انكيدو هو وجه العراق القديم النازح من الريف والغابات الى المدينة و المدنية ’ و هوالمحرك للرحلة الشهيرة الى غابات الارز حيث قطعا مدى سفر شهر و نصف في ثلاثة ايام ’ تلك الرحلة التي قام بها بمعية جلجامش و كان صاحب الراية في كل الصراعات التي دارت خلال الرحلة و بتوصية من مجلس الشورى ’ كما نقرا في الملحمة:
" فاستمع الينا و حذ بمشورتنا ايها الملك :
لا تتكل على قوتك وحدها يا جلجامش
دعه (اي انكيدو) يتقدم فأنه يعرف الطريق و قد سلكه
انه يعرف الطريق الى غابة الارز ’ وقد خبر القتال و النزال
وان من يسير في الطليعة يحمي صاحبه
فدعه يتقدم وابق على نفسك "
هذه الرحلة الغريبة و تسلسل الاحداث فيها احدثت الهاما في مخيلة الشعوب القديمة و تسربت الى النصوص الدينية حتى اعتقد الكثير من المؤرخين انها ذات القصة المنقولة باسم ذي القرنين و رجحوا اتحاد الشخصيتين .
و انكيدو هو المحرك لرحلة جلجامش الثانية نحو الخلود عندما مرض واغمض عينيه الى الابد امام اعين جلجامش ’ و كانت هذه الرحلة الهام ايضا لبقية شعوب الارض لكي تنهل منها و تنسج حولها الاساطير في رحلات رموزها نحو الخلود و شربهم من عين الحياة

الديمقرطية
وردت لفظة مجلس الشورى في ملحمة جلجامش وهي تحمل ذات المعنى الذي عليه العالم المتحضر اليوم ’ و هو معنى حاكمية الشعب التي كان يتحلى بها قدماء العراقيين ’اذ تنص الملحمة على ان هذا المجلس قدم النصح و المشورة للملك جلجامش عند رحلته العجيبة مع انكيدو ’ و لم يكن الملك مستبدا ظالما كما يتصور ’ و اليك النص :
" وجاء الناس الى جلجامش و تمنوا له قرب العودة
وباركه الشيوخ ’و اسدوا له النصح في سفره و قالوا له :
ايه الملك كنا نطيعك في مجلس الشورى
فاستمع الينا و خذ بمشورتنا ايها الملك ..."
و يعضد مبدأ حاكمية الشعب في العراق القديم ما نقرأ بكل اعجاب في مسلة حمورابي حول شكل الحكم القائم على النظام الملكي الدستوري و الى جانبه مجلسان الشيوخ و المحاربين ’ ولهما سلطة اتخاذ القرارات المفصلية كاعلان حالة الحرب و السلم و مسألة فرض الضرائب .
و الملفت في قانون العراق القديم زمن الملك حمورابي ان بنوده لم تستمد من شريعة او دين ’ و لم يكن الدين مصادرها و لا هو احد مصادرها ’ فهو خال من الاشارة الى الدين او الالهة ’ و انما هو قانون مدني بأمتياز و لم يتضمن احكاما دينية او عقوبات اخروية كما لم يتعرض للعبادات او الكهان


الطوفان
التاريخ العبري الملمع بالقداسة قد تمت سرقته من جلجامش بأمانة و شرف ثم اعيدت صياغته و سوقت الينا من جديد ’ فتقبلناها بقبول حسن لانها تنطق بأسم الاله ’وهنا تكم الافواه وتصم الاسماع و يحجب النظر.
القضية التي تطفح على السطح هنا حادثة الطوفان التي تشكل الفصل الرابع من الملحمة كما يرويها "اوتو- نبشتم " الخالد لجلجامش ’ و يلاحظ اتحاد القصة مع ما ورد في الكتب المقدسة .
• و كان المقدسون يعتقدون بان التوراة هي مصدر الطوفان و منها تناقلتها الشعوب على اعتبارها المرجع الاعلى لعلوم البشر و انها تنطق عن الاله’ الى ان اكتشفت البعثات الاثرية و تنقيباتها في العراق زيف تلك الاعتقادات ’ و ان ما يمتلكون من تراث يتفاخرون به مصدره العراق القديم.
يقول طه باقر في مقدمته للملحمة :
" و الذي نعتقده بصدد هذا الطوفان انه كان في الاصل حادثة تاريخية و اقعية حدثت في طيات الماضي البعيد ’ و كانت من جسامة التاثيرو فداحته انها تركت اثرا بليغا في عقول الاجيال المختلفة فتناقلتها بالروايات الشفوية فشوهت تفاصيلها التاريخية . و بالنظر لاوجه الشبه الكثيرة بين رواية الطوفان في ملحمة جلجامش وبين رواية التوراة فأننا نعتقد ان كلتا الروايتين ترجع الى نهاية العهد المسمى في تاريخ حضارة وادي الرافدين باسم جمدة نصر(حدود 3200ق.م) و الى اوائل العصر الحضاري المسمى بعصر فجر السلالات (حدود بداية الالف الثالث ق.م )... اما سبب الطوفان فلا يعسر علينا ادراكه ولا سيما في ارض مثل السهل الرسوبي من العراق الذي كان معرضا في جميع عهوده الى خطر الفيضانات " .

التداخل النصي بين الطوفانين
والتداخلات النصية بين طوفان جلجامش و طوفان الكتب المقدسة من حيث السرد القصصي والتشابه اللفظي بينهما امر غير خاف و قد اظهره الاستاذ و المؤرخ الكبير طه باقر في كتابه " مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة " في جزءه الاول ’ و اشار الى تداخل النصوص مع التوراة في هامش الترجمة العربية للملحمة من الفصل الرابع المفرد لقصة الطوفان ’ و ساشير الى بعض منها على الاجمال :
عبرت الملحمة عن السفينة بالفلك " قوض البيت وابن لك فلكا " وهي ذات اللفظة استعارتها الكتب المقدسة ’ فقد جاء في سفر التكوين " ابن لك فلكا من خشب السرو" ’ و في سورة المؤمنون 27" فاوحينا اليه ان اصنع الفلك باعيننا "
وكان بناء السفينة من غرف علوية و سفلية مطلية بالزفت ’ تقول الملحمة
" عينت شكلها الخارجي هكذا و بنيته
وجعلت فيها ستة طوابق تحتانية ...
لقد سكبت ستة شارات من القير في الكورة
وسكبت ايضا ثلاث شارات من القطران ..
و في سفر التكوين " و اجعل فيه غرفا تطليها بالزفت من الداخل والخارج ... و ليكن للفلك طوابق سفلية و متوسطة وعلوية "
و بعد الامر ببناء السفينة بالمواصفات الدقيقة المذكورة في كل من الملحمة و التوراة مع اختلاف في المقاسات جاء الامر ان "احمل في السفينة بذرة كل ذي حياة " و هو الامر ذاته في سفر التكوين " و تأخذ معك في الفلك زوجين ذكرا و انثى ’ من كل كائن حي ذي جسد " ’ و في سورة هود " قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين و اهلك"
وتم بناء السفينة كما في الملحمة :" في اليوم السابع عند مغرب الشمس " و في سفر التكوين " وما ان انقضت الايام السبعة حتى فاضت المياه على الارض "
ثم تتحدث الملحمة عن لحظات حدوث الطوفان :
"حينما ينزل الموكل بالعاصفة في المساء مطر الهلاك فادخل في السفينة واغلق بابك "
و في التكوين : ودخلت مع نوح زوجين زوجين ذكرا و انثى دخلت من كل ذي جسد كما امره الله ’ ثم اغلق الرب عليه باب الفلك "
و بعد هدوء العواصف و نهاية الامطار استقرت السفينة على جبل اختلفت مسمياته بين الملحمة و سفر التكوين وسورة هود :
الملحمة : " واستقر الفلك على جبل نصير "
سفرالتكوين : " واستقر الفلك على جبل أراراط"
سورة هود: " واستوت على الجودي "

ماهي حكاية حمامة نوح ؟
اما حكاية الحمامة التي اطلقها نوح ليعلم من خلالها نهاية الطوفان فقد ذكرتها ملحمة جلجامش ايضا ’ و اليك النصان ليعلم ان المسالة عبارة عن عملية " كوبي – بيست " لا اكثر :
جاء في الملحمة : " و لما أتى اليوم السادس اخرجت حمامة و اطلقتها (تطير)
طارت الحمامة ثم عادت
رجعت لانها لم تجد موضعا تحط فيه
و اخرجت السنونو و اطلقته
ذهب السنونو وعاد لانه لم يجد موضعا يحط فيه
ثم اخرجت غرابا و اطلقته
فذهب الغراب ولما راى المياه قد انحسرت
اكل و حام و لم يعد "
و هذا نص التوراة :
" وبعد اربعين يوما اخرى فتح نوح النافذة التي كان قد عملها في الفلك ’ و اطلق غرابا فخرج وظل يحوم مترددا الى الفلك حتى جفت المياه عن الارض . ثم اطلق نوح حمامة من الفلك ليرى ان كانت المياه قد نقصت عن وجه الارض ’ ولكن الحمامة لم تجد موضعا تستقرعليه رجلها فرجعت اليه في الفلك ’ لان المياه ظلت تغمر سطح الارض ’ فمد يده و اخذها و ادخلها عنده الى الفلك . و انتظر سبعة ايام اخرى ثم عاد فاطلق الحمامة من الفلك ’ فرجعت اليه عند المساء تحمل في منقارها ورقة الزيتون الخضراء ’ فادرك نوح ان المياه قد تناقصت عن الارض ’ فمكث سبعة ايام اخرى ثم اطلق الحمامة فلم ترجع اليه هذه المرة ".

الاسباب وراء حدوث الطوفان
تقول التوراة " و قال الرب : أمحو الانسان الذي خلقته عن وجه الارض مع سائر الناس و الحيوانات و الزواحف و طيور السماء ’ لاني حزنت أني خلقته ’ اما نوح فقد حظي برضى الرب ... فقال الله لنوح قد ازفت نهاية البشر جميعا امامي ’ لانهم ملأوا الارض ظلما ’ لذلك سأبيدهم مع الارض "
و هنا يشعر الله بالندم لخلقه للناس نتيجة ظلمهم في الارض ’ و لذا قرر ابادتهم ابادة جماعية وعن بكرة ابيهم ’وليس وحدهم تشملهم الابادة وانما كل ما دب على الارض و استفاد من اجوائها ’ و كانت النتيجة حدوث الطوفان و موجات المد تسونامي لتغرق الارض ومن عليها ’ و الناجي الوحيد من هذه الكارثة هو نوح و اهل بيته ’ او "اوتو – نبشتم " و زوجه على رواية الملحمة و الذي كان بشر لكن الطوفان جعل منه اله .
هذا ما ذكره الرب في كتابه المقدس كسبب لحدوث الطوفان ’ و من المؤكد ان المؤمنين سيرددن بعد الانتهاء من قراءة هذا السفر " ا~مين "!!
و انظرالى العتاب الجميل على الالهة لهذا العقاب الجماعي تذكره الملحمة وهي ليست كتابا مقدسا لكني ساختم ب "أمين " :

الخاتمة : عتاب على الله
" ايها البطل انت احكم الالهة
فكيف ’ كيف احدثت عباب الطوفان بدون ان تتروى ؟
حمَل صاحب الخطيئة وزر خطيئته
وحمَل المتعدي اثم اعتدائه
ولكن كن رحيما في العقاب لئلا يهلك ولا تهمله فيمعن في الشر
ولو انك بدلا من احداثك الطوفان سلطت السباع على الناس فقتلت من عددهم
ولو انك بدلا من احداثك للطوفان سلطت الذئاب فقتلت من عدد الناس
و بدلا من الطوفان لو انك احدثت القحط في البلاد
وبدلا من الطوفان لو ان "ايرا" ( اله الطاعون) فتك بالناس "
ا~مين