ماديبا .. الحب المطلق

احمد الكناني
2013 / 12 / 12

في كوخ صغير وسط القرية الهادئة كونو نشأ ماديبا في بيئة قاسية و سط ضغوط نفسية هائلة كان يعاني منها مع بقية اقرانه نتيجة لبشرتهم السوداء ’والظروف الاجتماعية كانت تضغط بالاتجاه المعاكس لطموحاتهم في العيش بكرامة’ كما ان ممارسة سياسة التمييز العنصري من قبل الرجل الابيض كانت تعصف بالبلد منذرة بالانقسام العرقي و الاقتتال الداخلي ’ كل هذا وذاك وضع ماديبا في موقع المقاوم الشرس عن الحرية و احقاق الحقوق’ وكان ثمنهما باهضا كلَفه عشرين و سبعا من السنين العجاف قضاها في غياهب السجون ... كل هذه المعطيات النفسية و الاجتماعية تؤشر الى بلورة شخصية ماديبا العدائية و المبغضة للاخر مهما كان لونه ’ وهي النتيجة الطبيعية للمعاناة القاسية التي يعيشها الانسان مع ضده ’ لكن في ماديبا يختلف الامر تماما ’فكل هذه التعقيدات و الاضداد صاغت منه شخصية قوية تعيش الحب المطلق للانسان و الحياة .
هذه الحقيقة اكدتها تصريحات بعض ممن التقوا مانديلا او كما يطلقون عليه محبوه " ماديبا" حيث وجدوا امامهم انسانا محبا للاخر من دون سبب ’ حب غير مشروط ’و هذا هو السر الذي جعل من نلسن مانديلا مثلا اعلى يحتذى به ’ اذ يقف سكان الارض اليوم باسرهم اجلالا للقيمة الانسانية العليا التي حملها مانديلا مقاوما و سجينا و زعيما ’ لانها تنتمي الى عالم المثل المطلقة وغير المحددة باطر الحدود البشرية ’ و لهذا عاش مانديلا طليقا من قيود الانانية و البغض وهو قعر السجون ’ و عاش طليقا وهم في قمة هرم السلطة و لم تؤثر في نفسه الكبيرة اغراءات السلطة و الزعامة ’ وهي المحك التي من خلالها يكرم المرء او يهان و من خلالها يحكم على المقاوم بمقدار نبله ورفعته ’ هرم السلطة يمثل للمقاومين الاختبار العسير لمدى الصدق للمبادئ التي كان ينادي بها قبل تربعه على سنام الزعامة ’ و السجل الحافل للمقاومين عندما تتكلل جهودهم بالظفر يشهد على مدى السقوط السحيق الى حضيض الفساد و الرذيلة حتى يصل الحال بالمقاوم المقدس الى مبدع في التخطيط للفتك بالمنافسين و المعارضين و افتراسهم بدل التخطيط لرفع شأن بلده و امته ’ و العجب انك لا تستثني احدا مجاهدا دينيا او مناظلا قوميا .
و لننظر الى ماديبا ماذا فعلت السلطة به ؟
لقد لفظها وهي لقمة سائغة دون ان يتلذذ بطعمها ’ وهكذا تكون شيم كبار النفوس
كونو وماديبا رمز الحب المطلق ’ تلك القرية الهادئة ستحتضن رفاة نلسن مانديلا والى الابد ليشكلا معا مركزا مشعا لنبذ التطرف والبغض و نشر المحبة و السلام ’ و دعوة صادقة لدعاة الكره و التعصب من رجال الدين و الدنيا ان يقتدوا بمانديلا الانسان و لينشروا القيم العليا للانسان ليعيدوا الى الحياة توازنها ..لقد طفح الكيل .