قسَمَ اللهُ لكم تفاحة تُذهِب عقولَكمْ !!

ليندا كبرييل
2013 / 12 / 11

لم يكن العثور على تاكسي في هذه المنطقة الشعبية سهلاً ، وكان إحساس ( هِبة ) بالغثيان يتزايد تحت وطأة شمس تسيل على ظهيرة متوقّدة في حرّ لم يُعرف له مثيل .
نال التعب منها تماماً مع ارتفاع درجة حرارتها ، وهي تجوب طرقات محفّرة تنقل صهداً لا يطاق ، يُذيب قوى المشاة المترنحين إعياء ، كأنهم ألسنة بخار تندلع من شقوق الأرض .
لا خيار آخر إلا ركوب الباص ، رغم ضآلة شأن المواصلات الشعبية المتداعية ، التي حشرها الزمن الجائر بالشريحة المهترئة من المجتمع .
وما أن جلست على مقعد الانتظار ، حتى انتترت من لسع حماوته الشديدة فأثارت ضحك أطفال بسطات الهريسة .
وقفت أمام باب الصعود مع ركاب من الطبقة المسحوقة ، وهي تشعر بالخجل من مظاهر هوانهم وفقرهم التي تدين طبقتها المتنعّمة . وسرعان ما أدركت أن التدافع بالمناكب هو الطريقة المثلى للفوز بجنّة الباص .
دارت عيناها بين وجوه تحمل سيماء البأس المقذع ، وأخرى بهيئة البؤس المدقع ، ومقاعد شاغرة قطع الحمّالون أملها عندما ركنوا عليها أحمالهم الثقيلة . ولحسن الحظ وجدت مقعداً إلى جوار رجل ملتحٍ تبدو مظاهر الوقار عليه ، وضع إلى جانبه ناحية النافذة صندوقاً يشغل حيزاً ضيقاً .
ألقى عليها نظرة ناعسة ثم رمى رأسه على صدره وهو يحرك حبات المسبحة بإبهامه .
طلبُ الراحة عبثٌ كما يبدو .. كان الباص أيام ترددها على الجامعة مركزاً ثقافياً متنقلاً ، ونعمة العقل بادية على سيماء الوجوه ، من أين لها الآن بهذه الراحة مع أصوات الأغاني الصاخبة ، وصياح ماسحي الأحذية !
تهالكت ( هبة ) على المقعد ، وما لبثت أن استسلمت مع اهتزازات الباص لغفوة .. تنبّهتْ من خدرها فجأة على ساق جارها تلتصق بساقها !
لم تجدْ ما يعابث ريبتها ، كيف تشكّ وهي تراه مغمض العينين ؟ فاعتبرت حركته غير مقصودة دون أن تُسكن شعور الحذر في داخلها .
وبرفق مالَتْ برجليها وهي تفكر أن الرجل عادة لا ينتبه إلى جلوسه مفرج الساقين . لكن هذه الحجة اهتزّت أمام حركة من كتفه جعلتْها فوق حالة اليقظة ، ولما شدّت نظرها إلى الأمام لترقبه بربع عين ، سمعت صوت تثاؤبه يعلو ويعقبه استعاذة بالله !
استبعدت فوراً هاجس التحرش ، ولجمت روعها من هذا الورع ، وهي تقدّر عواقب إرسال الظنّ في كريم متّقٍ .
" يخزيك يا شيطان .. "
ثم انطوت بتفكيرها إلى مصابها .
أوووف .. ما هذا ! حركة الجار مثيرة للشك . استيقظت كل حواسها الداخلية والخارجية على حادثة العام الماضي ....
" يوم ذهبتْ هِبة إلى مكتب البريد لتقبض معاش تقاعد والدها ، واختارت وقتاً قيل لها إنه الأنسب لتفادي الزحام ، ومع قدوم الموظف المتأخر عن موعد دوامه ، وجدت البشر يتعاركون ويتطاحنون ، واختلط صف النساء بصف الرجال ، عندها .. أدركت فجأة أن حياة خفية أخرى تدور في الظلام خلفها ، هو وهي فقط يعلمان بما يحصل .. ، رمت العجوز بنظرات توعّد لكنه ابتعد ببصره كأنه غير معنيّ .. وهو يتابع .. ، وكلما زاد انحشار الناس ، زاد ضغطه عليها ، أرادت التحرك إلى جهة أخرى فالتصق بها يتحرك مع كل حركة منها .. وهو يتابع .. ، حتى نهرها من كان بجانبها أن تصبر ككل البشر في هذا الحشر ، ولا أولوية حتى للرئيس ! "
كم شعرتْ بالتقزّز والقرف .. أهي بوادر تقززٍ آخر الآن ؟
تسارق جارها النظر .. فإذا التفتتْ لتستفسر أعرض بوجهه فوجدتْه يتأمل سقف الباص كمنْ يتمعّن في مسألة هامة ، وإذا نظرت أمامها شعرت بأنفاسه تتردد في أذنها .
" أنتِ .. تمالكي نفسك وانْسي مصابك وانْظري في أمر هذا الرجل . "
استدار رأسها بأكمله نحوه فوجدته مطرقاً يحرك المسبحة بإصبعه .
" ألسْتِ مخطئة ؟ اتهام الشرفاء عيب . لا تتسرّعي ، لعله تخمينك الخاطئ ، أو ربما لَمسَكِ دون قصد منه وهو يهزّ جذعه مع كرّ حبات المسبحة . "
وكادت تشعر مع مرور دقائق هادئة أنها بالغت في الشك .
لكن المُلتحي في تلك اللحظة كان يستعدّ لعمل عظيم ، لو كان يدري ما ستؤول إليه نتائج هذا العمل لتمنَّى ألا يركب الباص في حياته !
عدّل جلسته وهو يتنحنح ، ثم شبك ذراعيْه على صدره وقد أصبحت يده السفلى المحرِّكة لحبات المسبحة قرب ذراعها .
" يا مآمنة للرجال يا مآمنة للميّة في الغربال . اِستنْطِقي هذه الساق وهذه الكتف عمَّ ضيّق عليهما في هذا المقعد حتى لم تجدا إلا الاسترخاء على ساقك وكتفك باطمئنان ! ضعي وقار اللحية والمسبحة بين قوسين لتميّزي الخيطَين الأبيض من الأسود . "
عدّلتْ هبة جلستها بدورها لتلفت نظر جارها إن كان جاداً ولتبتعد عن عبث محتمل إن كان لعّاباً .
وفي اللحظة التي طرق الهدوء البال ، انتفض القلب أمام عبث أصابع شريرة على طرف صدرها قطعتْ الشك باليقين !
" أيها الخَبّ الضَبّ ! افتكرناه موسى طلع فرعون ! "
كانت كفّ المتشايخ في أمان مختبئة تحت ذراعَيه المعقودتَين على صدره ، وتجرّأ عندما عاد وألصق ساقه بساقها .
بلَى .. إنه يستغل صمتها ، وانشغال الصبية بالنكات البذيئة ، واستناد المقعد إلى لوح حديدي عالٍ يفصله عن مؤخرة الباص فيحجبه عن الأعين المتلصّصة .
" ظرف استراتيجي ممتاز للتحرش الصامت .. إذا توفّق بخرساء بلهاء !
ماذا تنتظرين والمستور صار أبْيَن من فلق الصبح ؟
انظري .. المقاعد الشاغرة في الخلف حيث الصبيان يتربّعون على الأرض . اذهبي إن شئتِ واجلسي بينهم .. يا هلا ، نتناوب على سيكارة واحدة ، تربّعي وخذي شفّة ؟ لا ؟ طيب هاتي لنا آخر نكتة .. بمَ ستجيبين الأزعر ؟ جاري أسند ساقه إلى ساقي ويده عبثتْ بصدري ؟ ههههه .. حلوة .. تصفيق شباب !
ستكونين مضغة في أفواههم ، لالالا .. ارْقعي المراوغ بالصوت العالي وبشِعر الهجاء ربّيهِ . هه ؟؟ أنتِ يا حرمة ! تتهمين الشرفاء ؟ .. اعرفي حدودك وابْعدي عن الشر وغنّي له .. انزلي من الباص أحسن لكِ .. أيواااه ~ !!
منْ يعلم ؟ قد يصفعكِ ردّاً للتهمة .. من أين لهؤلاء الرعاع الضابط الأخلاقي ؟! هل ستعرّضين نفسك للبهدلة وتكونين مَضْحكة لكل فم ساخر وعقل بذيء ؟
الحق معه أكثر مما يكون معكِ . هو رجل . صاحب لحية ومسبحة . بغْل ، يحتاج إلى مقعد ونصف ، ما الذي أجْلسكِ بجانبه ؟ ثم أنت سافرة تثيرين الشك ، وإلا ؟ ماذا يدفع مثلكِ لا يبدو عليها الفقر ألّا تستخدم التاكسي كالفاضلات المتنعّمات ؟ تركبين حافلة مهرهرة قذرة مع علمكِ بماذا يحصل فيها من تحرّش .. !
أم .. هاهاها ~ أم أنك تتقصّدين ركوبها استجداءً للتحرش بكِ هههههه !!!؟
لالا .. أكاد أبكي من تخيّل هذا المشهد . لا تشدّي حبال الفضيحة ، وردّي على هذا العابث بمثل ما يفعل .
أنتَ.. يا هذا .. الآن خمر وسلام وقريباً أمر وكلام ! وسأريكَ العازمات من آياتي الحازمات ! "
اسْتنام الثعلب إلى سكوتها ، ولعله ظنّها عاجزة عن الشكوى الصريحة .
التحمتْ ساقه بساقها ، فلم يندّ عنها احتجاج .. عدّل جلسته واقترب بفخذه المنفوخ فلم يبدُ عليها انزعاج .. اقتربتْ كتفه فاستسلمت كتفها .. مدّ يده الماكرة فداهنتْ رغبته البلهاء .. فتشبّع اطمئناناً وارتخت أعصابه لتكون هي في أتمّ استعدادها للانقضاض . ثم تكتّفتْ بهدوء موحِية له أنها ستمكّنه من حجْب يده الخبيثة العابثة بطرف صدرها .. لحظات .. وكانت أصابعه كالحيّة تتسلّل إلى العمق بجرأة ووقاحة وتقرص !
هِبة !!! على الباغي تدور الدوائر .. وإذا ضربتِ فأوْجِعي .
بكفّها الشديدة داهمتْ كفّه الغارقة في لذّة غبية ، وقبضت على أصابعه المتسللة كما تطبق المصيدة على الفأر ، وضغطت عليها بكل ما أوتيتْ من قوة ، وأخذتْ تهرسها في قبضة ورثتْ ضخامتها وقوتها عن أبيها الرياضيّ . تلك القبضة التي أطلقوا عليها دوماً " قبضة تايسون " لكثرة ما عوّدتها منذ سنين طويلة على حمل الأوزان الثقيلة ، وبقدمها اليمنى الجبارة التي أزاحت بها يوماً خزانة الكتب والملفات فأدهشت الرجال غرزتْ بكعب حذائها الرفيع على حذائه الطنبوري وهي تستمدّ القوة من إسناد قدمها اليسرى إلى قاعدة المقعد الأمامي ، وكلما شعرتْ بقدمه تريد الانسحاب إلى ما وراء خطوط القتال كلما زادت نخساً ، وكلما شعرت به يريد الفرار من هذا القنص المفاجئ كلما اشتدّتْ كبْساً وهرْساً ودعْساً وأنشبت مخالبها في لحمه وكفّه المنطوي في قبضتها التايسونية كالفأرة تحتار كيف تنجو من المقنصة .
اصرخْ .. يا الأحقر من ذباب يقع على أنف ملك وعلى جفن أسد !!
حتى اكتفتْ .
وأرختْ قبضتها ومكّنتْه بإرادتها من الإفلات ، وتمكّنت هِبة من الظفر بمسبحته التي ظنّ أن تكون طعماً لها فكانت مصيدة له . ثم بصوت واضح ونظرة متوعّدة أشارت إلى الصندوق وطلبت منه أن يزيحه ليتّسع المقعد ، فوضعه أمام ركبتيه وابتعد نحو النافذة ممصوصاً كأنه يلوذ بها من خطر داهم ، والتفت بوجهه خارج الباص تماماً يتطلّع بمشاهد كأن عينيه لم تقعا عليها إلا الآن وتستحق كل تأمّل !
بينما أخذت القادرة المُقتدِرة المسبحة بين أصابعها تحرك حباتها والعجوز في المقعد المجاور يثبّت نظارته ويحملق بها بدهشة .
وصل الباص إلى المحطة الرئيسية .
من مقعدها في الحافلة رأتْ هبة بائعة شابة نحيلة ذات مظهر بائس متواضع تحمل طفلاً يبكي ، تنادي على بضاعتها : كلينكس ، أقلام ، محايات ، وهي تحرّك بمنديل أمام وجهها الغارق في العرق في حرّ حارق وجو خانق .
ومع وصول الباص وضعت الشابة حاجياتها داخل حقيبة كبيرة على جنبها ثم اندفعتْ بين القامات عند باب الصعود فأغرقتْها الأجساد حتى لفظتْها في جوف المركبة .
ترنّحت البائعة مع حركة الباص وأوشكت على السقوط فاستندت بالواقفين المتأرجحين ، ولم يتخلَّ أحد عن مقعده لها .
يُقال إن القوامة مكرمة متأصِّلة في الضمير الذكوري ، ولكن يبدو أن بؤس الحياة لا يتيح للشهامة مطرحاً ، والأكيد أن التعاسة توسّع الممرّ للمعاصي والشهوات وتحتضن النزوات الشيطانية وتنصرها .
رفعتْ ذات القبضة التايسونية يدها وأشّرتْ للشابة أن تجلس مكانها ، ثم بدأت هِبة تحت ضغط الركاب تتراجع للخلف وهي تشعر بالدوار يشتدّ في جوّ معبَّق بروائح مختلفة مثيرة للغثيان طالما استشعرتْها في الأماكن المغلقة والمزدحمة .
تلك الروائح .. إن عاودتْها اليوم قفزت ذكرى الثعلب الملتحي ، وسيدة الباص ووليدها الباكي ، وكأن ذكراهم لا تأتي إلا مترافقة مع ما خزّنتْه حاسة الشمّ من رائحة الباص ، وما انطبع في العين من صورة صندوق المُتمشْيخ وما وقع على اللمس من تلك المسبحة !
ومن مكانها في مؤخرة الحافلة ، كانت هبة تتحيّن انفراج زوايا بين رؤوس وأكتاف الركاب فتلمح البائعة تهزّ طفلها تارة وتمسح على رأسه أخرى ، أو تعطيه المصاصة فلا يجد خيراً منها فيعود للبكاء مغطياً على زعيق الباص .
ظلّ قلب هِبة ملتفتاً إلى الأم البائسة والصراخ المتواصل ، وطوّحها بكاء الوليد المفجع إلى وهدة الحزن وهي ترى فيه ابنتها المفتقَدة ، فانقبض قلبها وجعاً عندما تذكرتْ اضطراب فلذة كبدها في أيامها الأخيرة .
خرج من الزعران صوت طرزان ولدتْه ( امرأةٌ ) ذات يوم ليس بالبعيد ، مستاء من صوت الطفل المزعج ، ونظرات الشذر والامتعاض تنصبّ من الرجال على الأم المسكينة .
العيون الذكورية لا ذاكرة لها ، وتنسى اليد الرحيمة التي رعتْها وتحمّلتْ الشقاء حتى كبّرتها ، فإذا ما اشتدّ عودها ، عضّتْ يد الخير واعتدتْ على حرمات الناس بالقباحات !
غمر هبة إحساسٌ نبيلٌ يليق بقلب الأم ، فمضت وراء شعورها لتمدّ يد المساعدة للسيدة المنكوبة وطفلها .
شقّتْ طريقها بين الجموع لا تلتفت إلى اللذّة الخرِفة التي يسترقها الرعاع في ثوان قليلة للتمسّح بامرأة أو تلمّس تضاريسها .
وقبل أن تصل ..
رأت السيدة من فوق رؤوس الجالسين تقوم بعمل ستبقى كل حياتها تذكره بفخر لنفسها ، ويحفظه لها وليدها في ذاكرة الخير إذا كبرَ وأخْلصَ !
رأتْ هِبة الأم تخلع حجابها ثم تربط طرفَيْه حول رقبتها وتغطي به رأس الطفل وصدرها وتخرج ثديها لإرضاع الوليد أمام الجموع الجائعة !
نسي الرجال عقولهم .. كأنهم تركوا أنفسهم تماماً في زمن ودخلوا زمناً آخر !
شهقت العيون واتّسع بياضها لا ترفّ إن حطّت عليها حشرة طائرة ، وزمجرت النظرات في عرينها ثم انطلقت من أقفاصها مُقتحِمة الحجاب الرقيق المغطّي للصدر وكأنها لا تريد أن تستردّ أبصارها من حيث يتمنّى كل راءٍ أن يسند رأسه بدل الطفل عليه . وفوق تفاحة حواء ، كانت دقات القلوب تتسارع والشهوات تتصاعد والرغبات تتعارك وسهام العيون تتقارع فوق النهد الناهض . لم يكنْ الساتر من حجاب الموضة الذي يلتفّ طبقات أكثر إغراء من الشعر نفسه ، وإنما كان عبارة عن خِرقة رقيقة بالية بالكاد تغطّي الرأس والعنق .
كل الضجيج في الباص تهافت وغاب في حضور نبض الحياة ، والعيون تخترق غلاف الأوزون لتصل إلى أعماق الكون .. هتفتْ الرغبة :
كلنا آدم واحد ، عِشق واحد ..
كان الله يراقب كل هذا ويتحسّر ..
هل انفلتتْ حادثة الخطيئة الأولى من ذاكرة القلوب ؟؟!!
وكان الشيطان يشاهد أيضاً ويتندّر ..
فلْتسقط العقول عند أقدام شجر التفاح ..
تسقط تسقط تسقط !
ولْتزهرْ على فروعه أبْيَضاتُ الأحلام ..
سقطتْ اللحى حتى غطّتْ بداية مُرتقى العنق ، وانفرجت المغاور المظلمة لتنطلق منها شهقات الدهشة والاستنكار .. والرغبة المحمومة !
كانت هبة تضع شالاً تخريجاً لفستانها ، فنزعتْه وامتدّتْ يدها إلى الأم تسألها أن تقبله لتغطّي به شعرها . بلطفٍ رفضت ذات الرأس المكشوف الهِبةَ وقالت بلهجة حازمة : فَلْيغُضّوا أبصارهم !
لكن استراق النظر الوقح أحدث هياجاً في صدر أم الطفل ، فالتفتتْ إلى جارها ( البغل الورع ) في المقعد .. هو هو الثعلب بعينه جار هِبة سابقاً ، وصاحت السيدة به غاضبة : اِقْلعْ عينك ! فحدّجها بحدّة مصطنعة لكنها عاجلتْه : نزّلْ الصندوق لأستريح وأنا أرضِع ولدي واكسِرْ يدك ورجلك ! ثم التفتتْ إلى العيون الشبقة تلتهم الضحية بلا نخوة وقالت باستياء : ألمْ تروا في حياتكم امرأة كاشفة رأسها وترضع ابنها ؟
امتعض الورع ، فهبّ واقفاً وافتعل رجولة زائفة صارخاً :
- والله حلو .. لم يبقَ إلا هذا ، ست تكشف عن صدرها أمام الناس وتتّهمنا ، روحي ضبّي لسانك المتبرّي منك يا مَرا ، اِبقي في بيتك ساترة شرفك ، لو كان زوجك رجلاً لما سمح لحريمه بهذا الظهور المهين !
وكاد أن يحصل عراك بينه وبين رجل انتصر للسيدة ، فصاح السائق بالهائجين :
- صلّوا على النبي يا جماعة واقصروا الشر .
فأظهر الثعلب ورعاً وغادر الباص .
لا درَّ درُّك أيها الرقيع !
نزل الركاب في المحطة الأخيرة ، حيث تزدحم بالطلاب والعمال .
كان الطفل نائماً بسلام والحجاب يغطي رأسه .
وقبل أن تفترقا ، رجتْها هِبة ثانية أن تستعين بشالها فاعتذرتْ السيدة بأدب وأجابت بحدة :
- منْ عليه أن يتحجّب هم .. لا نحن ! أنا أقوم بواجبي كأم ، البشاعة سافرة في عقولهم وأفعالهم وليس من العدل ألا يثوروا ضدها ، نفوس وضيعة لا يقوّمها دين ولا ضمير .. قطيعة !!
كبر الأمل بك أيتها المرأة الشجاعة .
طبعتْ هِبة قبلة على يد الطفل الطاهرة ، ثم افترقتا .
التفتت هبة إليها تتأملها وهي تصيح بقوة : كلينكس دبابيس أقلام .
هل يعلم الرجل أنه يكيل لنفسه بنفس ما به يكيل للمرأة ؟
أليس في ازدرائه للمرأة واستباحة حقها ، له عائد ما فعل ؟
ألا تجرّده المعتَدَى عليها بنفس اللحظة من إنسانيته وهو يهبط برجولته إلى درك الحيوانية ؟
وما فوقيته إلا في التصاغر الإنساني ، وما قوامته إلا على هوان خلقي ، وازدراء لبشريته وبشريتها معاً .
رمتْ هِبة المسبحة في الهواء ثم التقطتها بكفها التايسونية وابتسمتْ بثقة :
قولوا ما شئتم عن حواء : حيّة ، شيطان ، فتنة ...
إلا أنها بتفاحة واحدة عرّتْ الرجل وكشفتْ عورتَه ، فتدلّى فكّه في بَلَه ، وسقطت اللّحْية إلى الصدر ، وهبط العقل إلى الكرش .
بتفاحة واحدة !!