الدستور المصري .. انتكاسة جديدة للدين

احمد الكناني
2013 / 12 / 4

الصراع بين صخرة الدين و بيضة المدنية داخل لجنة الخمسين المكلفة بصياغة الدستور المصري الجديد تمخض و كما هوالمتوقع عن اقرار المادة الثانية بصيغتها الاولية و من دون ادخال اي تعديل عليها و هي جاهزة للاستفتاء كبقية مواد الدستور الاخرى ’ و نتيجة للجهود المضنية التي بذلها عمرو موسى بين المرجعيات الدينية و الليبرالية اقرت المادة بالاغلبية و بهذه الصيغة: " الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع" و لفظة " مبادئ" هذه اثارت هي الاخرى زوبعة بين الاسلاميين و جعلوها بابا يمكن من خلاله الانحراف عن الهوية الاسلامية لمصر ’ و كان الاولى بنظر هؤلاء المخلصين لله و لرسوله و للمؤمنين اثبات الاحكام و ليست المبادئ .
و اعتقادي بالدين يقودني الى القول بان الاخلاص له يتطلب رفعه من هذه المادة كليا بمبادئه و احكامه ’ حفاظا على طهره من ان تلوثه تلك الدساتير المكتوبة حديثا و المغلَفة بصياغات الدولة المدنية ’ مع الاعتراف التام بصعوبة مهمة المشرعين للدستور في بلد ذي تأريخ طويل من التعقيدات الدينية ’ لكن الامر يتطلب جرأة فائقة في التعامل مع الدين اذا ما اراد هؤلاء المشرعون تبني دستورا مدنيا خالصا لا هجينا . و الانصاف ان مواد الدستور جاءت متوافقة مع مواصفات الدولة المدنية من تبني الديمقراطية و التداول السلمي للسلطة ’ الاقرار بمبدأ المواطنة ’وسيادة الشعب صاحب الحق الوحيد في تأسيس السلطات ’و الحرية و المساواة و تكافل الفرص ’ و اقرار حقوق المرأة ومساواتها بالرجال فى ميادين الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية.ثم تتقدم كل هذه المواد فقرة دين الدولة وهو الاسلام واحكامه و مبادئه هي المصدر الرئيسي للتشريع ’ اقول كيف تستقيم هذه المواد تحت اطار الحفاظ على الشريعة الاسلامية و عدم مخالفتها و التي هي وظيفة الازهر الشريف كما تنص عليه المادة الرابعة التي تحدد صلاحيات الازهر بأن يؤخذ برأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف فى الشئون المتعلقة بالشريعة الإسلامية اذا ما ظهرت المخالفات و ستظهر بما لا يقبل الشك اثناء التطبيق ’لان التضاد بين مبادئ الدولة المدنية و مبادئ الدين غير خافية على احد ...
و لعل المشرعين للدساتيرالجديدة مع ايمانهم الشديد بهذه المفارقة و الجدلية الازلية يبتغون من وراء ذلك الحفاظ على الهوية العربية و الاسلامية لبلدانهم و ذلك من خلال طرح اللغة و الدين في فقرة واحدة و يستهلَون دساتيرهم بهما تيمنا و تبركا ’ ثم يصيغون موادهم بحسب صياغات المدنية و الحداثة ليظهروا للعالم انهم سائرون في ركب الديمقراطية و حقوق الانسان ... لكن اثبات ان الدين هو مصدر رئيسي للتشريع يتناقض مع الديمقراطية و حقوق الانسان بمفهومهما القائم اليوم و لا يثبت الهوية لتلك البلدان ’ و هل ان التشريع الاسلامي يثبت هوية مصر او ان هوية مصر بأهراماتها و فراعينها .. نعم الاسلام دين الاغلبية و لابد من الحفاظ عليه و صونه و احترام التعبد به ’ و اقول الاسلام بعمومه بكل مذاهبه و طوائفه و من دون التفرقة بين ابناء الاسلام الواحد تحقيقا للعدالة و حرية المعتقد ’ اذا تحقق ذلك فهو غاية المنى في جعل مصر التسامح على الطريق الصحيح ’ و به يتجاوز المجتمع الانقسام الطائفي الذي تسببت به حكومة الاخوان المنقرضة ’ و ليأخذ القيَمون على مصر العبرة من تجارب ممن سبقهم في العراق حيث اوصلهم دستورهم للاحتكام الى المرجعيات الدينية و العشائرية اثناء تطبيقهم لمبادئ الدولة المدنية من الفدرالية و حكومة الاقاليم فصارت الطائفية الدينية و العشائرية هي التي تحدد مبدأ الفدرالية ’ و حصل ذلك نتيجة الخلط العجيب و غيرالمتجانس بين الدين و العشائرية و المدنية ’ و نسوا ان الفدرالية انما نجحت في البلدان التي قننت الدين كممارسة فردية ضمن حرية للمعتقد المكفولة قانونا و ليس مرجعية للاحتكام ’ و هذه ثقافة للشعوب الفتها و تذوقتها عبر السنين ’ ومن الحماقة بمكان تطبيقها على شعوبنا التي تتخذ من المرجع الديني اساسا في حركاته و سكناته.
و الامل في ان يكون الازهر مرجعا لكل المصريين و مدافعا لحرية الاعتقاد الديني على عمومه ’ و ليدع السياسة لاهلها ...كفانا بؤسا لقد بلغت النفوس التراقي