هرمنيوتيك القران و السنة

احمد الكناني
2013 / 11 / 27

عنوان المقال عبارة عن محاولة جادة لتطبيق الهرمنيوطيقا على النصوص الاسلامية من الكتاب و السنة للكاتب الايراني محمد مجتهد شبستري ’ كتبه بالفارسية و نقله الى العربية السيد احمد القبانجي ’ و تمتاز هذه المحاولة عن كل ما كتب حول اعادة صياغة التراث الاسلامي بانها نتاج فقيه عاش تجربة فشل التشريعات الاسلامية وعجزها عن ايجاد الحلول لمشاكل المجتمع الايراني نتيجة لقراءة غير واعية للاسلام بجنبته الحاكمية ’و ذلك خلال فترته النيابية في مجلس الشورى الايراني قبل ان يودعه الى حيث لا رجعة ليتفرغ للتدريس و التنظير لايجاد طرق معرفية حديثة يمكن الاستفادة منها في تصحيح قراءة التشريع الاسلامي مستفيدا من وجوده السابق في المانيا كرئيس للمركز الاسلامي هناك ’ و اطلاعه على مدارس الهرمنيوطيقا و كيفية الاستفادة منها في فهم النصوص الاسلامية ’ فكانت حصيلة ما توصل اليه تلك المدونة التي تجمع بين دفتيها تشخيص دقيق للاخطاء المنهجية التي وقع في شراكها المفسرون و الفقهاء و طرق معالجتها .
يرتكز الكتاب على محور اساسي يعتبره المؤلف اشكالية كبيرة تحكم فهم المفسرين و الفقهاء المشرعين وهي المقدمات الذهنية المسبقة والمستقاة من العلوم المختلفة التي تشكل الخلفية الثقافية لهؤلاء المشرعين حيث تترك اثرها على النص الديني المراد تفسيره ’فالبلاغي ذي المقدمات البلاغية عندما يستنطق النص في محاولة لتفسيره سيجد جوابا له في الايات و كذلك الفيلسوف و العارف او حتى ذلك الطائفي او المغالي او داعية السلم او الحرب يجد الايات داعمة لما يعتقد به لانه يقرأ المعاني وفق تصوراته و خلفياته الثقافية ’ كل هؤلاء انما يتحركون وفق المقدمات المسبقة في اذهانهم فيفسروا للقران على اساسها وكلهم بحاجة الى تنقيح تلك المباني قبل القيام بعملية فهم النصوص ’و هذه وظيفة علم الهرمنيوطيقا ، لأنّ بحوث هذا العلم تبيّن ضرورة تنقيح مقدّمات ومقوّمات تفسير النصوص الإسلامية وخاصة في عملية الاجتهاد وبالتالي يمكن تقديم تفسير مقبول للإسلام في هذا العصر’ فلا بد من الانفتاح على علم الهرمنيوطيقا ودراسته واستثماره في هذا المجال’ لان الشريعة الاسلامية جاءت لتجيب عن الاسئلة المستجدة في مجتمع اريد له العيش وفق الضوابط المحددة من قبل الدين ’ و شاءت الاقدار ان تستمر الحالة الى يومنا هذا ’ لكن الذي حدث ان الاسئلة و التفريعات بدات تنهال على رؤوسنا و تؤسس لوضع جديد على ضوء تلك الاجابات و بحسب عقلية الفقهاء و فهمهم للاشياء و يراد منا وجوب الاطاعة و التعبد باقوالهم ’ بحجة ان كلامهم كاشف عن الحكم الالهي .و هنا يأتي دور الهرمنيوطيقا لتصحح طريقة التفكير و تؤسس لعملية فهم واع لنصوص القران و السنة .
والسؤال المطروح :ان الدواعي التي اوجدت الهرمنيوطيقا في الغرب قبل قرنين من الزمن هل هي موجودة الان في الشرق من سلطة الكنيسة المطلقة و قيموميتها على تفسير النص المقدس و حصره بها و اعطاء الحق في التفسير لارباب الكنيسة دون سواهم ’ و من المنضوين تحت لوائها و المؤمنين بقراراتها. و نتيجة طبيعية للكبت الديني في ذلك الزمان نشأت بوادر التفكير في منهج علمي يستهدف التاويل الصحيح للنص المقدس لئلا ينفتح الباب على التاويل المذموم للمقدس’ و ذلك من خلال التنظير الى مجموعة من القواعد و المعايير الواجب اتباعها من قبل المفسر لفهم النص الديني ’ فنشأت الهرمنيوطيقا ونجحت في ما كانت ترمي اليه ’ثم تجاوزت الدين الى بقية العلوم الاخرى ’ و الان الا يصبح من العبث الرجوع اليها و تطبيقها على الدين الاسلامي ؟
و اقول :على الرغم من صحة ما ورد في الاستفسار اجمالا الا ان الخطاب الديني يظل واحدا وان اختلفت الديانات فنجد ذات اللهجة تعلوا الخطاب الاسلامي و يدعى ان النص القراني يفوق تصورات البشر ’و تفسر الاية { لا يمسه الا المطهرون } بأن الخلص من الناس من طهرت سريرتهم و وصلوا الى المراتب العليا من الكمال يمكنهم تفسير النص دون سواهم .
مضافا الى ان الديناميكية الدينية المحركة لشعوب المشرق سببها الخطأ في فهم النصوص من قبل رجال الدين و هي بحاجة الى التقويم و ان تجاوزها العالم في الغرب .
لكن سحب الهرمنيوطيقا الى النصوص الاسلامية هل يوصل الى النتائج التي حصل عليها الغرب ’ او ان الواقع مختلف جدا و لا يجدي ثمارا مرجوة ؟
او ان المشرعين من رجال الدين المسلمين جاءوا بما يكفي لحل اشكالية فهم النصوص من قبل المتلقي وهو في ذيل التاريخ عن طريق فهم مقاصد الشريعة من خلال مباحث الالفاظ في علم اصول الفقه وهي كفيلة لحل مشكلة فهم لغة التشريع من القران و السنة التي ابتعدنا عنها كثيرا و اصبحت استعمالاتها اللغوية مختلفة عن لغة التخاطب المتداولة بيننا هذا اليوم ’ رغم ان الاصوليين يستدلون بالمتبادر من العرف كما يسمونه في حال اشترك اللفظ باكثر من معنى و التبس الامر في تقديم اي المعاني الاقرب الى اللفظ الوارد في النص ’ و هذا الكلام الجدلي نسمع صداه عند اتباع المدرسة التقليدية الرافضة لكل وافد من الغرب الكافر بدعوى امتلاكنا للاساليب المعرفية الخاصة بنا و لا حاجة لنا للهرمنيوتيك و لا لغيره .
و للجواب عن هكذا تساؤل اشار اليه الشبستري من ان مباني المبحث اللفظي من علم الاصول مرتبط اساسا بدلالة الالفاظ على معانيها و كيفية حصول تلك المعاني و انكشافها من الالفاظ كالمشترك و المترادف و المشتق ودلالة الامر و النهي من اللفظ وغير ذلك من مباحث الالفاظ ’ كل تلك المباحث تدور حول العلاقة بين اللفظ والمعنى ’ و الهرمنيوطيقا تعني طريقة فهم النصوص و من دون عملية الفهم لا معنى لدلالة الالفاظ ، ثم أنّ دلالة اللغة إنّما تكون مجدية فيما لو اقترنت بالتفسير والفهم للنص ’ اذن مباحث الالفاظ من اصول الفقه لا تكون بديلة عن عملية فهم النص .
لكني اسلم بالمؤاخذات الواردة على كل الدراسات التي تتخذ من الهرميوطيقا طريقا لفهم النصوص الاسلامية كونها بداية من حيث ما ابتدءوا و هو مبدأ لا يقره عقل سليم ’ اذ مقتضى القاعدة الابتداء من حيث ما انتهى الاخرون لكي يختزلوا الزمن و يستفيدوا من تجارب الاخرين ’ لكنه عنوان للواقع الشرقي في التعامل مع الافكار خصوصا الوافدة منها حيث تبتدء بالدين و سوف لن تخرج منه ...