لمناسبة مرور عشرين عاماً على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي

جاسم الحلوائي
2013 / 11 / 21

لمناسبة مرور عشرين عاماً على انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي
مؤتمر الديمقراطية والتجديد (1993)
منعطف مصيري في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي
جاسم الحلوائي

عقد الحزب الشيوعي العراقي، منذ تأسيسه في عام 1934 حتى مؤتمره الثامن المنعقد في أيار 2007، ثمانية مؤتمرات، هذا فضلا عن العديد من الكونفرنسات، وجميعها لا تخلو من جديد بحكم حركة الواقع المتغير والمتجدد دوماً وباستمرار، ولكن لم ينل أي منها تسمية "مؤتمر الديمقراطية والتجديد"سوى المؤتمر الخامس المنعقد في عام 1993. وسيبقى هذا المؤتمر علامة مضيئة ومنعطفاً مهما في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. لقد حرر هذا المؤتمر الحزب من الجمود العقائدي والنصية، وأنقذه من أزمة شاملة كادت تعصف بمصيره. كان المؤتمر بمثابة ثورة على "المسلّمات" المكبلة لعقل الحزب وتفكيره. لقد أدت نتائج المؤتمر إلى تغيير طبيعة الحزب وطريقة تفكيره. وبات الحزب، كما أعتقد، أدق فهماً للمنهج العلمي المادي الديالكتيكي في تناول مختلف الأمور التي واجهته وتواجهه. وتستحق مجلة "الثقافة الجديدة" التثمين على مبادرتها إلى الاحتفاء بيوبيلية هذا المؤتمر، حيث تمر في تشرين الأول من هذا العام الذكرى الخامسة عشر لانعقاده.
ومن الملاحظ أن الكتابات التي تناولت هذا المؤتمر لم تعطه حقه كاملا. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أن الرفيق عزيز سباهي، الذي تولى مشكوراً مهمة كتابة تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، يكتب بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انعقاد المؤتمر المذكور ما يلي: " أتيحت للمندوبين الأجواء التي تساعد على المكاشفة وحرية النقد. لذلك أطلق على المؤتمر اسم"مؤتمر الديمقراطية والتجديد" (1). مع عدم إهمال السبب الذي يذكره سباهي، إلا أن هذا ليس هو السبب الجوهري في هذه التسمية، فسبب التسمية أعمق بكثير من ذلك. فقد جدّد الحزب أيديولوجيته في هذا المؤتمر. وفي الوقت الذي ظلّ الحزب متمسكاً بخياره الاشتراكي كهدف بعيد، فإنه صحح هويته ومرجعيته الفكرية. وتحوّل الحزب من حزب شديد المركزية ذي ضبط حديدي إلى "حزب ديمقراطي من حيث جوهره وأهدافه وبنيته وتنظيمه ونشاطه، ومن حيث علاقاته بالقوى الاجتماعية والسياسية الأخرى"، كما نص على ذلك في مقدمة نظامه الداخلي الجديد الذي أقره المؤتمر، هذا فضلا عن تجديد قيادته، بما في ذلك الشخصية الأولى في الحزب، ومصادقته على تشكيل الحزب الشيوعي الكردستاني ـ العراق.
وتأسيساً على ذلك فإن هناك ضرورة لنظرة تاريخية تلقي الضوء على أبرز الأسباب التي دعت إلى أن يُطلق على المؤتمر الخامس اسم"مؤتمر الديمقراطية والتجديد". وسيكرس هذا المقال لشرح ذلك، إضافة إلى كيفية حصول التجديد والولادة العسيرة التي مرت به وأبرز نتائجه.

***
تأخرت قيادة الحزب الشيوعي العراقي كثيراً في تحليلها للبريسترويكا. ولم ترصد قيادة الحزب ما كان يجري في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الأخرى، كي تُراجع أوضاع الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية ومجمل نشاطه العام، إلا بعد أن أخذت الأنظمة الاشتراكية بالانهيار في نهاية ثمانينات القرن الماضي. وقبل الدخول في مديات تأثير كل ذلك على الحزب، نلقي الضوء بشكل مرّكز على الأوضاع الصعبة والمعقدة التي كان يعيشها الحزب خلال الفترة التي ظهرت فيها البريسترويكا حتى ولوج الحزب درب التجديد.

كان الحزب الشيوعي العراقي يعيش، شأنه شأن جميع الأحزاب الشيوعية الأخرى، أزمة فكرية وتنظيمية منذ أمد بعيد. وكان الحزب بأمس الحاجة إلى التجديد والديمقراطية. ولم يتمكن المؤتمر الرابع ( تشرين الثاني 1985) من القيام بتلك المهمة والبريسترويكا لم تكن قد بلغت أسماعه أو دقت بابه بقوة بعد. فالمؤشرات الأولى للبريسترويكا طرحت في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفييتي في عام 1984، أما في اجتماعها المنعقد في نيسان 1985 فقد تصدت إلى مراجعة المسيرة الماضية لبناء "الاشتراكية" بروح انتقاديه أكثر جرأة وصراحة. فقد أشارت الوثيقة الصادرة عن هذا الاجتماع إلى أنه قد جرى باسم الاشتراكية والبناء الاشتراكي، التجاوز على القوانين الموضوعية لتطوّر المجتمع والدعوة إلى استباق الزمن وحرق المراحل وفرض الاشتراكية بأوامر إدارية فوقية، دون مراعاة مستويات النضج المادي والروحي للمجتمع. وكل هذا يُشّكل خروجاً على الاشتراكية العلمية التي نادى بها ماركس.

لقد عانى الوضع التنظيمي للحزب الشيوعي العراقي في أعقاب المؤتمر الوطني الرابع، كما يشير إلى ذلك التقرير السياسي والتنظيمي المقدم إلى المؤتمر الخامس (1993)، صعوبات جمة شأنه في ذلك شأن كل مجالات عمل الحزب الأخرى، وبدرجات متفاوتة من قطاع إلى آخر، سواء في داخل الوطن أو في العمق أو في كردستان وفي الخارج. ويعود ذلك إلى الإرهاب وتصاعد وتائره وما رافقه من ركود فكري، و"ضعف المتابعة لمجريات الواقع الموضوعي، وما سببه من عدم استقرار المنظمات واضطراب حياتها التنظيمية وشللها أحياناً، إضافة إلى هجرة الكادر وتناقص الإمكانيات المالية. وجاء انحسار الحركة الأنصارية، كما يشير التقرير المذكور، في صيف 1988 في أعقاب حملتي الأنفال الأولى والثانية وتشديد الإرهاب في كردستان وسائر أنحاء الوطن، واضطرار أعداد كبيرة من الرفاق والكوادر إلى الابتعاد عن ساحة النضال ليزيد من الصعوبات التي يواجهها الحزب باستعادة كيانه الذي أثخن بالجراح طيلة ما يزيد على عشر سنوات.

وشهدت منظمات الحزب خارج الوطن في تلك الفترة، وفقاً للتقرير المذكور، اضطراباً شديداً في عملها جراء عوامل عديدة، وخصوصاُ في الجانب الفكري والإحباط الناجم عن تراجعات الحركة الشيوعية العالمية والوضع غير الطبيعي الذي عانت منه لجنة تنظيم الخارج وعدم استقرارها والذي وصل بعض الأحيان إلى حالة قريبة من الشلل (*).

ويضاف إلى كل ذلك النواقص الذاتية الخطيرة في الهيئات القيادية للحزب "بدءاً باللجنة المركزية ومكتبها السياسي، التي تمثلت في بعض الأساليب والإجراءات التنظيمية الخاطئة وفي عجزها عن معالجة الكثير من الظواهر غير الصحيحة في حياة الحزب وما سببه ذلك من انعكاسات سلبية على حياة المنظمات وعلى عدد ليس بالقليل من الرفاق والكوادر الحزبية" (2) .

يضاف إلى تلك الصعوبات أيضاً التخريب الذي مارسته عناصر قيادية خرجت على الحزب في أوائل وأواسط الثمانينات، وواصلت نشاطها وتبشيرها بمواقفها الاستسلامية الداعية إلى التهادن مع الدكتاتورية في صحيفتها "المنبر"، ويرددها من ارتضى التسيب في صفوف الحزب. كل ذلك أحدث بلبلة وتشويشاً، غذته أجواء الإحباطات التي سادت في الحركة الشيوعية وحالة الجزر التي كانت تعاني منها الحركة الثورية والأزمة التي يعاني منها الحزب.

ولا يمكن أن ننسى تشتت كوادر الحزب بين الداخل الذي يعيش في ظل الدكتاتورية، والجبل المنعزل إلى حد كبير، والمنافي البعيدة والقريبة، كظرف غير مساعد لعملية تتطلب توحيد الطاقات وتفاعل فكري جماعي لمواجهة انعطاف خطير في حياة الحزب.

ومع كل تلك الظروف الموضوعية غير المؤاتية للشروع في تجديد الحزب، فقد كان هناك قصور ذاتي لا يمكن التغاضي عنه. فلقد تخلفت قيادة الحزب عن استيعاب مغزى البريسترويكا. ففي اجتماع اللجنة المركزية المنعقد في عام 1988 ، أي بعد ثلاث سنوات من الشروع بها، جرى التطرق إلى البريسترويكا بشكل عرضي. وفي اجتماعها في آذار 1989 توقفت اللجنة المركزية عندها دون أن تتفاعل مع جوهرها رغم انهيار عدد من الأنظمة "الاشتراكية". ولكن كل ما كان يحيط بالحزب يشير إلى عدم إمكانية الاستمرار على ذلك الوضع، وباتت دراسة وضعه بعمق وإجراء مراجعة شاملة لأيديولوجيته وبرنامجه ونظامه الداخلي وخطابه السياسي وقيادته، أمر لا يقبل التأجيل ويتوقف عليه مصير الحزب اللاحق.

وتبعاً لذلك، وفي نشرة عممها المكتب السياسي في أيلول 1989، تمت دعوة منظمات الحزب والرفاق المعنيين إلى المساهمة مع قيادة الحزب في سعيها لإعادة صياغة الوثائق البرنامجية للحزب وتدقيق المفاهيم وتطوير استنتاجات الحزب وحصيلة تجربته النضالية. واتخذ هذا المسعى للتجديد، كما تشير وثائق المؤتمر الوطني الخامس، منحى أكثر ملموسية في آذار 1990، إذ طرحت اللجنة المركزية تقريرها "في سبيل استنهاض قوى الشعب لتحقيق السلم والبديل الديمقراطي"، للمناقشة في منظمات الحزب. ومما جاء في هذه الوثيقة ما يلي:

" وفي هذا الإطار شرع المكتب السياسي للحزب منذ دورته في أيلول 1989 بإعادة تقييم وضع الحزب وحياته الداخلية على أرضية إشاعة أوسع ديمقراطية فيها بما يرفع دور الشيوعيين في رسم سياسة الحزب وإبداعهم في تطبيقها، وقدرتهم على تقويمها وتصويبها، وتعديل مسارها، ومتابعة عمل قيادة الحزب وانتخابها، وحجب الثقة عنها عند الضرورة، وتجديدها باستمرار". وتذهب الوثيقة إلى أبعد من ذلك لتقول: "إن الواقع الذي آلت اليه الأوضاع في بلدان أوربا الشرقية "الاشتراكية" والأشواط التي قطعتها (البريسترويكا) لإعادة البناء في الاتحاد السوفييتي، على مختلف الصعد والميادين، جعلت من الضروري تجاوز العموميات، والانتقال إلى التحديات الملموسة لمفاهيم التجديد، خصوصا فيما يتعلق بتفاعل الحزب مع جوهرها واستنتاجاتها الجديدة، والأخذ بنظر الاعتبار تأثيراتها المباشرة على الوضع في العراق، ومحيطه العربي والإقليمي".

كما جاء فيها أيضاً "إن إقرار حزبنا بالظروف الموضوعية التاريخية لعملية التجديد وطابعها الشمولي الخلاق، ينطوي على وعي المخاطر التي تحيطها وتلازمها، وتناقضاتها، والعوامل التي تتحكم بمجراها، وتكبحها أو تغيّر وجهة جريانها، مما يستلزم التأكيد على قيم الاشتراكية أفضلياتها" (3).

وتواصل هذا المسعى في اجتماع اللجنة المركزية في أيلول 1991 الذي اقر فيه مشروعا الوثيقة البرنامجية للحزب والنظام الداخلي. كما جرى التوقف عند موضوعة التجديد أكثر من مرة في عام 1992 ، وكان آخرها في النشرة الداخلية التي عممها المكتب السياسي في أعقاب اجتماع (ل.م) في تشرين الأول 1992. وتتوجت مساعي التجديد بعقد المؤتمر الوطني الخامس، مؤتمر الديمقراطية والتجديد، والذي سنتوقف عنده لاحقاً (4).
***
في إطار عملية التجديد، توقفت اللجنة المركزية في اجتماعها (آذار 1990) عند القضية الكردية، ولاحظت أن الحزب كان قد حدد موقفاً مبدئياً من القضية باعترافه بحق تقرير المصير للشعب الكردي، كما أقر بوحدة وطنه المجزأ. ومن هذا المنطلق كان الحزب قد صاغ شعار الحكم الذاتي لكردستان العراق في إطار جمهورية عراقية ديمقراطية. لكن الحكم الدكتاتوري عمد إلى تشويه هذا الشعار حين اضطر إلى التسليم به في السبعينات وما رافق ذلك من ممارسته الجائرة. لذلك أضاف الاجتماع إلى هذا الشعار صفة "الحقيقي"، ليصبح الشعار: "الحكم الذاتي الحقيقي". وعند دراسة دور منظمة الحزب في كردستان، دعا الاجتماع إلى تحقيق أقصى استقلالية لها في إطار الحزب الشيوعي العراقي، بما في ذلك وضع برنامجها ونظامها الداخلي وعقد مؤتمراتها وانتخاب لجنتها المركزية. بيد أن الاجتماع رفض إقامة حزب شيوعي كردستاني، باعتبار أن الحزب الشيوعي العراقي قد نشأ على أساس أممي، وسيظل هكذا.

وفي أيلول 1991 وفي أعقاب انتفاضة آذار المجيدة، وبعد إعلان منطقة كردستان شمال خط العرض 36 منطقة ملاذ آمن من قبل مجلس الأمن الدولي، تدارست اللجنة المركزية، كما يشير إلى ذلك التقرير السياسي والتنظيمي المقدم إلى المؤتمر الخامس (1993)، مستجدات القضية الكردية عند صياغة مشروعي برنامج الحزب ونظامه الداخلي، وقررت تبني شعار تطوير الحكم الذاتي وصولا إلى الفدرالية. ودعا الاجتماع إلى تحويل منظمة إقليم كردستان للحزب الشيوعي العراقي إلى الحزب الشيوعي الكردستاني(العراق)، تقوده لجنة مركزية منتخبة في مؤتمر المنظمة ويضع برنامجه ونظامه الداخلي ويرسم سياساته وخططه في الشؤون الكردستانية ويطبقها بشكل مستقل، انطلاقاً من الخصوصية القومية التي يتمتع بها إقليم كردستان العراق والتطورات التي طرأت عليه بالاستناد إلى المنطلقات العامة لوثائق الحزب الشيوعي العراقي.

وأعار الحزب، كما جاء في نفس التقرير، اهتماماً كبيراً للقوميات والأقليات الأخرى، مؤكداً على ضرورة تمتعهم بحقوقهم القومية والإدارية والثقافية. وفي هذا الصدد يؤكد الحزب على دعمه الدائم لنضال الآشوريين والكلدان الذين يجمعهم تراث وتاريخ وأرض ولغة مشتركة، ويتوجه إليهم لتوحيد نشاطهم المشترك لنيل حقوقهم القومية المشروعة وتعزيز دورهم في المسيرة النضالية للشعب العراقي. كما يؤكد على دعمه لنضال التركمان من أجل حقوقهم القومية (5).

في صيف 1992 شهدت منظمة الحزب في الإقليم، نشاطاً ملحوظاً لوضع القرارات التي توصلت إليها اللجنة المركزية للحزب قبل عام، ولانتخاب المندوبين إلى المؤتمر الوطني الخامس الذي تقرر عقده آنذاك. وقد استغلت مجموعة ذات أفق قومي ضيق، العمل من جانبها للهيمنة على كونفرس أربيل، وقد جاء في التقرير السياسي والتنظيمي المقدم إلى المؤتمر الوطني الخامس في هذا الصدد ما يلي: " انشغلت بعض منظمات الإقليم وخاصة أربيل في صراعات فكرية بعد قرار حزبنا بتحريك شعاره حول القضية الكردية وتحويل منظمة الإقليم إلى حزب شيوعي كردستاني. ولم تخلُ هذه الصراعات من دوافع ذاتية وتداخلات خارجية لتأجيجها نحو أهداف تخريبية لشق منظمة الإقليم وإضعاف دورها. ومما يؤسف له، أن قيادة الإقليم لم تستطع إدارة الصراع بالشكل الذي يؤدي إلى تعزيز التوجهات الإيجابية وتطويق الاتجاهات الضارة وعزلها. وقد نتج عن ذلك مشاكل أثناء عقد كونفرنس أربيل وما تلاه من تداعيات أدت إلى خروج عدد من أعضاء المنظمة وتشكيلها تجمعات بمسميات عديدة رافعين راية العداء لمنظمة حزبنا في كردستان وسياسة الحزب تجاه القضية القومية الكردية. وتتحمل قيادة الحزب جزءاً من مسؤولية هذا الوضع لعدم متابعة منظمة الإقليم وتوجيهها لإدارة الصراع بشكل سليم واتخاذ الإجراءات الكفيلة لعدم تفاقم المشكلة" (6).

وأخيراً عقدت منظمة إقليم كردستان للحزب الشيوعي العراقي مؤتمرها الثاني في أواخر حزيران 1993 وأقرت برنامج الحزب الشيوعي الكردستاني ـ العراق، والنظام الداخلي وانتخبت اللجنة المركزية للحزب. وبذلك انفتح الطريق واسعاً أمام استكمال التحضيرات لعقد المؤتمر الوطني الخامس وقد تم عقده في تشرين الثاني من نفس العام.

ما الجديد في المؤتمر الوطني الخامس ؟

أولاً: على الصعيد الأيديولوجي، لم تعد مرجعية الحزب الشيوعي العراقي وهويته الفكرية محصورة بالماركسية ـ اللينينية، فقد بات يسترشد (كما تشير وثائق المؤتمر الخامس، ص 100) بالماركسية، مستفيداً من سائر التراث الإنساني الاشتراكي و مستلهماً كل ما هو تقدمي في حضارة شعوب وادي الرافدين والرصيد النضالي لتاريخ شعبنا العراقي...الخ. وحذفت اللينينية، التي لم تكن موجودة في حياة لينين والتي أتى بها ستالين محولاً إياها إلى عقيدة جامدة. وبذلك تحرر الحزب من بعض استنتاجاتها التي لم تزكها الحياة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، افترض لينين إمكانية تطوير الثورة الديمقراطية بقيادة الطبقة العاملة ( أو بزعامتها) إلى ثورة اشتراكية دون توقف، حارقاً بذلك مرحلة تاريخية. وطبقت فرضيته في روسيا، و تحوّلت فرضيته إلى "نظرية"، يُتهم من يزوغ عنها بالانحراف. وفشل تطبيقها في الصين وفيتنام وكوريا، هذا فضلاً عن الجمهوريات السوفييتية الآسيوية وجنوب أوربا، لأن جميعها بلدان غير متطورة رأسمالياً.

لقد ظهر لاحقاً أن ما بُني في هذه البلدان لم تكن الاشتراكية الحقيقية التي حلم بها الاشتراكيون وتنبأ بها ماركس، لا من حيث إنتاجية العمل ووفرة الإنتاج ولا من حيث البناء السياسي والحضاري المتطور لتلك الأنظمة. والأنكى من ذلك أن هذه الأنظمة لم تكن قابلة للإصلاح، كأنظمة "اشتراكية"، فانهارت ما أن تم الشروع في إصلاحها. وظل ما تبقى من هذه الأنظمة يعيش حالة من الركود والتخلف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أو عاد إلى طريق التطور الرأسمالي، كما هو الحال بالنسبة لفيتنام والصين بصرف النظر عن التسمية التي يطلقها الرفاق الصينيون على طريق تطورهم، وهي "اشتراكية السوق". وفرض هذا الطريق بالضرورة تغييرات في البنية السياسية، ففسح المؤتمر السادس عشر للحزب الشيوعي الصيني (2002) المجال لانضمام رجال الأعمال وممثلي الفئات الرأسمالية الجديدة إلى الحزب باعتبارهم من القوى المنتجة! (7).
لقد تحدّث كارل ماركس عن الثورة الدائمة عندما نشبت في أواسط القرن التاسع عشر في وسط اوربا، وذلك في خطاب إلى "العصبة الشيوعية في نيسان 1850، ولكنه أخضع ذلك لتناسب القوى الاجتماعية، الذي لم يتغير تغيراً جذرياً في حينه وبالتالي لم تتمكن الثورة من الاستمرار، ولم يربط ماركس ذلك بتوفر أقلية نشطة قادرة على استلام السلطة بغض النظر عن نضوج الظروف..

ثانيا:ً على الصعيد الإستراتيجي. كانت "نظرية" تطوير الثورة الديمقراطية إلى ثورة اشتراكية في صلب أيديولوجية الحزب الشيوعي العراقي. وعلى أساسها، وليس على أساس واقع العراق وظروفه الملموسة، وُضعت إستراتيجية للحزب تقضي بتطوير الثورة الوطنية الديمقراطية والتحول إلى الثورة الاشتراكية وذلك بإقامة "جمهورية ديمقراطية تلعب فيها الطبقة العاملة دوراً طليعياً وقيادياً". وأكد المؤتمر الوطني الرابع (1985) أيضاً على هذه الستراتيجية من حيث الجوهر.

لقد انتقد الراحل زكي خيري برنامج الحزب (الميثاق الوطني) في عهد الرفيق فهد والوثيقة البرنامجية التي صدرت عن الكونفرنس الثاني (1956) في عهد الرفيق سلام عادل، لعدم تبني الوثيقتين الشعار الإستراتيجي المذكور أعلاه (8). في حين يعترف الجميع بالإنجازات التي تحققت للحزب والوطن في عهدي الرفيقين فهد وسلام عادل بفضل البرنامجين المذكورين اللذين لم يحرقا المراحل ويمثلان تطبيقاً خلاقاً للماركسية على ظروف العراق.

لقد تحرر الحزب في مؤتمره الوطني الخامس من سياسة حرق المراحل، وحدد هدفه بإقامة نظام ديمقراطي فيدرالي موحد. ولم يطرح قضية النظام الديمقراطي هذه المرة كنظام عابر أو مؤقت، وإنما كنظام مؤسساتي، متخلياً بذلك عن مختلف الصيغ الديمقراطية التي تبناها في بعض مراحل تاريخه والتي تضفي على الديمقراطية صفة الثورية أو الشعبية أو الموجهة. فقد جاء في برنامج الحزب الذي أقره المؤتمر ما يلي: " سن قانون ديمقراطي لانتخاب مجلس تأسيسي للبلاد، يشرع دستوراً ديمقراطياً دائماً، يضمن فصل السلطات الثلاث واستقلالية القضاء، ويرسي الأسس القانونية لحياة ديمقراطية مستقرة وراسخة، وإجراء انتخابات ممثلي الشعب بحرية، وعلى أساس حق التصويت العام والمتساوي والمباشر لكل البالغين قانونياً، ذكوراً وإناثاً، وبالاقتراع السري. وانتخاب المجالس البلدية، وضمان إجراء انتخابات ديمقراطية للمجلس الوطني الكردستاني وعلى الأسس نفسها" (9) . هذه الصيغة عن النظام الديمقراطي تختلف عن الصيغ السابقة في برامج الحزب، وهي متجددة ومهمة جداً.

ثالثاً: إطلاق حرية التفكير والقبول بالتعددية الفكرية. فعلى هذا الصعيد توجه الحزب، كما جاء في وثائق المؤتمر، نحو فحص المقولات والمفاهيم النظرية انطلاقاً من نبذ الاستنساخ والنقل الآلي للتجارب، واستلهام المنهج الماركسي لمعاينة الواقع الموضوعي وتطوراته والواقع الملموس لنضال شعبنا ومشاكله وتقاليده وتراثه الثوري، والاستفادة من التجربة العالمية. وجاء في الوثائق أيضاً، ويمكن القول إننا نفهم مراحل التطور بطريقة أكثر وعياً بعيداً عن النزعة الارادوية. فقد أظهرت التجربة العالمية أن عملية التطور الاجتماعي أعقد مما كان يجري تصورها.

وفي الوقت الذي أكد المؤتمر على خيار الحزب الاشتراكي، فإنه اكتفى بتحديد المسار العام وتجنب الخوض في المسائل غير الآنية، والتنبؤات البعيدة. فمثل هذه التنبؤات بحاجة ماسة وجدية لتنشيط البحث العلمي لإغنائها عبر الاستفادة من الطاقات العلمية لرفاق الحزب وأصدقائه. كما يتطلب ذلك تعميق الدراسات حول ما يواجه الحزب من قضايا، مع القبول بالتعددية في الآراء واحترام الاجتهاد، وضمان حرية الاستنتاجات النظرية وحرية الرأي التي هي مستلزمات أساسية لأي بحث علمي.

رابعاً: الهوية الطبقية. عند تحديد الهوية الطبقية للحزب، تخلى المؤتمر عن كونه حزب يمثل الطبقة العاملة حصراً، وأقر بأنه حزب الطبقة العاملة والفلاحين والمثقفين وجميع شغيلة اليد والفكر. وتخلى الحزب عن الإشارة إلى سلطة الطبقة العاملة (دكتاتورية البروليتارية) والتحالف بقيادة الطبقة العاملة وحزبها الشيوعي. ولتأكيد هوية الحزب الوطنية، أشار المؤتمر إلى أن الحزب الشيوعي العراقي حزب وطني مستقل، يضع المصالح العليا للشعب والوطن فوق أية مصلحة أخرى. وأكد في فقرة ضافية على أممية الحزب (10).

خامساً: على الصعيد السياسي. سعى الحزب لتكون وجهته العامة متمثلة بالتمسك، أكثر من أي وقت مضى، بالواقعية السياسية وبالمرونة في التعامل مع الأحداث.... والسعي لتجنب الارادوية والجملة الثورية في صياغة الشعارات السياسية، ورسم المواقف والتكتيكات اليومية...الخ.
هذا على صعيد التجديد، أما على صعيد دمقرطة الحزب فيمكن الإشارة إلى ما يلي:
أولاً: سعى الحزب أن يتضمن نظامه الداخلي أحكاماً عديدة تفرض سيادة الديمقراطية في كامل نشاطه. فقد اعتمد مبدأ الانتخابات والترشيح الفردي، واعتمد مبدأ التصويت السري والفرز العلني للأصوات. ونص النظام الداخلي أيضاً على قاعدة إجراء المشاورات والاستفتاءات عند المنعطفات، وقلّص صلاحيات المكتب السياسي لصالح الدور الذي تلعبه اللجنة المركزية (ل.م). وتحول السكرتير العام للحزب إلى سكرتير (ل.م)، وزيدت اجتماعات (ل.م) . وأعطيت المنظمات الحزبية صلاحيات أوسع من ذي قبل، وقلص من التدرج الهرمي في التنظيم، وزيد من دور الكونفرنسات، وقلصت الفترة بين المؤتمرات (11).
وفي الوقت الذي أكد النظام الداخلي الجديد على وحدة الحزب الفكرية والسياسية والتنظيمية، فإنه أكد على حق الأقلية في مناقشة سياسة الحزب وشؤونه الداخلية والتعبير عن رأيها في القضايا الفكرية والسياسية والإعلان عنه في الصحافة الحزبية، على أن لا يعيق ذلك التزامها بتنفيذ هذه القرارات وبما لا يضر بسلامة الحزب.

ثانياً: أقر المؤتمر في بداية أعماله ولأول مرة نظام إدارة الجلسات، وانتخب هيئة رئاسة غالبية أعضائها من خارج (ل.م). وأصبح ذلك تقليداً في جميع المؤتمرات الكونفرنسات الحزبية على صعيد المركز والمنظمات الحزبية على حد سواء. وعرض لأول مرة في تاريخ الحزب على المؤتمر تقرير مالي يحدد موارد الحزب المالية ومصادرها وأوجه صرفها، لدراسته وإقراره. وصادق المؤتمر على تكوين الحزب الشيوعي الكردستاني ـ العراق، وعلى ترتيب شكل علاقته بالحزب الشيوعي العراقي.

ثالثاً: جرى انتخاب اللجنة المركزية وفقاً للنظام الداخلي الجديد على أساس الترشيح الفردي. وقدم كل مرشح وبدون استثناء معلومات عن نفسه، وخضع للمساءلة والتقييم، سلباً أو إيجاباً، من قبل المندوبين. وكانت بعض ملاحظات وانتقادات المندوبين لبعض المرشحين شديدة ولكنها في إطار اللياقة والأدب. ولم يفز بعض المرشحين جراء الانتقادات التي وجهت لهم. كانت نتيجة الانتخابات هي أن شكّل الرفاق الجدد ما يقارب نصف قوام (ل.م) الجديدة. وقد امتنع ما يقارب نصف أعضاء اللجنة المركزية القديمة عن ترشيح أنفسهم، وغالبيتهم بدافع الرغبة في إفساح المجال أمام عملية التجديد.
***
وهناك حادث له مغزى معين حصل في المؤتمر لم يتطرق اليه من تحدث عن هذا المؤتمر أو كتب عنه، وهو أن شعار رفع الحصار الاقتصادي عن العراق، لم يكن متضمناً ، في بدء المؤتمر، لا في الشعار الرئيسي للمؤتمر ولا كشعار مستقل بأية صيغة من الصيغ في قاعة المؤتمر، مع أن عشرات الشعارات كانت تزين القاعة. وما أن طرح التقرير السياسي للمناقشة، وكانت المادة الأولى في جدول العمل بعد المقدمات والإجراءات الأصولية، حتى فتح النقاش حول الموضوع. و طرح موضوع الحصار الاقتصادي، وتحمس لرفع الشعار بالأساس المندوبون من خارج الوطن. ويبدو الأمر وكأنه مفارقة أن يتحسس مندوبو الخارج معاناة الجماهير أفضل مما يتحسسه رفاق الداخل. وفي واقع الأمر أن القمع الوحشي للنظام الدكتاتوري وأخطاء الحزب في زمن التحالف مع البعث خلف أثراً نفسياً عميقاً لدى رفاق الداخل والوسط الذي يتحركون فيه، جعلهم يخشون من أي موقف أو شعار يلتقي مع النظام من قريب أو بعيد بصرف النظر عن مدى صوابه. وأخيراً تضمن الشعار الرئيسي للمؤتمر رفع الحصار الاقتصادي. على أي حال، أن الحادث يعكس مدى ديمقراطية المؤتمر ويجير لصالحها.
***
ومن الجدير هنا الإشارة إلى مناقشة "مبدأ" المركزية الديمقراطية في بناء الحزب. فقد استأثر هذا "المبدأ" باهتمام المؤتمرين. وأكد المدافعون عن بقاء "المبدأ" في النظام الداخلي على أن كل منظمة أو مؤسسة ستظل في حاجة إلى مركز، إلى قيادة تدير نشاط هذه المنظمة وتضبط حركتها وتوجهها بما يتفق والأهداف أو الأغراض التي تضعها المنظمة لنفسها. وقد أقرت الأغلبية بقاء "المبدأ" المذكور في النظام الداخلي. أما الذين كانوا يدعون إلى حذف "المركزية الديمقراطية" فقد كانوا يرومون حذف النص فقط والإبقاء على جميع الآليات التي تنظم ذلك والمنصوص عليها في النظام الداخلي وبدون استثناء، مستندين إلى أن هذا "المبدأ" الذي غلبت عليه المركزية، وشملت حتى إدارة الصراع الفكري في الحزب واستمر مفعوله عشرات السنين، قد خلق تقاليد وعادات بيروقراطية لديها قوة الاستمرارية. وفي الحقيقة إن مصطلح "المركزية الديمقراطية" بحد ذاته ليس مبدأ لا يجوز التخلي عنه، بل هو مجموعة آليات لإدارة شؤون الحزب، وهي مثبتة بالتفصيل في النظام الداخلي ولا حاجة للنص على المصطلح، وهذا ما فعله المؤتمر الوطني الثامن، حيث ألغى مصطلح "المركزية الديمقراطية" وأبقى على الآليات، آخذاً برأي الأقلية في المؤتمر الخامس! (**).

إن كل ما مر بنا عن المؤتمر من تجديد وديمقراطية، فرض، باستحقاق وجدارة، أن يُطلق على المؤتمر الوطني الخامس اسم "مؤتمر الديمقراطية والتجديد". فالأمر يتعدى كونه قد "أتيحت للمندوبين الأجواء التي تساعد على المكاشفة وحرية النقد". فالتسمية تعود بالأساس إلى مضمون الوثائق التي أقرها المؤتمر، وللآليات الجديدة التي اتبعها في أعماله، وللنتائج التي تمخض عنها، بما في ذلك تجديد قيادة الحزب.
***
لم تكن عملية التجديد والدمقرطة في الحزب الشيوعي بالأمر اليسير. فقد واجهت العملية منذ البداية اتجاهين خاطئين: الأول، الذي كان السبب الرئيسي في تأخر التجديد في الحزب، وهو الاتجاه المحافظ المتسم بالجمود والانشداد للماضي. أما الاتجاه الثاني فهو الاتجاه العدمي المتسم بالتحلل من أي نوع من أنواع الالتزامات الفكرية والسياسية. وكان الرأي العام الحزبي مع الاتجاه الذي تبلور في المؤتمر الخامس.
ومن النتائج الايجابية البارزة للتجديد والديمقراطية هي انتظام عقد مؤتمرات الحزب وكونفرنساته. ففي عام 1997 عقد المؤتمر الوطني السادس وأعقبه في عام 1999 الكونفرنس الخامس. وفي عام 2001 انعقد المؤتمر الوطني السابع. وجاء الكونفرنس السادس بعد الغزو وسقوط النظام الدكتاتوري. وقد انتظمت اجتماعات اللجنة المركزية وتقاربت الفترات بينها مع اطلاع المنظمات على ما يدور في اجتماعاتها. وأصبح طرح مسودات الوثائق الحزبية المركزية على المنظمات للمناقشة، تقليدا راسخا في الحزب، هذا فضلا عن الاستفتاءات حول بعض المواقف السياسية. واعتمد في إقليم كردستان ومنظمات الخارج مبدأ انتخاب الهيئات القيادية ومسؤوليها ومندوبيها للمؤتمرات والكونفرنسات. كل ذلك ساعد على مشاركة القاعدة الحزبية في رسم سياسة الحزب وانتخاب قادته.
وتحسن خطاب الحزب السياسي وجرى العمل على تدقيقه والاعتماد أكثر فأكثر، كما تشير وثائق المؤتمر الوطني السادس (ص 38 وما يليها)، على الوقائع والحقائق الموضوعية في معالجة المهمات والحلول والتخلص من الأحكام الجاهزة واعتماد المحاججة والمنطق العلميين في التعامل مع المشاكل ووجهات النظر المختلفة والمخالفة. ولتنشيط الصراع الفكري وتحسين أدواته جرى إيلاء اهتمام جدي للرأي الأخر وإفساح المجال لطرحه على مجموع الحزب، سواء في صحافته العامة أو في النشر الداخلي. هذا فضلاً عن تحفيز دائرة واسعة من الكوادر على إبداء آرائهم في سياسة الحزب.
إلا أنه رغم ما تحقق من نجاحات، كما تشير الوثيقة المذكورة في نفس الصفحات، فليس من الصحيح تجاهل واقع أن الحزب لم يتخلص بعد من جميع الشوائب والعيوب في هذا المجال. وإن هذه العملية تتطلب وعياً عالياً ودأباً متواصلاً . وتؤكد الوثيقة على أن عملية التجديد وترسيخ الديمقراطية هي عملية عسيرة ومعقدة، بسبب بعض المفاهيم النظرية المشوهة، وقوة العادة وما تركته التقاليد والممارسات السابقة من آثار يصعب تجاوزها بسهولة وبفترة زمنية قصيرة. هذا إلى جانب التأثير السلبي للظروف الموضوعية في بلادنا ومستوى الوعي الديمقراطي في المجتمع العراقي، وعموم الأجواء المحيطة بعمل الحزب، المتمثلة بنظام القمع والإرهاب، ومستوى التطور الحضاري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
وفي الحقيقة أن نظام القمع والإرهاب الدكتاتوري أضفى على الحياة السياسية الركود وحد من إمكانيات الحزب في التجديد مما حدا بسكرتير اللجنة المركزية الرفيق حميد مجيد موسى أن يعلن في كلمة افتتاح المؤتمر الوطني السابع للحزب (2001) ما يلي: " نعم، إن جديدنا، هو القديم ذاته في الظروف الجديدة، الظروف التي تتصاعد فيها من مختلف أنحاء الدنيا، وهي تدخل القرن الحادي والعشرين، دعوات الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية. في حين يبقى شعبنا يعيش تحت نير أعتى الدكتاتوريات في العالم اليوم وأكثرها استهتاراً بالإنسان وحقوقه. إنها الظروف التي تجعل من الدكتاتورية عندنا أبشع وجه وأشد وطأة، بل وأكثر عاراً على البشرية جمعاء"
لقد جاء الغزو وسقوط النظام الدكتاتوري وقرار مجلس الأمن المرقم 1483 الذي شرع الاحتلال، وإقامة مجلس الحكم بإشراف الحاكم الأمريكي بول بريمر ليضع الحزب ليس أمام ظروف جديدة كل الجدة، بل وأمام ثوابت كان من المستحيل تجاوزها إلى الأمس القريب. ولكن لم يعد بالإمكان الركون إلى هذه الثوابت والأخذ بها في الواقع الجديد المعقد والشائك، إذا ما أراد الحزب وضع مصلحة الوطن والشعب العراقي فوق أي اعتبار آخر. وكان على الحزب أن يلامس الواقع ويحلله تحليلاً على أساس المنهج المادي الديالكتيكي وليس على أساس "المسلمات" التي لا علاقة لها بالواقع. هذا المنهج الذي يتطلب، ضمن ما يتطلب، التحليل الملموس للواقع وليس الأخذ ب"المسلمات" والمفاهيم الجاهزة عند تناول أية ظاهرة سياسية واجتماعية. ولم يكن الأمر هيناً على الحزب وهو الذي عارض، وهو على حق، الحرب بقوة لأسباب مبدأيه ـ أخلاقية، وكان خطابه متطابقاً مع خطاب اليسار العالمي المتشنج تجاه أمريكا. ورغم ذلك لم يتمسك الحزب بـ"المسلمات" والنظرة التبسيطية للواقع، بل اختار دعم العملية السياسية التي تستهدف استعادة سيادة العراق واستقلاله وإقامة النظام الديمقراطي الفدرالي الموحد الآمن والمستقر، بالتعاون مع ذات القوى التي كان الحزب قد تحالف معها، بهذا الشكل أو ذاك، في الكفاح من أجل الإطاحة بالنظام الدكتاتوري. وكان التجديد في أيديولوجية الحزب وهويته في مؤتمره الخامس في صلب هذا الموقف السليم وتداعياته. وهذا الموقف السليم هو من أبرز النتائج السياسية للمؤتمر الخامس "مؤتمر الديمقراطية والتجديد".
(1) عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الثالث، ص265.
(*) أعتقد بأن حالة الاضطراب الشديد لا تشمل جميع منظمات الحزب في الخارج، فلم تكن منظمة بلغاريا للحزب الشيوعي العراقي تعاني من ذلك في تلك الفترة. راجع قراءة في كتاب عزيز سباهي "عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" الحلقة 42 المنشورة في المواقع الالكترونية في 30 أيار 2008.
(2) التقرير السياسي والتنظيمي للمؤتمر الوطني الخامس للحزب الشيوعي العراقي، وثائق المؤتمر الوطني الخامس المنعقد في 1993 ص 72 ـ 75.
(3) "في سبيل استنهاض قوى الشعب لتحقيق السلم والبديل الديمقراطي"، آذار 1990. الوثيقة منشورة كاملة كملحق في كتاب سباهي الثالث والمقتبسات من الصفحة 306.
(4) راجع التقرير السياسي والتنظيمي للمؤتمر الوطني الخامس، مصدر سابق، ص 57 وما يليها.
(5) راجع المصدر السابق، ص 71.
(6) راجع التقرير السياسي، مصدر سابق، ص 75 وما يليها.
(7) خيارنا الاشتراكي. مصدر سابق، ص 22 وما يليها. راجع كذلك مقال الرفيق عادل حبه"مناقشة لمسودة ورقة العمل المقدمة إلى المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي: "خيارنا الاشتراكي والدروس المستخلصة من تجارب البناء الاشتراكي"، ويجد القارئ المقال في موقع الرفيق عادل حبه الاليكتروني.
(8) زكي خيري وسعاد خيري، "دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي". ص118 ص 225 وما يليها.
(9) وثائق المؤتمر الوطني الخامس، مصدر سابق، ص 102. خطوط التشديد غير موجودة في الأصل.
(10) المصدر السابق، ص 58، 100،113 ـ 115.
(11) راجع سباهي، مصدر سابق، ص 298.
(**) كنت من الداعين إلى حذف "المركزية الديمقراطية" في المؤتمر الخامس، وكنت مع حذفها في اللجنة المكلفة بوضع المشروع. فقد كنت عضواً في اللجنة التي وضعت المسودة، وكانت متكونة من الرفاق حميد مجيد (أبو داود) وحميد بخش (أبو زكي) ومني. وكنت أيضاً مع حذف التحذير من "التكتل" لا تشجيعاً له وإنما لإعطاء مزيداً من الحرية في تبادل الرأي، وهذا ما تحقق في المؤتمر الوطني الثامن.أيضا. (جاسم)


المصادر
1. عزيز سباهي، عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، الجزء الثالث.
2. وثائق الحزب في مؤتمراته الأربعة الأخيرة.
3. جاسم الحلوائي، "محطات مهمة في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي" قراءة نقدية في كتاب عزيزسباهي: عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي. كتاب معد للطبع.

أواخر آب 2008