قانون القيمة المعولمة

سمير أمين
2013 / 11 / 14

مقدمة الطبعة الإنجليزية

ماركس ليس فيلسوفاً، ولا مؤرخاً، ولا عالماً في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، بل إنه ليس أستاذاً من الدرجة الأولى في أي من هذه الفروع. كما أنه ليس أستاذاً بارعاً حضّر طبقاً شهياً يشمل جميع هذه المكوّنات. ويبقى مكان ماركس في التاريخ فوق كل هذا، فماركس هو أول من وجّه انتقاداً راديكالياً للعالم الحقيقي في زماننا هذا. وهذا الانتقاد الراديكالي للرأسمالية يسمح بل يتطلب اكتشاف أساس الاستلاب السلعي واستغلال العمل اللصيق به. وتنبع القيمة الأساسية لمفهوم القيمة من ذلك الانتقاد الجذري. وهو وحده الذي يسمح باستيعاب القوانين الموضوعية التي تتحكم في إعادة إنتاج النظام، والقائمة تحت تلك التحركات فوق السطح التي نشاهدها عند متابعة الواقع. ويضيف ماركس إلى انتقاده للعالم الواقعي، انتقاد الخطابات بشأن هذا الواقع سواء منها الفلسفية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو التاريخية، أو السياسية. وهذا الانتقاد الجذري يكشف طبيعتها المدافعة، في نهاية المطاف، عن شرعية ممارسات قوة رأس المال المسيطرة.
وأن يكون المرء ماركسياً يعني استكمال العمل الذي بدأه ماركس، حتى وإن كانت تلك البداية في منتهى القوة، إنه لايعني التوقف عند ماركس، بل البدء من عنده. وماركس ليس نبياً استنتاجاته جميعها "صحيحة" و"نهائية"، وعمله ليس نظرية مقفلة، فماركس "بلا ضفاف"، لأن الانتقاد الذي بدأه بلا ضفاف، يحتاج دوماً للاستكمال والانتقاد ("الماركسية كما تتشكل في لحظة معينة يجب أن تخضع للانتقاد الماركسي"). والماركسية يجب أن تغني نفسها دائماً بالانتقاد الجذري، وأن تعتبر أية تجديدات ينتجها النظام كميادين جديدة للمعرفة الإنسانية.
والعنوان الفرعي لكتاب رأس المال، وهو: "انتقاد للاقتصاد السياسي" لا يعني أنه انتقاد لاقتصاد سياسي سيئ (الريكاردي) ليحل محله اقتصاد سياسي جيد (ماركسي)، بل هو انتقاد لما يسمّى بعلم الاقتصاد، وإظهاره على طبيعته الحقيقية (أي ما تقوله البرجوازية عن طبيعة ممارساتها). وهو انتقاد كذلك لقيمة هذا الاقتصاد من الناحية المعرفية، وكشف لمحدوديته، ودعوة لفهم أن هذا العلم المزعوم المدعى بأنه مستقل عن المادية التاريخية، لا يمكن أن يكون مستقلاً عنها. والاقتصاد السياسي هو الشكل الخارجي الذي تتخذه المادية التاريخية (أي الصراع الطبقي) في ظل الرأسمالية. وعلى مستوى المنطق، تسبق المادية التاريخية الاقتصاد، ولكن الصراع الطبقي في ظل الرأسمالية لا يجري في الفراغ، بل يعمل على أساس اقتصادي، وينتج قوانين تبدو اقتصادية في طبيعتها.
وسأدرس هذه الارتباطات أولاً كما قدمها كتاب رأس المال ذاته، أي في نظرية الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، ثم في ظل النظام الرأسمالي المعاصر أي في ظل الإمبريالية.
وأطروحتي هي الآتية: أ) أن المادية التاريخية هى جوهر الماركسية، ولذلك: ب) فالوضع المعرفي لقوانين الاقتصاد الرأسمالي يجعلها خاضعة لقوانين المادية التاريخية؛ ج) وأنه في ظل الأسلوب الرأسمالي للإنتاج، تتخذ قوانين الاقتصاد وضعاً نظرياً يختلف عنه في ظل الأساليب السابقة على الرأسمالية، بل د) إن قوانين الاقتصاد لم تظهر إلا مع التظام الرأسمالي للإنتاج؛ هـ) وأن قوانين الاقتصاد الرأسمالي لها وجود موضوعي؛ و) وأن هذه القوانين تخضع، في التحليل الأخير، لقانون القيمة.
وهكذا في رأيي أن الصراع الطبقي في ظل الرأسمالية عامة، وفي العالم الإمبريالي خاصة، يعمل على أساس اقتصادي محدد، وبدوره يغير ذلك الأساس.
وقراءتي لماركس كانت بالتأكيد مصدراً لكثير من الرضا، كما أكدت قوة هذا الفكر، ولكن بقي شعور بعدم الاكتفاء لأنني لم أجد إجابة شافية بشأن "تخلف" مجتمعات آسيا وأفريقيا المعاصرة. وبدلاً من الابتعاد عن ماركس واعتباره متخلفاً عن زمننا، توصلتُ إلى النتيجة بأن عمله لم يكتمل، وأنه لم يُجمل البعد العالمي في تحليله، ولذا حاولت أن أقوم بذلك بنفسي.
والمحور الأساسي لنتائج محاولتي هو وضع "قانون للقيمة المعولمة" يتمشّى من جهة مع أسس قانون القيمة الخاص بالرأسمالية كما اكتشفه ماركس، ومن الجهة الأخرى مع واقع التنمية المعولمة غير المتكافئة.
وإضافتي الرئيسية تتعلق بالانتقال من قانون القيمة إلى قانون القيمة المعولمة على أساس التراتب المعولم لأسعار قوة العمل حول قيمتها. وعولمة القيمة هذه، وبجانبها الممارسات المتعلقة بالحصول على الموارد الطبيعية، هي أساس الريع الإمبريالي. وأدعي أن هذا هو المحرك للتناقضات الفعلية للرأسمالية/الإمبريالية والصراعات المرتبطة بها التي تنغمس فيها الطبقات والأمم بكل الارتباطات المركّبة الخاصة بها. وأدعي أن قراءتنا لتاريخ القرنين العشرين والواحد والعشرين لن تخرج عن تاريخ ظهور أو"صحوة" شعوب وأمم تخوم النظام الرأسمالي الإمبريالي المعولم.
ولتقديم العرض، عدتُ مرة أخرى لكتابي السابق "قانون القيمة والمادية التاريخية" الصادر في عام 1977، بعد تنقيحه وتوسيعه. وقد احتفظت بجوهر الفكرة، ولكن الإضافات الجديدة توجّه نظر القارئ إلى القضايا المتحدية في الفكرة الأصلية، وقد حاولت شرح هذه القضايا بشكل كافٍ ولكنه لا يستبعد إعادة القراءة المتأنية.
ويبدأ تحليلي النظري للنظام الرأسمالي المعولم، كما هو في الواقع من قانون القيمة كما وضعه ماركس في الجزء الأول من كتاب رأس المال. وهذه هي نقطة البداية الوحيدة إذ بدون مفهوم القيمة لا يكون هناك معنى لمفهوم تراكم رأس المال. وهكذا لا يمكن الهروب من الالتفاف عن طريق القيمة، والاكتفاء بمراجعة الواقع المباشر (الأسعار الفعلية) كما تقضي أساليب الدراسة الوضعية/التجريبية.
وهكذا فالتحليل الذي سأقدمه سينظر في المراحل الثلاث لتحول القيمة: 1) إلى "أسعار الإنتاج"؛ 2) ثم إلى "أسعار السوق" (وهي الأسعار الاحتكارية في ظل الرأسمالية المعاصرة)؛ (3 ثم إلى "الأسعار المعولمة" (في ظل النظام الإمبريالي المعولم).
وأول هذه التحولات وهو الذي ورد في الفصول الأولى من الجزء الثالث من كتاب رأس المال، لا غنى عنه لفهم الاستلاب السلعي الذي يتحكم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في ظل الرأسمالية، والذي يعطي القوانين التي تتحكم في إعادة إنتاجها مكانتها الحقيقية.
أما ثاني هذه التحولات المتعلق بتحول أسعار الإنتاج إلى أسعار السوق، فقد عالجه ماركس جزئياً في الجزء الثالث من رأس المال، عندما تحدث عن توزيع فائض القيمة في حالة ملكية الأرض الزراعية.
علينا بعد ذلك أن ندرس تشوه نظام الأسعار الناتج عن ظهور الاحتكارات، وبصفة خاصة أن نأخذ في الاعتبار التحول الخطير في نظام إعادة الإنتاج الموسّع الذي نتج بعد الحرب العالمية الأولى، وأكثر بكثير بعد الحرب العالمية الثانية، من التوسّع الكبير في قطاع ثالث لامتصاص فائض القيمة الفائض. وقد ردّ باران و سويزي بمفهوم الفائض الذي قدماه على التحدي، وأغنيا النظرية الماركسية ووسّعاها بلا تردد. وأدعي أن أولئك الماركسيين الذين يرفضون الاعتراف بالأهمية المركزية لمساهمة باران وسويزي تنقصهم القدرة على التقدم بانتقاد فاعل للرأسمالية المعاصرة، وتبقى ماركسيتهم محصورة في التعليق على نصوص ماركس، وشرحها.
والهدف المركزي لتأملاتي هو التحول الثالث الذي يسمح لنا بالانتقال من قانون القيمة في أعلى مستويات التجريد (أي النظام الرأسمالي للإنتاج) إلى ما أسميه قانون القيمة المعولمة الذي يعمل على مستوى نظام الرأسمالية/الإمبريالية المستقطِب والقائم بالفعل. وهذا التحول وحده الذي يسمح لنا بقياس حجم الريع الإمبريالي الذي هو أساس الاستقطاب الذي يعمّقه ويعيد إنتاجه التوسّع المعولم للرأسمالية.
ومن المستحيل "فهم العالم" عن طريق تحليل واقعي للرأسمالية، كما هي في الواقع، بعيداً عن إطار معالجة هذه التحولات في مفهوم القيمة. وكذلك لا يمكن وضع استراتيجية "لتغيير العالم" دون الاستناد لهذه الأسس. وفي المقابل لا تسمح أساليب الوضعية/التجريبية للاقتصاد الشائع بفهم العالم وتقدير التحديات التي تواجه العمال والشعوب، ولا من باب أولى بتغييره. وفضلاً عن ذلك فالاقتصاد الشائع لا يحاول تجاوز الرأسمالية التي يعتبرها "نهاية التاريخ"، بل يحاول فقط إسباغ الشرعية على المبادئ الأساسية للرأسمالية، ووصف كيفية إدارتها.
وأعتقد أن هذه الطبعة الجديدة التي تعتمد كثيراً على كتابي "قانون القيمة والمادية التاريخية"، تأتي في الوقت المناسب، لأن الأزمة الحالية تدور أساساً حول التطورات المختلفة الممكنة للعلاقات الاجتماعية والدولية التي تتحكم في شكل قانون القيمة تحت التأثير المجمّع للصراعات في مجتمعات الرأسمالية المعاصرة في بلدان المركز والتخوم. وكذلك تحت تأثير الصراعات بين مجتمعات الإمبريالية السائدة ومجتمعات التخوم المسودة، وهي الصراعات التي تطعن في السيطرة المستمرة لما أسميه "الرأسمالية المتأخرة للاحتكارات المعممة والمأمولة والمعولمة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الفصل الرابع ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التراكم على المستوى العالمي والريع الإمبريالي


سأتناول الآن ما أراه التحول الأكثر أهمية بكثير من بين كل التحولات التي مرت بها فكرة القيمة، والتي تؤثر بشكل حاسم على جميع أصعدة الصراع الاجتماعي، وكذلك جميع أشكال الصراع السياسي القومي والدولي، ألا وهي تحول القيمة إلى القيمة المعولمة.
لقد "اشتممت" أهمية هذه القضية في رسالتي للدكتوراه (عام 1954 -1956) رغم أن الأمر احتاج إلى عقد من الزمان لصياغة أوّلية لها وإن بشكل غير مصقول. ولم يكن ماركس قد واجه هذه القضية، وبهذا الفهم أدّعي – دون تواضع كاذب – أنني ساهمتُ في توسيع وإغناء الماركسية. ولم تنل هذه الأطروحة قبولاً بين مفكري الماركسية الغربيين ما عدا، حسب علمي، بول سويزي، وهاري ماجدوف، وجيوفاني اريجي. وفي المقابل جرى تقبّلها في الأوساط الآسيوية والأفريقية حيث ساهمت بطرق مختلفة ولكن متلاقية في تشكيل وجه آسيوي أفريقي للماركسية، أي لظهور "ماركسية بلا ضفاف"(1).
والحجة بسيطة ولكن لها شقان.
كانت الرأسمالية التاريخية طوال وجودها إمبريالية بمعنى أن الآليات اللصيقة بتوسّعها العالمي لم تعمل على "التسوية" بين الظروف الاقتصادية على المستوى العالمي، وإنما على العكس ضاعفت من التفاوت بين المراكز الإمبريالية المسيطرة والتخوم المسودة. وفي ظل هذا التباين يتأكد قانون الإفقار الوثيق الصلة بمنطق التراكم الرأسمالي، وبوحشية لم تخطر ببال ماركس.
وعلى الرغم من هذا التباين فإن الرأسمالية هي نظام واحد غير منقسم، فالرأسمالية ليست الولايات المتحدة وألمانيا في حين أن الهند وإثبوبيا نصف رأسمالية، بل الرأسمالية هي الولايات المتحدة والهند، وألمانيا وإثيوبيا معاً. وهذا يعني أن قوة العمل لها قيمة واحدة وهي المرتبطة بمستوى تطور قوى الإنتاج على المستوى العالمي (أي العقل الجماعي على ذلك المستوى). وفي إجابته على السؤال المجادل: كيف تمكن المقارنة بين قيمة ساعة عمل في الكونغو وساعة عمل في الولايات المتحدة؟ كتب أرجيري إيمانويل: كما تجري المقارنة بين عمل ساعة مصفف الشعر في نيويورك وساعة عمل عامل في ديترويت. لا بد من اتباع منهج واحد، لا يمكن أن تستدعي العولمة "التي لا مفر منها" عندما يناسبك ذلك، وترفضها عندما تراها معرقلة لرأيك.
ومع ذلك، فرغم أن قيمة ساعة العمل واحدة على مستوى الرأسمالية المعولمة، إلا أنها تحصل على أجور متفاوتة بشكل شاسع. ولا شك في أن هناك تفاوتاً في أسعار ساعة العمل في داخل دول المركز الرأسمالية، ولكن هذا التفاوت يتضاعف لعشرة أمثاله على المستوى العالمي.
وهكذا يمكن أن نصنع نموذجاً للتعبير عن هذه الحقيقة، ونحسب حجمها بناء على ذلك إن أردنا، وهو مقياس لحجم القيمة المنقولة من التخوم إلى المركز. وهو انتقال يختفي وراء نظام الأسعار والأجور، ولا يمكن أن يخطر ببال الاقتصاد التجريبي الشائع. ولذلك سأقوم في الجزء الأول من هذا الفصل بصياغة شروط النموذج اللازم لفهم تحول قانون القيمة إلى قانون القيمة المعولمة.
وفي الجزء الثاني سأتحدث عن الوصول إلى الموارد الطبيعية وأساليب إدارتها واستخدامها.
وهنا نحن لسنا بصدد قانون القيمة وإنما على حدوده، ولهذا السبب لا يخلط ماركس بين "القيمة" و"الثروة" كما يفعل أتباع الاقتصاد الشائع، بل بعض من يُفترض أنهم ماركسيون، ولكن منفتحون على مساهمات الاقتصاد الشائع. وينهي ماركس انتقاده الجذري في كتاب رأس المال بتأكيد: إن التراكم الرأسمالي مبني على تدمير جميع قواعد الثروة وهي البشر والبيئة الطبيعية.
واحتاج الأمر إلى قرن ونصف من الزمان ليكتشف المدافعون عن البيئة هذه الحقيقة بعد أن صارت تعمي العيون. والحقيقة أن الماركسيات التاريخية قد محت (تجاهلت) تحليلات ماركس بهذا الشأن، وتبنّت وجهة نظر البرجوازية بشأن استغلال الموارد الطبيعية، ولذلك علينا أن نبدأ من الصفر. وبالطبع اضطرت الاقتصاديات البرجوازية إلى أخذ "سعر" الوصول إلى هذه الموارد في الاعتبار عندما يكون المطلوب تملّكها كقطاع خاص، وبذلك يعتبر كنوع من "الريع الاستخراجي" (ريع المناجم) مماثل لريع الأرض. وبذلك نرى أن التحدي يقوم على أساس مغاير تماماً، حيث يجب التعامل مع مجموع الموارد والتي يجب ألا تكون مملوكة للقطاع الخاص. وكما سنرى فالاقتصاد الشائع لا يمكن أن يأخذ هذه النظرة التي تبقى ممكنة بفضل سعة أفق الماركسية بلا ضفاف.
لا يمكن فصل قضية الموارد الطبيعية عن تحليل العولمة غير المتكافئة الناتجة عن التوسع الرأسمالي، لأن الحصول غير المتكافئ على موارد الكوكب يمثل بدوره البعد الثاني الذي لا يقل خطورة عن ذلك المتمثل في تراتب أسعار قوة العمل على المستوى المعولم والريع الإمبريالي.


أولاً: التخفيض المعولم لأسعار قوة العمل


من الصعب وضع معادلات جبرية تعبّر عن النظام العالمي في مجموعه، فهو يشمل قطاعات غير متجانسة بل متضاربة؛ فهناك الشركات الرأسمالية التي تنتج سلعاً بتقنيات متفاوتة الكفاءة، وتستخدم عمالاً بمعدلات متفاوتة للأجور الحقيقية؛ وهناك مناطق تبدو سابقة على الرأسمالية حيث تنتج سلعاً في إطار الاقتصاد الفلاحي لا تُسَّوق جميعها، مع أو بدون استقطاع عمل فائض بأشكال مختلفة (على شكل ريع أرض أو خراج الخ.)؛ وتجمّعات للموارد الطبيعية (منجمية) قد تكون متاحة أو مقيّدة حسب قوانين البلدان المعنية. كذلك لا يمكن تحليل الاقتصاد العالمي دون أخذ الدول في الاعتبار لا على المستوى السياسي فقط وإنما على المستوى الاقتصادي كذلك. والتبادلات الاقتصادية بين هذه الدول يجب أن تتوازن، وهناك نظم قومية للنقد، بعضها مترابط وبعضها مستقل، الخ.
وأي محاولة للتعبير عن هذه المجموعة من الحقائق على شكل مجموعة من المعادلات تبدو عصية على التحقيق. حتى محاولة التعبير عن نظام يبدو قريباً من أسلوب رأسمالي صرف في نموذج ماركسي (يجري فيه التعبير عن القطاعين 1، و 2، بالقيمة)، أوسرافي، تعتبر تبسيطاً يحتاج إلى الكثير من التحفظ.
ومع ذلك لا أستبعد استخدام بعض التخطيطات البسيطة، فهذه التخطيطات تحمل بعض الفائدة سواء التعليمية أم العلمية (المحدودة) بشرط تحديد المعطيات المستخدمة بدقة، وفهم ما تعبّر عنه هذه المعطيات.

]وكمثال، يمكن تحديد نظام لإنتاج السلع: 1، 2،.... ل، م،..... ي، حيث تُنتج بعض هذه السلع بتقنيات تتميز بمدخلات أكل م ، وكميات من العمل المباشر عكل ، وبعضها الآخر يُنتج بتقنيات تتميز بمدخلات أتل م ، وكميات من العمل المباشر عتل . يمكن توصيف هذا النظام كالآتي:
1) معدل واحد للربح "ر" وهو الذي ينظم التوزيع داخل النظام؛ 2) سعر واحد سل لكل منتج "ل"؛ 3) مستويان مختلفان للأجور: جك ، و جت (الأول أكبر من الثاني). وبعض هذه السلع (1 إلى ل) المنتجة بالتقنيّات الأولى تباع بسعر أقل من تلك المنتجة بالتقنيات الثانية (م إلى ي). ومن المفهوم أن رأس المال يحصل على معدل الربح نفسه "ر" في الحالتين.]

وهذا النظام يمكن أن يوضح، دون أن يفسر، شروط إعادة الإنتاج (التوازن بين العرض و الطلب الخ.) في نموذج يعكس واقعاً معيناً، وهو: 1) جميع السلع عالمية (لها جميعاً سعر واحد وهو المنتج تحت ظروف تجعله الأقل)؛ 2) رأس المال يتمتع بحرية الحركة على المستوى العالمي؛ 3) العمل غير متحرك ويحصل في المركز على أجور مختلفة عن تلك التي يحصل عليها في التخوم. وبعبارة أخرى، هو التخطيط المعبر عن الشكل الذي اتخذته عملية الإنتاج في عصر الإمبريالية.[
ويمكن التعبير عن مثل هذا النموذج بتقديرات سرافا أو تقديرات القيمة، وهو ليس بديلاً عن المادية التاريخية، مثله مثل التخطيطات الواردة في الجزء الثاني من كتاب رأس المال. ولكنه مفيد من حيث إنه يعبر بوضوح عما يبدو أنه قانون اقتصادي موضوعي في مثل هذا النظام، وبالتالي أساس لتطبيق منهج المادية التاريخية.

فإذا قبلنا بيانات النظام وحاولنا البقاء داخل حدوده، فسنضطر لتوجيه الأسئلة الآتية: أولاً لماذا لا يحاولون في التخوم الجمع بين التقنيات أ كل م ، عكل ، مع الأجور جت مما يحقق ربحاً أكبر مما يمكن الحصول عليه باستخدام التقنيَّات أ تل م ، عتل? ثانياً: لماذا، في هذه الحالة، لا يهاجر رأس المال بكامله للتخوم? ثالثاً: في لحظة معينة، ومع التوزيع القائم لتقنيات الإنتاج، هل يتواءم تقسيم العمل الدولي الناتج عنه (المركز يتخصص في إنتاج السلع 1 إلى ل، والتخوم في إنتاج السلع م إلى ي) مع توازن التبادلات، نظراً لأن سل وهو ثمن مجموعة المنتجات 1 إلى ل، يجب أن يتساوى مع ثمن مجموعة المنتجات م إلى ي عندما يجري تبادلهما معاً؟

والنظريات الاقتصادية تحاول الإجابة على هذه الأسئلة وتفشل. وقد درستُ النظريات المختلفة المقدمة لتفسير توازن حسابات المدفوعات (وهي نظريات بشأن تاثير اختلافات الأسعار أو تأثيرات شروط التبادلات)، وهي تبيّن الطبيعة الالتفافية لهذه النظريات (مثل نظرية كمية النقود، أو افتراضات عن مرونة الطلب، وهي تفترض النتيجة مقدماً). وقد توصلتُ إلى نتيجة أنها جميعاً تعود إلى أيديولوجية التناغم الكوني(2). ولكن عندما تبتعد النظريات الاقتصادية عن هذه التفاهات وتتحدث عن تأثيرات إعادة توازن الدخول، فإنها تضع إصبعها على جوهر المشكلة، وهي تدعونا بذلك إلى توجيه السؤال الحقيقي الذي يقع خارج ميدانها، وهو: كيف يجري توفيق الهياكل معاً؟ أي ما هي القوى التي تحقق هذا التوفيق؟ (والأمر هنا يتعلق بصراع الطبقات على المستوى العالمي).
والنموذج يوضح إحدى الحالات الممكنة، وهي استغلال العمل بشكل غير متساوٍ، أي أن معدلات فائض القيمة غير متساوية. ولكي نقدم هذه الفرضية (وهي مجرد فرضية في هذه المرحلة)، نحتاج إلى بناء النموذج على أساس القيمة لا الأسعار المباشرة.

والاستغلال غير المتساوي يظهر على شكل تبادلات غير متساوية. والاستغلال غير المتساوي (والتبادلات غير المتساوية الناتجة عنه) تفرض عدم المساواة في التوزيع الدولي للعمالة، وهو يشوه هيكل الطلب، ويسرّع بالتراكم الذاتي في المركز، ويعرقل التراكم التابع المتجه إلى الخارج في التخوم.


ثانياً: نموذج واحد للتراكم أم اثنان؟


طرحت نموذجين للتراكم، واحد للمركز والآخر للتخوم(3)، والنموذج الخاص بالمركز تتحكم فيه ارتباطات قطاعي رأس المال 1، و 2، وبذلك يعبّر عن تماسك اقتصاد رأسمالي مرتكز على الذات. وفي المقابل، في حالة نموذج التخوم، يتحكم الارتباط بين الصادرات (القوة المحركة) والاستهلاك (المدفوع) في إعادة إنتاج النظام. أي أن النظام موجّه إلى الخارج (بدلاً من الارتكاز على الذات)، وهذا يعني التبعية بمعنى أن التخوم "تتواءم من جانب واحد" مع الاتجاهات السائدة في النظام العالمي المندمجة فيه. وهذه الاتجاهات هي بالضبط التي تحددها متطلّبات التراكم في المركز.
وبالطبع فكل من النموذجين (المركزي والتخومي) قد مرّ بمراحل متتالية لها خصائصها المتميزة. فالنموذج التخومي مثلاً، مر بمرحلة أولية (تصدير المنتجات الزراعية والمنجمية) إلى مرحلة التصنيع لإحلال الواردات (وهو النموذج العام في خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أي مرحلة باندونغ)، ثم تلتها مرحلة التصنيع المتوسع مع صادرات منافسة لصادرات المركز (النموذج الصيني لأعوام التسعينيات). ومع ذلك فهو نموذج تخومي حيث إنه يعمل في إطار التواؤم من جانب واحد مع متطلبات العولمة.
وهذه الشروط التي تحكم التراكم على مستوى عالمي تعيد إنتاج التنمية غير المتكافئة، وهي توضح أن البلدان المتخلفة هي كذلك لأنها تتعرض لاستغلال مضاعف، وليس لأنها متخلفة (وفي الواقع فإن تأخرها هو الذي سمح بمضاعفة استغلالها).
والخبرة تؤكد هذه النظرة، وجميع التوقعات على أساس الأسعار الثابتة، لسياسات التنمية التابعة تؤدي إلى التوقف تحت تأثير العجز المزدوج لميزان المدفوعات ، وميزانية الدولة. أما التوقعات على أساس الأسعار الجارية فتصل إلى النتيجة نفسها وبشكل أسرع. وتفسير ذلك أن هيكل الأسعار مشوه (تحت تأثير الصراع الطبقي المترابط على المستوى العالمي) بشكل يساعد على الاستغلال المضاعف للتخوم.
أما "اللحاق" بالمعنى الذي تحدده النظرية الفاسدة بشأن مراحل النمو، فهو مستحيل في إطار الرأسمالية القائمة بالفعل، وهي إمبريالية بطبيعتها الأصيلة. وهذه النتيحة لا تنطبق على الماضي فحسب، بل تتحدى بناء المستقبل كذلك. أما فكرة كون البلدان البازغة تسير في طريق اللحاق بفضل تداخلها المتعمق في العولمة كما هي (وهو أمر حتمي) فهي بلا أساس.
وعلى أي حال فالنموذجان يكوّنان معاً واقعاً واحداً، وهو التراكم على المستوى العالمي الذي يتميز بترابطات نمط ماركسي للقطاعين 1، و 2، ولكن على المستوى العالمي وليس على مستوى مجتمعات المركز.
وصادرات التخوم، على هذا المستوى، تصير عناصر مكونة لرأس المال الثابت والمتغير (التي تخفض أسعارها)، في حين تلعب وارداتها دوراً مماثلاً للقطاع "3" ، أي انها تسهل استقطاع فائض قيمة مضاعف.


ثالثاً: الصراعات الاجتماعية والمواجهات الدولية من منظور عالمي


والنموذج لا يعني ضمناً بأن شكل الاستغلال الرأسمالي قد صار معمماً في إطار النظام، فهو يتبنى أسلوب الإنتاج السلعي لسلع صارت عالمية. وعلى الرغم من أن إدخال معدل للربح "ر" في كل معادلة، يتماشى مع نوع ذلك الفرع من الإنتاج، يوحي بتعميم الشكل الرأسمالي فإن هذا الشرط ليس حتمياً من وجهة نظر منطق النموذج. فيمكن مثلاً الاحتفاظ بمعدل الربح ر لفروع الإنتاج (ط إلى ل) مع استبعاده بالنسبة للفروع (م إلى ي)، وهذا يعني أن المنتجات (ط– ل) المنتجة في التخوم تُنتج في مؤسسات رأسمالية، وهذا يعني أيضاً استخدام التقنيات أكل م ، مع معدل الأجور جت ، في حين أن السلع (م – ي) تُنتج بأساليب غير رأسمالية ولكنها تخضع لرأس المال عن طريق انخراطها في السوق. وهنا تواجهنا السيطرة الرسمية، ومن السهل إثبات أن كمية العمل الفائض، الذي يستولي عليه رأس المال المسيطر، أكبر. أي أن الاستغلال الزائد أكثر زيادة.
وهنا علينا أن نتجاوز النموذج ذا الطابع الاقتصادي، أي أن علينا أن نستحضر الصراع الطبقي.
وتجاوُز النموذج يعني أولاً أخذ تاريخ أصل النظام في الاعتبار، وهذا يعني قدرتنا على تحديد وتحليل الأساليب السابقة على الرأسمالية، وملاحظة وتحليل تأثير سيطرة رأس المال على هذه الأساليب الخ. ومساهمات فرانك وأريجي وكاتب هذه السطور تحاول تحقيق هذا الهدف الأساسي، ولكنها جميعاً مجرد بدايات. وفي هذا المجال الذي لم يُطرق إلا قليلاً يحتاج الأمر إلى فرضيات جزئية جريئة. وقد انقسمنا في خضم المناقشات وسنستمر منقسمين، ولكن حدث تقدم كبير لأن إشكالية معاداة الإمبريالية مشتركة بيننا.
وتجاوز النموذج يعني ثانياً أنه لا توجد قوانين اقتصادية مستقلة عن الصراع الطبقي، ولهذا السبب أعلنت أنه لا يمكن إيجاد نظرية اقتصادية للاقتصاد العالمي. ولهذا السبب نفسه أعتقد أن ماركس لم يكتب الفصل المتعلق بالاقتصاد العالمي، ومع ذلك فهناك بعض الكتّاب الذين يشعرون بالحنين نحو الاقتصاد يحاولون وضع مثل هذه النظرية.
وتجاوُز النموذج يعني إذن محاولة ربط الصراع الطبقي على المستوى العالمي، ووضع هذا الترابط على الأساس الاقتصادي، مبيّناً كيف يغير الصراع هذا الأساس، وفي أي اتجاه، الخ. وهذا ما أحاول عمله، وهو بالضبط المساهمة الأساسية لماركسيي العالم الثالث، وهو أمر لا يجري تقبّله ولا فهمه جيداً في الغرب. ودون تكرار هذه التحليلات هنا، دعني أؤكد على التفرقة بين: أ) البرجوازية الإمبريالية التي تسيطر على النظام ككل، وتستحوذ لنفسها على نسبة كبيرة من العمل الفائض المنتَج على المستوى العالمي؛ ب) البروليتاريا في بلدان المركز التي تحظى بزيادة في الأجور الحقيقية تتماشى بدرحة أو بأخرى مع ارتفاع إنتاجية العمل، التي تقبل بقيادة أحزاب الديمقراطية الاجتماعية (وهاتان الظاهرتان مرتبطتان وتنتجان من استكمال بناء الرأسمالية على أساس التراكم الذاتي، وترتبطان بالإمبريالية)؛ ج) البرجوازيات التابعة في التخوم التي يتحدد موقعها طبقاً لتقسيم العمل الدولي، والتي يغير نشاطها المعادي للإمبريالية هذا التقسيم؛ د) بروليتاريا التخوم المعرضة للاستغلال المتناهي بسبب عدم اكتمال الهياكل الرأسمالية، وخضوعها التاريخي للتراكم الموجّه للغير، وفك الارتباط الناتج عنه بين سعر قدرتها على العمل وإنتاجية عملها، وهي لذلك رأس الحربة للقوى الثورية على المستوى العالمي؛ ه) الفلاحين المستغَلين في التخوم المعرضين في بعض الحالات لاستغلال مزدوج مترابط من أشكال سابقة على الرأسمالية ومن رأس المال، ومن رأس المال وحده في حالات أخرى (الاستغلال المباشر)، وهم بذلك يتعرضون لاستغلال متناهٍ في جميع الأحوال، وهم لذلك، الحليفُ المحتمل الرئيسي للبرولتاريا؛ - و) الطبقات المستغِلة في الأنظمة غير الرأسمالية، والمنظمة بشكل يتماشى مع ما سبق.
وهذا العرض المبسط جداً يوضح حقيقة أن التناقض الرئيسي الذي يحكم جميع التناقضات الأخرى والذي تتحكم تغيراته في الظروف الموضوعية التي تعمل فيها هذه التناقضات، هو التناقض بين شعوب التخوم (البرولتاريا والفلاحين المستغلين) وبين رأس المال الإمبريالي، وليس بالطبع بين التخوم ككل والمركز ككل.
وفي المقام الأول تحدد هذه الصراعات بشكل مباشر ومتزامن الأسعار النسبية التي يجري التبادل على أساسها بين المركز والتخوم، وبنية تقسيم العمل الدولي. وهي تحدد اتجاه ومعدل التراكم في المركز، وفي التخوم، وعلى مستوى العالم. وهي بذلك تحدد الصراعات في المركز.
وتجري هذه الصراعات في مجال يتعرض لتحالفات وتعارضات تتغير من مكان إلى آخر. وكأنّ التحالف الديمقراطي الاجتماعي (أي سيادة الإمبريالية على الطبقات العاملة في المركز) سائدٌ طوال تاريخ الرأسمالية، في ما عدا بعض لحظات الأزمات حيث يتوقف عن العمل. أما قيادة تحالف التحرر الوطني (للبرولتاريا والفلاحين وعلى الأقل جزء من البرجوازية) فيجري الصراع حولها بين الطبقات الشعبية (وفي هذه الحالة تنضم البرجوازية بكاملها صراحة إلى العدو) من جهة والبرجوازيات من جهة ثانية (وفي هذه الحالة تنجح البرجوازية في فرض أشكال جديدة من تقسيم العمل الدولي).
وهكذا تحدد هذه الصراعات والتحالفات: أ) معدّل فائض القيمة على المستوى العالمي، ومعدلاته المختلفة في المركز والتخوم؛ ب) فائض العمل المبتز في الأنظمة السابقة على الرأسمالية المسودة؛ ج) هيكل الأسعار للسلع العالمية الذي يجري على أساسه إعادة توزيع فائض القيمة (وبصفة خاصة التوزيع بين رأس المال الإمبريالي والبرجوازيات التابعة؛ د) الأجور الحقيقية على مستوى المتوسطات العالمية، وعلى مستوى متوسطها في بلدان المركز، وفي التخوم؛ هـ) مقدار الريع الذي تحصل عليه الطبقات غير الرأسمالية (خاصة في التخوم)؛ و) ميزان التبادل بين المركز والتخوم؛ ز) سيولة انتقال السلع ورأس المال (وبالتالي معدل التبادل).
ويعني التحليل على مستوى المادية التاريخية على الصعيد العالمي أننا نعي الطبيعة العالمية للسلع (وبالتالي للقيمة) وحرية التحرك العالمية لرأس المال. وهذه مجرد اتجاهات بالطبع ولكنها اتجاهات أساسية لأنها تعبر عن سيادة رأس المال على مستوى النظام ككل.
ومن دراسة هذا الترابط بين الاقتصاد الرأسمالي المعولم والصراعات الاجتماعية والسياسية القومية والدولية، توصلتُ إلى نتيجة كون "الصراع بين الشمال والجنوب" لا يمكن فصله عن الصراع بين الاتجاه لإعادة إنتاج علاقات اجتماعية ذات طبيعة رأسمالية محددة من جهة، في مقابل متطلبات تجاوز هذه العلاقات في اتجاه اشتراكي من الجهة الآخرى.


رابعاً: الحصول غير المتكافئ على الموارد الطبيعية للكوكب


اهتم الاقتصاد الشائع الكلاسيكي بقضية الموارد الطبيعية فقط من حيث إمكان الاستحواذ عليها كملكية خاصة، وجرى اعتبارها من "عوامل الإنتاج" التي تتيح لمالكها الحصول على دخل (ريع) يتوقف على إنتاجيتها. أما ماركس فيحلل هذا الريع بوصفه نسبة توزيع أي جزءاً من فائض القيمة الكلّي، وهو يرى أن الموارد الطبيعية لا تخلق أيَّ قيمة حتى وإنْ كانت أحد الأسس المهمة للثروة الاجتماعية.
والآن وقد بلغ استخدام الموارد الطبيعية معدلات غير مسبوقة، سواء منها تلك التي يمكن تملّكها (أي ما تحت التربة) أم تلك التي لا يمكن تملكها (مثل الغلاف الجوي)، فإننا مضطرون إلى النظر في كيفية التعامل مع ظروف الإنتاج "الطبيعية". والاقتصاد الشائع المعاصر يصر على متابعة أسلوبه بإدخال عوامل الإنتاج هذه في خط التفكير التقليدي ليضع لها "سعراً". أما أنا فأنظر للموضوع بطريقة مختلفة بمتابعة منطق ماركس دون وجل، خاصة أن هذه القضية توضح بكل جلاء الحدود التي لا يمكن لما يُسمّى علم الاقتصاد أن يتخطاها. وهذا أدعى لمزيد من الانتقاد لواقع الرأسمالية من جهة، وللوصف التغريبي للاقتصاد الشائع الجديد المسمى "بالأخضر" من الجهة الأخرى.
إن قضية الموارد الطبيعية للكوكب تضع النظام المعولم المنحرف لواقع الرأسمالية/الإمبريالية تحت المجهر، والاسترتيجيات التي تتبعها المراكز السائدة وتطبيقاتها هي محاولات لاحتكار الوصول لهذه الموارد لحسابها الخاص. وهذا يعطي الريع الإمبريالي بعداً ثانياً يضاف إلى الفروق في أسعار قوة العمل على المستوى المعولم.
وفي ما يلي سنتابع هذه القضايا بادئين بالريع المنجمي (أي نقطة البداية التاريخية لمعالجة قضية الموارد الطبيعية)، ثم مناقشة واسعة للموارد غير المملوكة، انتهاءً بفحص الصراعات بين الشمال والجنوب حول هذه القضية الحاسمة التي تهدد مستقبل البشرية.

(. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . )

ملاحظات سياسية ختامية

سأختم هذا التحليل للتحولات التي حدثت للقيمة كما عرضتها في هذا العمل ببعض التأملات في مغزاها السياسي.


أولاً :

لا يمكن اختصار مفهوم الرأسمالية في أنها "نظام اقتصادي" ومن باب أولى على أنها "اقتصاد السوق"، وهو مفهوم أكثر تبسيطاً. ويظهر خلف تراكم رأس المال الذي يتحكم فيها، الاستلاب السلعي الذي يحدد شروط تحركها. والاستلاب السلعي مفهوم مركب لا يمكن اختزاله في القانون التبسيطي القائل بأن "الأسواق تفرض قانونها". والاستلاب السلعي يتخذ أشكالاً متعددة، فهو يفرض نفسه مع ظهور رأس المال، ويصير مثله مثل بقية عناصر الإنتاج (العمل والطبيعة والعلم)، هو أيضاً، عنصراً من "عناصر الإنتاج". وهو يؤكد نفسه في الوهم الذي يجعل العامل الذي يبيع قدرته على العمل يتوهّم أنه يبيع عمله، وهو يؤكد نفسه بدرجة أكبر من التجريد في مظهر أن السلع تنتج سلعاً دون الحاجة إلى العمل، وأن النقود في حد ذاتها منتِجة (النقود تلد أطفالاً من النقود)، وأن الوقت "منتِج" (الوقت من ذهب). وقد مررنا بكلٍ من هذه القسمات لهذا التغريب الخاص بالرأسمالية في جميع مراحل تحليل هذه التحولات في مفهوم القيمة. وقد رأينا أن الاقتصاد الشائع يعجز عن فهم المغزى الكامل للتوسع في التراكم، لأنه يتجاهل الاستلاب السلعي. وهذا الاستلاب هو العمود الفقري لإيديولوجية الطبقة الحاكمة التي صارت (كما يقول جرامشي) الإيديولوجية السائدة في المجتمع، وبهذا يصير عنصرأً لا غنى عنه لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج الرأسمالية.
والتوازن بين العرض والطلب لكل من القطاعين المتوسعين (كثافة أو حجماً) يجب أن يتحقق من فترة إلى أخرى، سواء أكانت تلك الفترة قصيرة (سنة مثلاً)، أم طويلة لتغطي فترة استهلاك المعدات الرأسمالية المستثمرة بالكامل (10 سنوات مثلاً) قبل الإحلال. ومعادلات التوازن الموسع – بتقدير القيمة، أو بعد تحويلها إلى أسعار الإنتاج، ثم إلى أسعار السوق، ثم إلى الأسعار المعولمة – تجعل من الممكن تحديد الشروط الموضوعية اللازمة لتحقيق ذلك التوازن ( وهي توزيع الاستثمارات وقوة العمل بين القطاعين، ومستوى الأجور، وهي متوقفة على معدلات ارتفاع الإنتاجية في كل من القطاعين). ومعرفة هذه الشروط (وهي ممكنة هنا) مفيدة جداً عند التخطيط لإعادة الإنتاج الاقتصادي، ولكن الرأسمالية بطبيعتها تتجاهل التخطيط الذي يترادف مع سيطرة المجتمع على الاقتصاد، فتطورها الاقتصادي ("النمو") يتوقف على القرارات اللامركزية التي يتخذها "متخذو القرارات" أي الرأسماليون.
ويدّعي المدافعون عن النظام القائم (مثل هايك) أن هذه العملية اللامركزية "فعالة" لأنها "تكشف" شروط التوازن، وفي نهاية المطاف تضمن حدوثه. وفي المقابل يثبت ماركس أن الرأسمالية بطبيعتها غير مستقرة، وأن القرارات التي تتخذ في لحظة معينة، وهي تحدث أصلاً في إطار تحدده نتائج صراع الطبقات، والصدامات بين الدول، تدفع النظام من حالة عدم توازن إلى حالة عدم توازن أخرى دون أن "تتجه" أبداً إلى حالة التوازن.
وهكذا فالعلم الاقتصادي البرجوازي (أي الاقتصاد الشائع) الذي يحاول اكتشاف الشروط التي يتحقق تحتها التوازن، في الحقيقة يبحث عن الحل "الصحيح" لسؤال خاطئ بل سخيف. لهذا قارنت ذلك بالسؤال عن "جنس الملائكة" الذي كان علماء الدين في القرون الوسطى يحاولون الإجابة عليه حتى يفهموا العالم الخيالي الذي أغلقوا على أنفسهم داخله. وهروباً إلى الأمام بحثاً عن الشروط التي تضمن الاستقرار لنظام غير مستقر بطبيعته، اضطر الاقتصاديون التقليديون إلى اختراع مفهوم "التوقعات"، وهكذا صار النظام يتحدد في تطوره طبقاً "لتوقعات" الفاعلين الاقتصاديين. وهي ملاحظة واضحة الضحالة، إذ تمكّنهم من تصوّر جميع أنواع التطورات الممكنة وبالتالي عدم الوصول إلى أيّ نتيجة. فالنظام سيتجه إلى حالة من التوازن المتوهَّم إذا كانت التوقعات تقود إلى ذلك، ولا يمكن تصور حشو وتكرار فارغ أكثر من ذلك.
والرأسمالية تتخذ شكلها النهائي عندما تحقق ثورتها المزدوجة، فمن جهة الثورة السياسية التي تؤكد السلطة السياسية الحاسمة للبرجوازية (وذلك في الثورة الإنجليزية "المجيدة" لعام 1688، وحرب الاستقلال الأمريكية، وخاصة الثورة الفرنسية لعام 1789، والأخيرة هي بداية السياسة الحديثة). ومن جهة أخرى، الثورة الصناعية التي أكدت سيطرتها على الحياة الاقتصادية، والاستلاب السلعي الذي تستخدمه لتحقيق تلك السيطرة، وذلك بعد أن توسعت في الصناعة الكبيرة. وباتخاذ الشكل النهائي يصير النظام الاقتصادي لأول مرة في التاريخ، نظاماً اقتصادياً معمماً يضم منتجات العمل الاحتماعي، وقوة العمل، والحق في ملكية أنصبة (أسهم) في رأس المال. وتعبير "اقتصاد السوق" يخفي حقيقة النظام الذي يجدر أن يسمى "النظام الاقتصادي للأسواق الرأسمالية". وهذا الشكل الذي يعبر عن حقيقة علاقات الإنتاج الرأسمالية جديد تماماً في التاريخ.


ثانياً :

والرأسمالية ليست على الإطلاق ما يتخيله دهاقنتها، فهي مجرد مرحلة عابرة في التاريخ، ولكنها مرحلة حاسمة. وقد مرت الرأسمالية بمرحلة حضانة طويلة – سبعة أو ثمانية قرون قبل الثورة الفرنسية والثورة الصناعية – شملت جميع مجتمعات أوروبا وآسيا وشمال أفريقيا، من الصين إلى الشرق الأوسط ومدن إيطاليا، إلى أن تجمّعت في شكلها التاريخي كالرأسمالية الأوروبية. وكانت مرحلة ازدهار العالم الرأسمالي، المرحلة الخلاقة، قصيرة للغاية، فاستغرقت أقل من قرن واحد، من الثورة الفرنسية والثورة الصناعية، حتى كوميونة باريس في 1871.
وهكذا دخلت الرأسمالية أزمتها الطويلة الأولى من 1873 (كما يقول الاقتصاديون، أما أنا فأقول منذ 1871وهو تاريخ الكوميونة) وحتى 1945. وهي أزمة بالغة الطول، تصوّر لينين بقدر من التفاؤل أن تكون الأخيرة. وعايش الجزء الأخير من هذه الأزمة (من 1914/1945)، الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية، وأزمة 1929، وقيام النازية واليابان الإمبراطورية، والحرب العالمية الثانية، ولحقتها الثورة الصينية والثورة الفيتنامية، وهي التي أثارت حركات تحرير أسيا وأفريقيا. وهذه "الأحداث" الجسيمة كانت "الاستجابة للأزمة الطويلة الأولى".
أما الأزمة الطويلة الثانية، التي بدأت مع وقف الولايات المتحدة التحويل الحر للدولار إلى الذهب في 1971، فقد سارت في طريق مماثل للجزء الأول من الثورة السابقة، وهو تركيز رأس المال، والإسراع بالعولمة بشكل عنيف، و"الأمْوَلة". وهي تدخل الآن مرحلتها الثانية التي ستتشكل طبقاً للصراع المتزايد بين الدول (خاصة بين الشمال والجنوب) والصراعات الطبقية. وأشير هنا إلى كتابي الذي يصف هاتين الأزمتين بالمتوازيتين.(4) وبعيداً عن التشابهات، دفعت هذه الأزمة التحولات الكيفية للنظام من أزمة للتالية، وخاصة بظهور الإمبريالية الجماعية للثالوث (الولايات المتحدة وأوروبا واليابان).
وقراءتي لتاريخ الرأسمالية تتماشى مع الاستنتاجات التي توصل لها باران وسويزي وماجدوف (ثم انضم إليهم فريق مجلة المونثلي ريفيو) من تحليلهم المبكر لرأسمالية الاحتكارات. وهي:

1) الرأسمالية بطبيعتها نظام يتجه لإنتاج فائض لا يمكن استثماره في توسيع وتعميق النظام الإنتاجي؛
2) النمو الاقتصادي هو، لذلك، الاستثناء الذي يجب استقصاء دوافعه في كل حالة، وليس القاعدة المستمدة من "المنطق الأساسي" لهذا النظام، والذي يدعي أنه "بلا بديل"، وأنه لذلك مرادف "لنهاية التاريخ"؛
3) تاريخ القرن التاسع عشر هو تاريخ قيام الرأسمالية في شكلها النهائي التي انتشرت في إطار تغلب ممارسات المنافسة على الممارسات الاحتكارية، وهذا كان سر النمو السريع في الاقتصادات المركزية للنظام. وذلك إلى حين فرَض منطق تركيز رأس المال اللصيق بالنظام، أن تلغي الاحتكارات نظام الرأسمالية التنافسية القديم؛
4) منذ نهاية القرن التاسع عشر وظهور الرأسمالية الاحتكارية الأولى أظهر الاتجاه للركود آثاره العنيدة، التي لا يمكن التغلب عليها إلا بالنمو الطفيلي للقطاع الثالث الذي يمتص الفائض؛
5) رغم أن الأزمة الطويلة الأولى لم تنته باختفاء الرأسمالية، فإنه من الصحيح أن النمو الكبير "للثلاثين عاماً المجيدة" ترجع أسبابه إلى ظروف خاصة أنتجتها الحرب العالمية الثانية؛
6) والاتجاه للركود الذي ظهر للسطح مع بداية الأزمة الطويلة الثانية لرأسمالية الاحتكارت في السبعينيات من القرن العشرين، يجري التغلب عليه جزئياً بالأمْولة، وهي ليست "انحرافاً" يمكن تصحيحه بإجراءات تقنينية مناسبة، بل هو لصيق بضرورات استمرار النظام.
وقد وسعتُ هذه التحليلات في المجالات الأربعة التالية:
1) تحديد اللحظتين اللتين توسعت فيهما الرأسمالية الاحتكارية والمرتبطتين بأزمتيها الطويلتين (الأولى 1873- 1945، والثانية 1971 وحتى اليوم)، وتحديد الأشكال الجديدة التي تعبر عن تعمق أزمة النظام. وهو اليوم "الرأسمالية المتأخرة المعممة والمأَمْوَلَة والمعولمة للاحتكارات"؛
2) تحليل التشابه بين أسلوبي مواجهة الاحتكارات لهاتين الأزمتين المتلاحقتين، وهو: تركيز رأس المال، والأمْوَلة، وتعميق العولمة. وحققت هذه الاستجابات نجاحاً براقاً ولكنه قصير، لمرحلة من "الزمن الجميل" والتقاط الأنفاس (1895-1914، ثم 1991-2008)؛
3) الانتقال من مرحلة الصراعات بين الاحتكارات القومية (واستمر حتى 1945) إلى الإمبريالية الجماعية للثالوث؛
4) الاعتراف بالمواجهة الحاسمة بين إمبريالية الثالوث و صحوة أمم الجنوب التي ظهرت أولاً من خلال الموجة الأولى من الثورات الاشتراكية (من روسيا شبه التخومية إلى بلدان التخوم: الصين، وفيتنام، وكوبا)، وانتشار مشروعات باندونج (1955- 1985). وتحول قانون القيمة إلى قانون القيمة المعولمة يشرح طبيعة التحدي، وتناقضات وحدود الموجة الأولى لمحاولة الهروب من الرأسمالية.

وهكذا يتبين بوضوح أن "الرد الفعال على الأزمة الحالية"، لن يتحقق عن طريق "سياسات اقتصادية فاعلة" يضعها التكنوقراط في خدمة رأس المال، ولا من مشروعات إصلاحية حقيقية يضعها يساريون حسنو النية.


ثالثاً :

كما لاحظتُ من قبل، لم أجد عند ماركس إجابات مُقنعة بشأن قضية عولمة الرأسمالية، وقد حاولت مواجهة التحدي بالاعتراف بالحقيقة غير العادية بأن الرأسمالية كما هي اليوم، في توسّعها المعولم، قد أنتجت، وأعادت إنتاج، وعمقت بشكل كبير، الاستقطاب بين المركز والتخوم.
وقد أعلنت بجرأة أن هذه الحقيقة الجديدة هي التي تتحكم في جميع الصراعات السياسية الاجتماعية على جميع المستويات القومية والعالمية. وأعني بهذا أن كلاً من الصراعات الاجتماعية بين الطبقات المستغَلة والطبقات المستغِلة (والتي تتخذ أشكالاً متنوعة)، والصراعات بين السلطات المسيطرة في المراكز والتخوم، متشابكة وتؤثر على بعضها البعض. واختصار هذه الحقيقة، النابعة من التوسع العالمي للرأسمالية، في مجرد التأكيد بأن الصراع الطبقي بين العمل ورأس المال هو "في التحليل الأخير"، المحدد لجميع الصراعات، يستبعد الأسئلة الحقيقية الصعبة من مجال المناقشة. والاختصار المشابه لهذه الصراعات على أنها مجرد صراعات بين القوى، كما يفعل التحليل الجيوبوليتيقي، لا قيمة له هو الآخر.
والسؤال الصعب يشمل صراعات الشعوب (بمعنى الطبقات الشعبية)، والأمم (بمعنى الحقائق التاريخية التي طورت خصائصها الشخصية)، والدول (بمعنى السلطات التي تسيطر بها الطبقات الحاكمة باسم هذه الأمم).
فهل يفتح الباب لمستقبل يمكن فيه "إصلاح" الرأسمالية في إطارها ذاته بأساليب رأسمالية؟ لو كان ذلك ممكناً لما استطاعت أيّ قوة أو أيّ إيديولوجية، أو أي مشروع ثقافي أن يعطل تقدمها. وفي تلك الحالة تجد نظرية "مراحل النمو" تأكيدها – لا بالطبع عن طريق التطور الهادئ للعولمة، وإنما عن طريق الصراع المتجدّد ضد أشكالها المتوالية التي تنتج التباين بين المركز والتخوم. وبعبارة أخرى، فإن البعد المعادي للإمبريالية لتلك الصراعات لن يوحي برفض الحل الرأسمالي بل العكس، إذ سيكون الحل المفروض على القوى الإمبريالية هو ذاته في إطار الرأسمالية. وإلا فلن تستطيع هذه الصراعات أن تفتح الطريق "للإصلاح" في إطار النظام.
والإقرار بعولمة قانون القيمة يجعلنا نفهم الاستحالة الموضوعية "للإصلاح" في إطار النظام، وبالتالي فالصراعات ضد الإمبريالية مرتبطة بالصراع من أجل "نظام اجتماعي جديد" (أي في التحليل الأخير من منظور اشتراكي). وهذا الترابط ينعكس على المنافسة على قيادة الجبهة المعادية للإمبريالية من جهة، وبين القوى الطبقية المسيطرة التي تصبو بشكل "طبيعي" للازدهار، كبرجوازية قومية تفرض مشاركتها في تشكيل مستقبل العالم، ومن جهة أخرى، الكتل التاريخية المركبة البديلة المرتكزة بدرجات متفاوتة على الطبقات الشعبية التي تعبّر عن نفسها بطرق متنوعة.


رابعاً :

للمرة الثانية في التاريخ المعاصر، يتعرض البعد الإمبريالي للرأسمالية للتحدي، وكانت المرة الأولى في غداة الحرب العالمية الثانية.
فمنذ عام 1945 أعلنت الولايات المتحدة، وهي القوة الإمبريالية المسيطرة في ذلك الوقت، انقسام العالم إلى معسكرين: "العالم الحر"، و"الشمولية الشيوعية". وتجاهلت هذه النظرة "العالم الثالث" الذي اعتبرته تابعاً "للعالم الحر" نظراً لأنه "غير شيوعي"، واقتصرت هذه "الحرية" على حرية تحرك رأس المال متجاهلة الاستبداد الاستعماري أو شبه الاستعماري الذي يتعرض له العالم الثالث. وفي العام التالي صدر تقرير جدانوف الشهير (وهو في الواقع يعود إلى ستالين)، والذي على أساسه جرى تأسيس الكومنفورم (وهو الصيغة المخففة للدولية الثالثة). وقسّم هذا التقرير بدوره العالم إلى مجالين: العالم الاشتراكي (الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية)، والعالم الرأسمالي ( أي بقية العالم). وتجاهل هذا التقرير التناقضات في داخل المجال الرأسمالي بين المراكز الإمبريالية، وشعوب وأمم التخوم التي تناضل من أجل التحرر.
وكان الهدف الأساسي لمبدأ جدانوف هو فرض التعايش السلمي وتخفيف التوجّهات العدوانية للولايات المتحدة وحلفائها التابعين في أوروبا واليابان. وفي مقابل ذلك قبل الاتحاد السوفييني أن يهدئ من حماسه، وأن يمتنع عن التدخل في شئون المستعمرات التي كانت القوى الإمبريالية تعتبرها من شئونها الداخلية. بل إن حركات التحرر حينذاك بما فيها الثورة الصينية، لم تحظَ إلاّ بتأييد محدود من الاتحاد السوفييني، وفرضت نفسها بجهودها الذاتية. وفرض نجاح هذه الحركات، وبالدرجة الأولى بالطبع، انتصار الثورة الصينية، تغيراً في علاقات القوى الدولية.
ولم تقدّر موسكو هذه التغييرات حق قدرها إلا بعد باندونج، حيث أدت مساعداتها للبلدان التي تناضل ضد الإمبريالية إلى كسر طوق العزلة حولها، وإلى تحولها إلى لاعب رئيسي في الشئون العالمية. وهكذا يمكن القول دون مبالغة، إن التحول الرئيسي في النظام العالمي قد جرى بفضل هذه "الصحوة الأولى للجنوب"، التي بدونها لا يمكن تقدير عملية ظهور القوى الجديدة "البازغة".
وقد تقبّلت الأحزاب الشيوعية في أوروبا وأمريكا اللاتينية في ذلك الوقت تقرير جدانوف بلا تحفظ. وفي المقابل، تعرّض التقرير لمعارضة مباشرة من الأحزاب الشيوعية في آسيا والشرق الأوسط، وكانت معارضة مستترة في خطاب تلك المرحلة حيث كانت تؤكد "وحدة المعسكر الاشتراكي" وتقف وراء الاتحاد السوفييتي. ولكن هذه المعارضة بدأت في الظهور مع تطور النضال من أجل الاستقلال، وخاصة بعد انتصار الثورة الصينية (عام 1949). وفيما أعلم، لم تجرِ كتابة تاريخ صياغة نظرية البدائل التي تبلورت في مؤتمر باندونج عام 1955، ثم في حركة عدم الانحياز ابتداءً من عام 1960 (وهي الحركة المسماة: آسيا وأفريقيا وكوبا). ويبقى هذا التاريخ مستتراً في أرشيفات بعض الأحزاب الشيوعية (في الصين والهند واندونيسيا ومصر والعراق وإيران وغيرها).
ويمكنني على أيّ حال ذكر شهادتي الشخصية عن هذا التاريخ، فقد كان من حسن حظّي أن شاركتُ في مجموعة للتأمل والتمحيص تضم بعض الشيوعيين المصريين والعراقيين والإيرانيين وآخرين في عام 1950. ولم تكن قد بلغتنا أنباء الجدل الذي أثاره تشو إن لاي في الصين إلا بعد ذلك بمدة طويلة في عام 1963 عن طريق الرفيق وانج (الذي كان يمثل حلقة الاتصال مع هيئة تحرير مجلة ريفوليسيون [الثورة] التي كنت عضواً بها). وكنا قد استمعنا إلى أصداء الجدل الهندي الذي أدى في ما بعد إلى الانقسام الذي انتهى بقيام الحزب الشيوعي الماركسي، كما كنا قد علمنا أن الجدل قائم في داخل الحزبين الشيوعيين في إندونيسيا والفلبين بالشأن نفسه.
ويقتضي الأمر كتابة هذا التاريخ حتى يصحّح الفكرة الخاطئة بأن باندونج قد نتجت عن اختمار الفكرة في رؤوس بعض الزعماء الوطنيين (خاصة نهرو وسوكارنو، وبدرجة أقل عبد الناصر). فالحقيقة هي أنها كانت نتيجة للنقد الراديكالي اليساري من جانب بعض الأحزاب الشيوعية. وقد انتهى تفكير هذه المجموعات إلى النتيجة الآتية: إن النضال ضد الإمبريالية على الصعيد العالمي يجمع القوى الاجتماعية والسياسية التي سيؤدي انتصارها إلى فتح الطريق أمام التقدم نحو الاشتراكية في العالم المعاصر.
وتركت هذه النتيجة الباب مفتوحاً أمام التساؤل: من الذي "سيقود" هذه المعارك ضد الإمبريالية؟ أو بعبارة أخرى: هل ستقودها البرجوازية (المسماة أيامها بالوطنية) وبالتالي على الشيوعيين تأييدها، أو جبهة من الطبقات الشعبية "يقودها" الشيوعيون لا البرجوازية (المعادية للوطنية بالفعل)؟ وبقيت الإجابة على هذا السؤال متراوحة بل ملتبسة أحياناً. وفي عام 1945 انتظمت الأحزاب الشيوعية المعنية وراء النتيجة التي توصل إليها ستالين، وهي أن البرجوازية في جميع أنحاء العالم (في أوروبا المرتبطة بالولايات المتحدة، كما في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة – طبقاً للتعبير السائد أيامها) قد "ألقت بعلم الوطنية في الوحل" (طبقاً لتعبير ستالين)، وأن الشيوعيين وحدهم هم القادرون على تجميع جبهة متحدة من القوى التي ترفض الخضوع للنظام الأمريكي الإمبريالي/الرأسمالي.
وكانت هذه النتيجة متفقة مع ما توصّل إليه ماو في عام 1942، ولم نعرفها إلا بعد ترجمة كتابه "الديمقراطية الجديدة" إلى اللغات الأوروبية في عام 1952. وكان معنى هذه الأطروحة أن الطريق الطويل نحو الاشتراكية لأغلب شعوب العالم لا بد من أن يمر عبر "ثورة وطنية ديمقراطية شعبية ضد الإقطاع وضد الإمبريالية (بنص العبارات السائدة وقتها) تحت قيادة الشيوعيين". وكان ذلك يعني ضمناً أن التقدم نحو الاشتراكية غير وارد في المناطق الأخرى بما فيها المراكز الإمبريالية، فلا يمكن توقّعها هناك إلا بعد أن توقِع شعوب التخوم هزائم حاسمة بالإمبريالية.
وساهم انتصار الثورة الصينية في تأكيد هذه النتيجة. وبدأت الأحزاب الشيوعية في بلدان جنوب شرق آسيا، وخاصة في تايلاند وماليزيا والفيليبين، حروباً تحررية مقتدية بالمثال الفيتنامي. وفي عام 1964، اقترح تشي غيفارا في إطار الروح نفسها قيام "فيتنام ثانية وثالثة ..".
وكانت الاقتراحات الطليعية بمبادرات "لشعوب آسيا وأفريقيا" مستقلة ومعادية للاستعمار، التي قدمتها المجموعات الشيوعية المعنية مبكرة ودقيقة، وظهرت في برنامج باندونج وعدم الانحياز، وقد عبّرتُ عنها في كتابي "صحوة الجنوب". وتركزت هذه المقترحات حول ضرورة استعادة السيطرة على عملية التراكم (عن طريق التنمية المرتكزة على الذات وفك الارتباط).
وما حدث هو أن هذه المقترحات قد جرى تبنّيها، مع الكثير من التخفيف، في الأعوام 1955/60، من أغلبية الطبقات الحاكمة في القارتين، وفي الوقت ذاته، هُزمت جميع حروب التحرر الوطني في بلدان جنوب شرق آسيا (في ما عدا فيتنام بالطبع)، وماذا بعد؟ كانت النتيجة التي بدت منطقية هي أن "البرجوازية الوطنية" لم تستنفذ بعدُ كل طاقتها للنضال ضد الإمبريالية. وتوصّل الاتحاد السوفييتي هو أيضاً إلى النتيجة ذاتها وقرر دعم جبهة عدم الانحياز في حين أعلن الثالوث الإمبريالي الحرب المفتوحة ضدها.
وهنا انقسم الشيوعيون في البلدان المعنية بين اتجاهين متعارضين وقامت بينهما معارك مؤلمة ملتبسة في كثير من الأحيان. فالبعض استنتجوا ضرورة "تأييد" السلطات القائمة التي تناضل ضد الإمبريالية مع اتخاذ المواقف "الانتقادية"، ودعمت موسكو هذا التوجه باختراع نظرية "الطريق غير الرأسمالي". أما الآخرون فتمسكوا بجوهر النظرية الماوية التي تقول بأن الطبقات الشعبية المستقلة عن البرجوازية هي وحدها القادرة على السير في النضال ضد الإميريالية. ودعم الصراع بين الحزب الشيوعي الصيني والاتحاد السوفييتي، الذي بدا منذ عام 1957، ثم ظهر رسمياً إلى العلن في عام 1960 هذا الاتجاه الثاني في صفوف الشيوعيين الآسيويين والأفريقيين.
ولكن بعد ما يقرب من خمسة عشر عاماً كان زخم باندونج قد قارب على الاختفاء دلالة على محدودية البرامج المعادية للإمبريالية "للبرجوازيات الوطنية". وهكذا تحققت الشروط لنجاح الهجمة المضادة للإمبريالية، وتحويل اقتصاديات الجنوب مرة أخرى للكومبرادورية، بل في الحالات الهشة، إلى إعادتها إلى الأوضاع الاستعمارية.
ولكن، في تحول بدا كإنكار للرجوع إلى الأطروحة القائلة بأن "البرجوازيات القومية" قد تخلت تماماً عن التطلعات الوطنية – حيث كانت مرحلة باندونج مجرد مرحلة عابرة في إطار الحرب الباردة - ها هي بعض بلدان الجنوب تفرض وجودها كبلدان "بازغة" في إطار ذات العولمة التي تسودها الإمبريالية. ويبقى السؤال: "بازغة" بأي معنى؟ هل هي عبارة عن أسواق مفتوحة أمام احتكارات الثالوث في المراكز الإمبريالية، أم هي أمم بازغة قادرة على فرض مراجعات جادة لشروط العولمة الإمبريالية؟ وهل ستتمكن من الحد من سلطات الاحتكارات في داخل هذه العولمة، وتوجيه التراكم نحو التنمية الوطنية لبلدانها؟ وهكذا يعود التساؤل حول المضمون الطبقي للسلطات الحاكمة في البلدان البازغة (وفي غيرها من بلدان التخوم) للأولوية على جدول الأعمال للنقاش الحتمي حول ما سيكون - أو يمكن أن يكون – عليه العالم "بعد الأزمة".
إن الأزمة المتأخرة لبلدان الإمبريالية للاحتكارات المعممة المأمْوَلة والمعولمة باتت مفتوحة. ولكن حتى قبل أن تدخل المرحلة الجديدة التي أنتجها الانهيار المالي في عام 2008، كانت الشعوب قد بدأت تنفض عنها حالة السبات التي رزحت تحتها بعد استنفاد زخم الموجة الأولى من نضالها لتحرير العمال والشعوب.
وتبدو أمريكا اللاتينية (التي غابت عن مرحلة باندونج (رغم جهود كوبا وحركة القارات الثلاث) (Tricontinental) وقد حققت سبقاً ملحوظاً في هذا الاتجاه.
وتعود إلى جدول الأعمال، وإنما في ظروف مغايرة بشكل كبير، الأسئلة ذاتها التي كانت قائمة في أعوام الخمسينيات. فهل سيستطيع الجنوب (ببلدانه البازغة وغيرها) اتخاذ مبادرات استراتيجية مستقلة؟ وهل ستستطيع القوى الشعبية فرض التحولات في الأنظمة الحاكمة التي ستسمح دون غيرها بالتقدم الثابت في الاتجاه الصحيح؟ وهل سيمكن إقامة الجسور التي تربط بين النضال الشعبي للجنوب ضد الإمبريالية، وتقدم الوعي بحتمية الاشتراكية في الشمال؟
ولا أستطيع أن أتقدم هنا بإجابات متسرعة عن هذه الأسئلة الصعبة التي لن يحسمها إلا النضال. وهنا لن نقلل من أهمية النقاش الذي يجب أن يخوضه المثقفون الراديكاليون المعاصرون والمقترحات التي قد تنتج من هذا النقاش.
والنتائج التي توصلت إليها مجموعات النقاش في الخمسينيات، قد عبرت عن التحدي باستنتاجات لا تختلف كثيراً عن تلك الصحيحة اليوم، ألا وهي: على شعوب التخوم أن تقوم ببناء اقتصادها الوطني بالاعتماد على الذات مع فك الارتباط (مستندة إلى التجمّعات الإقليمية وإلى الجنوب ككل)؛ وأنها لا يمكن أن تحقق ذلك إلا في إطار التوجّه نحو الاشتراكية؛ وأنها في سبيل ذلك، عليها أن تتحرر من الوهم البديل وهو "اللحاق" في إطار النظام الرأسمالي المعولم. وقد جسدت باندونج اختيار الاستقلال في الحدود التي بينها تاريخ تلك الحقبة.
فهل سيكون الرد أفضل اليوم مع قيام "الصحوة الثانية للجنوب"؟ وخصوصاً هل سيمكن هذه المرة تحقيق الالتقاء بين نضالات الشمال والجنوب؟
والواقع أن هذا الالتقاء كان مفتقداً بشدة في مرحلة باندونج، فقد بقيت شعوب الشمال حينئذ سائرة وراء طبقاتها الحاكمة الإمبريالية. والبرنامج الاجتماعي الديمقراطي لتلك الحقبة لم يكن ممكناً دون الاستناد إلى الريع الإمبريالي الذي استفادت منه مجتمعات الشمال المرفهة. وفي الشمال كان يُنظر إلى باندونج في تلك الأيام على أنها مجرد حلقة في الحرب الباردة، بل ربما أنها من ألاعيب موسكو، وتعذر عليهم فهم أنّ البعد الحقيقي لهذه الموجة الأولى من حركات التحرر في آسيا وأفريقيا هو الذي أقنع موسكو بدعمها.
ويبقى تحدي إقامة الدولية المعادية للإمبريالية للعمال والشعوب على جدول الأعمال.


خامساً :

الاشتراكية (ومن باب أولى الشيوعية) تمثل مرحلة أرقى من الحضارة الإنسانية أمكن تصورها بعد الانتقاد الأساسي للرأسمالية الذي بدأه ماركس. ولما كان اختراع مرحلة الرأسمالية من الحضارة قد تعثر لعدة قرون قبل اكتشاف الشكل الخاص الذي ضمن لها النجاح، لماذا لا يكون اختراع الاشتراكية ذاته نتيجة عدد من الموجات المتتابعة؟ وقد اقترحتُ قراءة لتاريخ القرن العشرين – بما فيه الثورات (الروسية والصينية)، والموجة الأولى من صحوة الجنوب (أمم آسيا وأفريقيا) – على أنه التأكيد الأول على الضرورة الموضوعية للاشتراكية، لكونها البديل الوحيد في مواجهة الانحدار نحو البربرية وهي المصير الحتمي لتوسع الرأسمالية التاريخية الإمبريالية بطبيعتها.
كان التناقض بين المركز المسيطر (مستفيداً من الريع الإمبريالي) والتخوم المسودة في النظام الرأسمالي التاريخي، هو السبب في مأساة الموجة الأولى من الثورات في القرن العشرين. فقد واجهت أهدافاً متباينة، فمن جهة محاولة تنمية قوى الإنتاج التي كانت قد حرفتها وعرقلتها السيطرة الإمبريالية، ومن جهة أخرى التقدم في بناء علاقات اجتماعية ما بعد الرأسمالية تسير في الطريق الطويل نحو الاشتراكية. وهنا أيضاً نجد أن تحوّل العالم يبدأ في تخوم النظام القائم.
والارتباط بالفكر الماركسي اللامحدود لا يعطي المرء "كرة بلّورية" تعطي تنبؤات أكيدة عن المستقبل، كما لا تعطينا "النظرية الصحيحة" التي تمكننا من رسم استراتيجيات فعالة وأكيدة (وقد رأينا مثالاً واضحاً على ذلك في التقييمات المتباينة للشيوعيين لمشروع باندونج). فهذا الفكر إنما يعطينا الأدوات التحليلية التي تفوق جميع الأدوات الأخرى. لقد علّمنا ماركس أن مسارات التاريخ ترسمها نتائج الصراعات، فالتاريخ لا يُكتب قبل حدوثه. كذلك علّمنا ماركس أن حل أعنف التناقضات يجري إما بتجاوز النظام الاجتماعي الذي عفا عليه الزمن، وإما بالتدمير الذاتي لهذا المجتمع. واليوم أكثر من أي وقت مضى، ينحصر البديل بين الاشتراكية أو البربرية. واليوم تظهر بوضوح حقيقة الرأسمالية كمرحلة عابرة في التاريخ لا يؤدي استمرارها إلا إلى الموت.
وهناك من الأسباب ما يدفعنا إلى توقّع أن شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية (وهم أقلية تشمل 80% من الجنس البشري!) ستحمل الرسالة وتصل عبر ما أسميه "الموجة الثانية لصحوة الجنوب" إلى وضع حد للريع الإمبريالي. كذلك هناك من الأسباب ما يجعلنا نتوقع أن شعوب الشمال – وهي ليست بالطبيعة شريرة – عندما تُحرم من المزايا التي يوفرها الريع الإمبريالي الذي يدفعها حتى الآن إلى القبول بشروط الخضوع لسيادة الإمبريالية، ستتمكن من تنظيم نفسها في كتل تاريخية بديلة في إطار المنظور الاشتراكي. وقد تبدو السلطات الاحتكارية التي تحكمهم الآن قوية إلا أنها ليست بالضرورة ثابتة مستقرة.
وسيقول المتشككون بالتأكيد إننا أبعد ما نكون عن البدء في هذا الطريق، فلم تظهر بعدُ جبهات معادية للاحتكارات أو الإمبريالية في الشمال، كما لا نرى القوى السياسية التي تعبّر عن مصالح الطبقات الشعبية قادرة على "قلب" القوى المسيطرة في الجنوب. وبصفة عامة نجد حركات الاحتجاج والنضال في الشمال كما في الجنوب، مفتتة وتتخذ مواقف الدفاع. وبالتالي فالمبادرة ما زالت في أيدي السلطات الحاكمة التي تحتل وحدها واجهة المسرح في الشمال والجنوب. ولكن تفاؤل الإرادة، كما يقول جرامشي، يقوم عل إمكان تجاوز هذه المراحل الأولية من المواجهة.
والحقيقة أنه "لا بديل" من السير على الطريق الطويل نحو الاشتراكية.
وهذا سيفرض على شعوب الجنوب أن تتعلّم كيف تربط بين السوق والخطة؛ فعندما تضطر إلى التحكُّم في التنمية الاقتصادية عن طريق السوق، عليها ألا تنسى أن السوق اليوم ما زال "سوقاً رأسمالياً" يدعم العلاقات الاجتماعية الرأسمالية والتغريب المرتبط بها. والتخطيط هو الطريق الوحيد للتقليل من مخاطر الانحراف القاتل، وهذا التخطيط يجب ألا يكون نوعاً من الإدارة البيروقراطية "لاشتراكية الدولة" (وهي في الحقيقة رأسمالية دولة بدون رأسماليين، انتظاراً لتحولها إلى رأسمالية برأسماليين). وأشكال هذا التخطيط يجب أن تُخترع، وتعتمد على المشاركة النشطة للطبقات الشعبية في جميع خطوات اتخاذ القرار والإدارة، من المؤسسة والقرية لأعلى حتى قيادة الأمة. ومن هذا المنظور يجمع السوق والخطة بين أساليب في العمل متكاملة ومتضاربة في الوقت نفسه.
ويحتاج الأمر إلى هذا التكامل في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة التي لا ينتظر أن يكون تحولها سريعاً. ولكن الأساليب المتبعة هناك ستختلف بالضرورة، لأن المطلوب هناك هو إعادة توجيه لا تنمية، ولكن المبادئ الأساسية التي تقود التوجه في الطريق نحو الاشتراكية بالوسائل الديمقراطية متطابقة.
والرأسمالية وهي أبعد من أن تكون "نهاية التاريخ"، هي مرحلة عابرة في التاريخ، وقد حققت في فترة قصيرة نسبياً من الزمن، تنمية لقوى الإنتاج تكفي بصفة عامة لجعل المشروع الاشتراكي لمرحلة أرقى من الحضارة، أمراً متصوراً وواقعياً. ولا يمكن "الهروب من أزمة الرأسمالية"، ولكن الهروب من الرأسمالية ذاتها موضوعياً أمر ممكن بل ضروري.
ويحتاج البدء في الخروج من الرأسمالية والسير في الطريق الطويل نحو الاشتراكية، أولاً إلى إلغاء الملكية الخاصة بتأميم الاحتكارات، وبهذا يمكن الاختراع التدريجي لأساليب إدارتها المؤدية نحو الاشتراكية، أما الإصلاحات التي لا ترقى لهذا المستوى، فلن تستطيع الحد من القوة المدمرة لأساليب الإدارة الرأسمالية للاحتكارات.
وطالما بقيت شعوب وأمم التخوم عاجزة عن استبعاد الريع الإمبريالي أو تخفيضه بدرجة كبيرة، فمن المستبعد أن يصل الرأي العام في مجتمعات الشمال المرفهة إلى تصور الضرورة الحتمية لتأميم الاحتكارات.
أما الحجة القائلة بأن قوى الإنتاج لم تصل بعد إلى مرحلة تسمح بإلغاء علاقات الإنتاج الرأسمالية فغير قائمة، وقد كذبت كوميونة باريس (عام 1871) هذه الحجة. والوسائل "التقنية" لحل جميع المشاكل المادية للجنس البشري متوافرة حالياً، ولكن منطق الرأسمالية يمنعها من الانطلاق، كما أن شروط قيام "توافق عالمي" بهذا الشأن غير موجودة كما تبين في مؤتمر كوبنهاجن الأخير بشأن التغير المناخي. وهكذا يتأكد أن التنمية الرأسمالية غير المتكافئة على المستوى العالمي (أي إملاق التخوم) تفرض ضرورة توجيه تنمية قوى الإنتاج لا في اتجاه "اللحاق"، وإنما في اتجاه تصحيح التشويه الناتج من السيطرة الإمبريالية على النظام العالمي.


كلمة أخيرة

في مقدمة هذا الكتاب ذكرتُ أن قراءة "رأس المال" قد أشعرتني بالكثير من الرضا، ولكنها لم تعطني تفسيراً شافياً "لتخلُّف" مجتمعات آسيا وأفريقيا المعاصرة. وأضفتُ أن جميع أعمالي التحليلية التالية في خلال نصف قرن، قد حاولت استكمال هذا النقص.
وفي رأيي أن عمل ماركس بقي غير مكتمل، ولست وحدي الذي يقول بذلك. وماركس نفسه، في رسالة إلى لاسال يقول: "والعمل بكامله ينقسم إلى ستة أجزاء: 1) رأس المال؛ 2) ملكية الأرض؛ 3) العمل المأجور؛ 4) الدولة؛ 5) التجارة الدولية؛ 6) السوق العالمي" (5)
وكما هو معروف فقد نشر ماركس في حياته الجزء الأول فقط من رأس المال، ونشر إنجلز مخطوطات الجزءين الثاني والثالث (ويتضمنان أجزاء تتعلق بملكية الأرض والعمل المأجور) بعد وفاة ماركس. ونشر كاوتسكي بعد ذلك مذكرات الجزء الرابع وتتضمن تاريخ نظريات فائض القيمة، أما الأجزاء التي تتعلق بالدولة وبنظام الرأسمالية المعولمة فلم تُكتب أصلاً.
وأنا أفسّر "ما سكت عنه" كتاب رأس المال الناقص، وأنا مدين لمايكل ليبوفتس مؤلف كتاب "في أعقاب ماركس" بهذا التعبير.(6) ورأس المال – وهنا يشاركني ليبوفتس وآخرون منهم الإنجليزي تومبسون الرأي - يشرٍح (أو يعيد تركيب) منطق رأس المال، ويقدم انتقاد الاقتصاد السياسي (وهو العنوان الفرعي للكتاب). وتعبير "انتقاد" يجب ألا يؤخذ بمعنى إحلال اقتصاد جيد بدلاً من اقتصاد سيئ (أو بالقليل ناقص)، وإنما بمعنى تحديد أن الاقتصاد السياسي (في أرقى معانيه) ليس إلا الأساس للأيديولوجية البرجوازية.
وهذا التشريح يسمح لماركس بكشف ما يخبئه الاقتصاد السياسي ألا وهو القيمة وفائض القيمة، اللتان تظهران في الاقتصاد السياسي على شكل السعر والربح، وهي عملية أساسية. وبدون هذه العملية لا يمكن فهم حقيقة الرأسمالية بل ستبدو كأنها نظام "رشيد" لتنظيم الإنتاج.
وهكذا انتوى ماركس أن يستكمل هذا الجانب من تحليل رأس المال بكتاب عن العمل المأجور (وهو الكتاب الثالث المذكور في الخطاب للاسال). وهنا كان ماركس ينتوي إدخال الصراع الطبقي الجديد (الصراع بين البرولتاريا المأجورة والبرجوازية الرأسمالية) في بناء "مادية تاريخية" أو "تاريخ مادي" لا "اقتصاد سياسي" (وأنا أقصد هنا بوضوح التعبير مادي، لا تحديدية اقتصادية).
وبالطبع فالعمل المأجور ليس من "حقائق الطبيعة" والبشر يحاولون دائماً الهروب منه كلما أمكن. وكما يشير ماركس عند الحديث عن "الاستيطان الجديد" (الاستعمار الاستيطاني لأمريكا الشمالية) فإن الإنتاج "الطبيعي" لقوة العمل المأجور يصطدم بعقبة هروبه للعمل كفلاحين مستقلين في أراضٍ مفتوحة.
إن تحرير العمل المأجور الخاضع لرأس المال (والمستغِلّ له) لا يتحقق إلا بإلغاء العمل المأجور (في ظل الشيوعية) وليس عن طريق "الإدارة الإنسانية". وأجزاء تحليل العمل المأجور الواردة في رأس المال (وكتابات أخرى لماركس وإنجلز في مقالات صحفية ورسائل) تشير إلى تلك النية بوضوح، ولكنها مجرّد إشارات، وربما كان هذا "الصمت" سيصحح في الجزء الثالث من الكتاب الذي لم يظهر قطُّ.
ويتكرر القول نفسه بشأن الكتاب الثاني حول "ملكية الأرض". والرأسمالية ليست من إنتاج "الفكر النظري الرشيد" كما تصور المفكرون التنويريون، ولكنها بُنيت بالتدريج، ثم فُرضت سيادتها عن طريق صراع البرجوازية ضد النظام القديم، وفي ظروف تاريخية وزمنية ملموسة، اختلفت من بلد لآخر. وقد أكدتُ دائماً أن تناقضات مشابهة كانت تعمل قي بلدان أخرى من الصين وحتى الشرق الأوسط الإسلامي، وأشير هنا إلى إضافتي إلى المناقشات حول التاريخ العالمي والعولمة في كتابي "الطبقة والأمة"، وإلى انتقادي المبكر للمركزية الأوروبية، ولكن هذه المناقشات تعتبر جانبية هنا. فمناقشة ماركس لملكية الأرض تتعلق بتحوّل الملكية الإقطاعية (بالعلاقة بين حقوق السادة والفلاحين – رقيقاً أو أحراراً) إلى ملكية زراعية رأسمالية بسيطة. ويركّز ماركس على هذا التحول الذي يحلله بالتفصيل في كتاباته (رأس المال وغيرها). وأناقش في هذا العمل ما استنتجه ماركس بهذا الخصوص وأطوِّره، بل "أصحِّحه".
ولم يتحدث ماركس عن المجتمعات الأخرى – الآسيوية – إلا في "الأشكال" (Formen). وهذا العمل الذي كتبه ماركس في 1857/58 حول الأشكال السابقة للرأسمالية، لم يُنشر إلا مؤخراً (كملحق للمخطوطة بشأن المبادئ لانتقاد الاقتصاد السياسي) على يد ماكسمليان روبل.(7) رفضت هذه الأقوال التي لم ينشرها ماركس ولم يتوسع فيها. ولو كان ماركس قد كتب الجزء الثاني فربما كان قد ألقى مزيداً من الضوء على الموضوع، ولكن ليس من سبيل لمعرفة ذلك.
ورغم أن الكتاب الرابع حول الدولة لم يُكتب هو الآخر، إلاّ أن أفكار ماركس بشأن هذا الموضوع مفهومة أكثر من غيرها؛ فالدولة البرجوازية هي التعبير المكثف عن حقيقتها الاقتصادية كما عبر لينين عن ذلك. ولا أعني بهذا أنها مجرد دولة رأس المال (أي "في خدمة رأس المال")، ولكنها منظمة "الكل" كذلك، التي تستطيع العمل ضد الكثير من المصالح الرأسمالية عندما تتعامل مع قوة العمل. ومع ذلك فربما لو كان ماركس قد كتب ذلك الجزء لكان قد قال الكثير عن الموضوع، متجاوزاً التحليلات الملموسة لأوضاع ملموسة، وخاصة بشأن الأوضاع السياسية لفرنسا بين ثورة 1848 والكوميونة. وقد قدّمتُ بعض الاقتراحات بشأن نظرية تتعلق بالدولة (الطبقية) في المجتمعات السابقة للرأسمالية (التي سمّيتها "بالخراجية") مؤكداً على انقلاب العلاقات بين السياسة والاقتصاد بعد حلول الدولة البرجوازية محل الدولة الخراجية.(8)
والعمل الحالي يتعلق بالدرجة الأولى بالجزءين الخامس والسادس المشار إليهما في خطاب ماركس إلى لاسال. وهو هنا يقسم قضية واحدة إلى جزءين الأول يتعلق بالتجارة الدولية، والثاني بالسوق العالمي. وتبدو هذه للوهلة الأولى طريقة غريبة للتعامل مع الموضوع، ومع ذلك فقد سرتُ على خطى ماركس في هذه القضية. ففي 1973 قدّمتُ مساهمة في النقاش حول "التبادل غير المتكافئ" حدّدتُ فيها أن هذا النوع من التبادل هو علاقة بين "بلدان" حيث يزيد التباين بين سعر قوة العمل (الأجر الحقيقي) كثيراً عن التباين بين الإنتاجيات للعمل الاجتماعي (بالمعنى الماركسي الذي يختلف كثيراً عما يسميه الاقتصاديون البرجوازيون "إنتاجية عنصر العمل"). والتبادل غير المتكافئ (واختصاراً بين الشمال والجنوب) هو مجرد قمة جبل الجليد. ومفهوم "الريع الإمبريالي"، وهو مركزي بالنسبة لبناء ما أسميه قانون القيمة المعولمة، يفترض تفكيك كل ما يتعلق "بالاقتصاديات الرأسمالية المعولمة". ولعل ماركس كان سيقدم بعض الأطروحات لو كتب ذلك الجزء السادس عن "السوق العالمي"، وبالطبع لا نستطيع أن نخمن حقيقة ذلك.
إذن هل يمكن اعتبار هذا الكتاب "الجزء السادس من كتاب رأس المال"؟ إذا عنينا بذلك أنه "تصوُّر" لما قد يكتبه ماركس حول الموضوع، فالإجابة ستكون بالنفي، فأنا لم أحاول هنا أن أشرح وأؤوّل الكتابات المتفرقة لماركس حول "السوق العالمي" (أي النظام الرأسمالي المعولم) لتقديم جزء سادس يكون أقرب ما يمكن لما قد يكتبه ماركس. ولا أستطيع أن أحدس أنه كان سيكتشف ديناميكية الاستقطاب، أو أنه كان سيؤكد، في المقابل على الدور الموحد لعملية العولمة. وبدءاً من تحليلي لتطور العولمة الرأسمالية قدّمتُ تحديداً نظرياً لقانون القيمة المعولمة، هو امتداد لقانون القيمة. أي بعبارة أخرى، عندما أكتب هذا "الجزء السادس" من كتاب رأس المال، فأنا أضع نفسي بكل وضوح في العالم المعاصر وليس عالم 1875.
وللقارئ أن يحكم ما إذا كانت هذه النظرية الماركسية بشأن النظام الرأسمالي العالمي، وبشأن قانون القيمة المعولمة، هي امتداد لأعمال ماركس، وتحترم روحها. وعلى أيّ حال، آمل أنّ نشر هذا العمل سيثير مناقشة حول الموضوع.