حديث المحرم و محرمات الحديث

احمد الكناني
2013 / 11 / 13

في ذكرى العاشوراء تعود بنا الذاكرة الى ملحمة الامام الحسين الكبرى و قراءة ما حدث للبيت الهاشمي من البشاعة و الهمجية ما يفوق الافق’الامرالذي يجعل من ذلك الحدث نارا متوقدة تتفاعل مع الضمير الشعبي ولابد من احتوائها ’ و لذا نستمع في كل عام الى اصوات المثقفين و المصلحين داعية الى تهذيب الشعائر الحسينية , لكنها على علوها و قوة حجتها تبقى خافتة امام ضجيج الخطباء و تجار المنبر, و لا شك ان ضجيجهم هذا سيبقى مستعرا و الى الابد ,لانه مرتبط بمسائل باتت واضحة للجميع ’ و لعل الخطأ كامن في المنهجية المتبعة في معالجة مثل هذه القضايا الراسخة في الضمير الشعبي رسوخا يجعلها ترقى الى اشبه ما تكون بالظواهر الاجتماعية الخاطئة ’ فليس من المعقول ان نقف امام ظاهرة اجتماعية خطيرة و معالجتها بان نلعنها لعنا وبيلا ’ او ان نناقش في مصداقية هذا الخطيب او ذاك , او هذه الشعيرة او تلك ’ انما المنهجية الواجب اتباعها في مثل هذه القضايا الراسخة و عبرالاجيال تتمثل في قراءة اكثر نقدية للموروث الشيعي و اكثر استيعابا و شمولا, حتى لو احيط هذا الموروث بهالات من القدسية’ و اقصد بالموروث معناه الاعم و الشامل للموروث القديم و الوافد الحديث.و هنا تبرز الحاجة الى المثقفين و الاعلاميين للاضطلاع بمهامهم و من دون الاكتراث بمحرمات الحديث في مثل هذه الموضوعات ,طالما ان الامر لا يعدو ان يكون طرحا و نقاشا للفكرة لبلورتها و تنضيجها بعد ان عجزت المؤسسات الدينية من الوقوف امام هذه الظواهر بل و مسايرتها و التماس الحجج الشرعية لها و اعطاء الضوء الاخضر لخطباء السوء في اجهاض كل المحاولات الاصلاحية, رغم ان مهمة الاصلاح من صميم مهام الحوزات الدينية بل هي في صميم الفكر الشيعي و ليست غريبة عليه ’فالحوار الشيعي – الشيعي كان ديدن الرعيل الاول لرجالات الشيعة ممن عاصروا الامامين الباقر والصادق عليهما السلام , فقد نراهم قد تحاوروا في اهم مسالة في الفكر الشيعي وهي مسالة الامامة و في حدود صلاحيات الامام كما نقل ذلك عن ابن ابي عمير و هشام بن الحكم ’و امثال ذلك كثير مما يحفل به التراث الشيعي في العقيدة و التفسير و الفقه و اصوله .و لعل كتاب " تصحيح الاعتقاد " الذي الفه الشيخ المفيد خصيصا للرد على متبنيات عقائدية مهمة للشيخ الصدوق كمسائل المشيئة و الارادة و القضاء و القدر و الارواح و غير ذلك لهو دليل واضح على روح الشفافية التي كان يتحلى بها هؤلاء العلماء في مناقشة مسائل ذات حساسية شديدة فما بالك بمناقشة ما هو ادنى من ذلك .
و ليس هناك مسالة تمس الضمير الشيعي اكثر من قضية خروج الامام الحسين على يزيد بن معاوية هذه ايضا طرحت بمنتهى الشفافية من قبل الشيخ الطبرسي في تفسيره مجمع البيان عند تعرضه لتفسير الايه{ و لا تلقوا بايديكم الى التهلكة" ..}’ و وصلت ذروة النقاش في هذه الثورة في الكتاب المثير للجدل " الشهيد الخالد ", و في الفترة ذاتها و ليس بعيدا عنه كان الدكتور علي شريعتي يتحدث حول امهات المطالب التي يبتني عليها الفكر الشيعي كالعصمة للامام و مسائل التقليد و الخمس و الشعائر الحسينية ايضا. اقول ذلك و اتذكر الدعوة الملَحة التي اطلقها الراحل المرحوم السيد محمد حسين فضل الله الى اخضاع التفاصيل العقيدية لحركة الاجتهاد الاسلامي الشيعي و بنفس القوة و الدرجة التي واجهت بها مسالة التفاصيل الشرعية في فروع الاحكام .. ولو كانت مسائل العقائد تطرح بنفس القوة التي تطرح بها مسائل الفقه لصارت بمنتهى السلاسة و بمتناول ايدي الجميع و لزالت منها تلك الهالات المقدسة و التي ابتدعتها عقول المتاجرين بالدين و المتحجرين بهدف تكبيل العقل الشيعي و الرجوع به الى زمن الصفويين و القاجار.
و من هنا نشأ جيل من رجال الدين احبارا في الفقه و الاصول و يا رجلا خذ بيدي في غيرهما , اصبحوا يخضعون كل شي للقوالب الاصولية و يضعون –على سبيل المثال – لعبة كرة القدم في قالب السفاهة و انه عمل سفهي و في الوقت ذاته يضفون قوالب الاستحباب على من يضرب راسه بالسيف في مهرجان الدم في بكرة عاشوراء’ او ذلك الباكستاني الذي شاهده العالم من عبر اليوتيوب و هو يشق ظهره نصفين بسيف بيده ..