زيارة .. الى افغانستان

ابراهيم الجندي
2013 / 11 / 4

بدعوة من احد مراكز الابحاث لزيارة افغانستان ، وصلت الى هناك بعد رحلة من مطار القاهرة الى مطار دبي ومنها الى العاصمة كابول ، لاحظت من شباك الطائرة قبل الهبوط جبال ومساحات صحراوية لا زرع فيها ولا ماء ، كان فى استقبالى عبدالله هاشمي مترجم اللغة الانجليزية ، هو ذاته المسئول عن تأمين تحركاتي هناك ، البشاشة والترحيب تعلوان وجهه هو والسائق الذى حمل حقيبتي الى السيارة ذات الدفع الرباعي ، انطلقوا بي الى مقر الجهة الداعية ، رحبوا بي جميعا وعلى رأسهم الاخوة شامشاد عمر و الدكتور احمد كبير كرمزاد ، والسيد رحيق ، واخرين ، احضروا لي الفطور والشاي والقهوة ووفروا لى انترنت فورا حسب طلبي

انتقلت الى الفندق للراحة ، فى المساء نزلت من غرفتى الى الطابق الاسفل لتناول العشاء فى المطعم ، اكثر ما لفت انتباهي ان هناك أطعمة من كل الانواع بالفندق ، لا تختلف كثيرا عن الاطعمة التى تناولتها فى اماكن كثيرة فى العالم كاللحوم والاسماك و الخضار والسلطات ، بعد تناول العشاء شاهدت السي ان ان ، عرفت منها اخبار العالم بسرعتها المعهودة ، صعدت الى غرفتى مرة اخرى لتصفح شبكة الانترنت والبحث عن رد على ايميلاتي ممن انتظر بلهفة الا انها لم تعرني اى اهتمام ، خلدت الى النوم استعداد للسفر بالطائرة باكر لالقاء المحاضرات فى ولاية هلمند على الحدود الافغانية الباكستانية

اثناء مرور السيارة فى شوارع كابول لاحظت فوضى فى المرور مثل القاهرة تماما ، وصلنا الى المطار ، اقلتنا الطائرة الى هلمند فى حوالى ساعة كاملة ، من شباك الطائرة ظهرت مساحات خضراء على امتداد العين ، قلت الحمد لله .. وجعلنا من الماء كل شىء حي

نزلنا المطار ولم اجد حواجز ، منه الى الشارع مباشرة ، لا تفتيش ولا يحزنون ، فقط سلك شائك واناس بالمزمار البلدي ينتظرون اقاربهم (القادمين من الحج) بسيارات فخمة جدا مكتوب عليها حج مبرور ، ابلغنى المترجم ان هؤلاء من علية القوم هناك

وجدنا سيارة فى انتظارنا نقلتنا الى بيت المحافظ لاستقبال الضيوف الاجانب ، لاحظت ان كبار السن يجلسون امام البيوت ، الاطفال يلعبون ، وكأنه لا عمل للكبار ولا مدارس للصغار فى هذا التوقيت المهم من اليوم ، هناك التقيت الخبير سيد رائي وهو مسئول امني كبير يدرب الضباط على كيفية التعامل مع الجريمة ، وقاضي يجيد اللغة العربية ، تناولنا الفطور سويا ، الخبز الافغاني المميز الذي لم يكن جديدا بالنسبة لى حيث تناولته كثيرا فى المطاعم الافغانية فى واشنطن ونيويورك ، الافغان هناك مميزون بهذه النوعية من الخبز التى يقبل عليها الامريكيين بشراهة

هناك لم يتوفر لنا انترنت وانما شاهدنا الانهار والناس والتقطنا الصور التذكارية ، فى اليوم التالى اقلتنا السيارة الى مكان المؤتمر لالقاء محاضرة بعنوان ( الشورى فى الاسلام ) ، رحبوا بي كما لم أرى فى حياتي ، خجلت من نفسي من شدة الترحيب بي كمصري و عربي و أزهري ، حضرت وسائل الاعلام وامتلأت القاعة عن اخرها ومنها جانب للسيدات اللائي لم يظهر منهن حتى الوجه والكفين

ألقيت المحاضرة بالزي الافغاني وسط اهتمام كبير منهم ، بعد الانتهاء من المحاضرة ألقيت عليهم اسئلة

لماذا تخلفنا وتقدم العالم ؟ هل لأننا لم نلتزم بشرع الله ؟ واذا كانت الاجابة بنعم .. فلماذا لم نلتزم ومتى نلتزم ؟
هل تختلف دولة الرسول عن دولتنا الان ؟ وماذا لو كان بيننا .. هل كا سيحرم مستحدثات العصر كالسيارات والطائرات والانترنت ؟
كيف نوفق بين الدين والدنيا ؟ لماذا لا نقبل الاخر كالمسيحي واليهودي والمسلم الشيعى ؟ هل المسلم السنى هو فقط المسلم الحقيقي ؟

هل يحق لنا قتل من خرج من الاسلام ؟ وذكرت لهم الاية 137 من سورة النساء .. ان الذين امنوا ثم كفروا ثم امنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ، لم يكن الله ليهديهم سبيلا
كيف نخرج من دائرة الوعظ والارشاد الى والاعتماد على اجتهاد السلف ؟ متى نعتمد على اجتهادنا وعقولنا لابداع ما يناسب زماننا ؟
تساءلت عن قيمة المعلومات فى عصرنا والاعتماد على علم الاحصاء فى كل شىء ؟

قلت ان الدين كالسكين يمكن ان تذبح به خروفا ويمكن ان تذبح به انسان ، وسألت .. ما سبب التطرف فى بلادنا ؟
فى النهاية قلت ان كل شيء يبدأ وينتهى من التعليم ثم التعليم ثم التعليم
اقترحت البدء فورا ببناء مركز ابحاث للتعامل مع ارقام البطالة والامية والفساد وتقديم الحلول العملية من خلال المتخصصين فى كل المجالات من الافغان والعرب والاجانب
طالبنى رئيس لجنة الاصلاح وزعماء القبائل بتوصيل رسالة الى الازهر لقبول المزيد من الطلاب و انشاء دور للايتام ، ومدارس و التآخي مع جامعة هلمند ، واضاف .. ليس لنا الا مصر عبد الناصر

تولى الترجمة الى اللغة الافغانية عميد كلية الشريعة فى قندهار الدكتور محمد مزمل اسلامي ، الذي نبهني الى ان صعوبة الاسئلة على الناس ، طلبت منه ترجمتها كما هي وقد فعل بمنتهى الامانة
بعدها دعونا على الغداء خارج القاعة ، الرجال فى جانب والنساء فى جانب ، التقطنا الصور التذكارية

اصطحبوني الى كلية دار العلوم ، ادينا الصلاة ، ومررنا بالفصول ، الطلاب يرتدون جلاليب ، فقراء شاحبي الوجه ، طلبوا منى ان يبنى الازهر مدارس ويرسل مدرسين لمساعدتهم فى تعلم العربية لغة القرآن
بعدها قررنا الذهاب الى منطقة حدودية مع باكستان وايران ، ساعة ونصف بالسيارة وهناك رأينا المكان الذى عاش فيه اسامة بن لادن ، شرح لنا حاجي احمد جان عضو مجلس الشورى للصلح واحد شيوخ قبائل هلمند تاريخ المنطقة

زرنا قلعة البوستي ، يتصدرها باب كبير به مثلثات قاعدتها لأعلى ، طول الباب خمسون مترا ، مبنية من الطوب اللبن ، اتخذها الروس مقرا لهم اثناء الاحتلال الروسي ، ومن بعدهم اسامة بن لان وجماعة طالبان
قال لنا حاجي احمد ان التاريخ يؤكد ان بعض الصحابة عاشوا وماتوا ودفنوا فى هذه المنطقة ، القلعة يحيطها نهري هلمند وقندهار ، تنسب الرويات بناء القلعة الى محمد بن حبان البوستي المؤرخ وصاحب الصحيح وكذلك ابوحاتم البوستي ، يقال ان الامام الضحاك كان يعلم طلابه هناك ، وكان يدور عليهم بالحمار بسبب ضعفه وكبر سنه .

عدنا الى هلمند مساء ، اصر حاجي احمد على دعوتنا على العشاء ، كنا حوالي عشرة افراد ، الوليمة تكفى مائة بالتمام والكمال ، اكلت حتى توقف النفس ، طعام لم أتذوق مثله فى حياتي ، لحوم وسلطات وخبز من نوع مختلف تماما قطره متر كامل ، اعقبه الشاي ثم الحديث عن مصر والاخوان

اصطحبني المترجم الى بيت المحافظ بعد ان سلمت وعانقت وودعت الحضور خصوصا استاذى ومعلمي ومترجمي الدكتور محمد مزمل اسلامي الذى زار مصر والازهر والتقى الدكتور احمد الطيب شيخ الازهر مرات
اليوم التالى عدنا الى مطار هلمند ، تأخرت الطائرة ساعتين ، وصلنا الى كابول فى المساء وهناك التقيت مدير المركز الدكتور ادريس زمان ، استمع لى والى تقييمي للرحلة عموما وملاحظاتي واقتراحاتي ، كررت على مسامعه ضرورة واهمية بناء مركزابحاث للتعامل مع المشاكل الافغانية من خلال الرقم ، عقليته امريكية ، يتحدث قليلا ، يستمع كثيرا ، تلقى تعليما راقيا ، وافقنى على اقتراحي ، قال انهم بصدد تطوير التعليم والاعلام ، أكد لى ان السوق الافغانية مفتوحة لرجال الاعمال المصريين للاستثمار ، واستشهد بشركة اتصالات المصرية التى غزت السوق الافغانية وتعتبر الاهم هناك

سألنى .. هل تريد ان تشاركنا فى التطوير بخبرتك ، اجبته .. من الان انا واحد من الافغان ، على استعداد للتنازل عن اى شيء مقابل خدمة الاطفال الذين رأيتهم فى هلمند ، وانا عندي وعدي وملتزم بما قلت ، فأهم شئ عندي هو العطاء لمن يحتاج ، فالحياة قصيرة وأود ان اترك بصمة ولو فى انسان واحد يتذكرني بها ، ولو حتى فى افغانستان
ودعته وعدت الى الفندق ، فى الصباح الباكر اصطحبني صديقى عبدالله هاشمي الى مطار كابول ومنه الى دبي ثم الى القاهرة
اتمنى خدمة هذه البلاد ، انها افضل من اى مكان زرته فى العالم ، حقا وصدقا