رحلة ذي القرنين الفضائية

احمد الكناني
2013 / 10 / 27

النسخة الفضائية لرحلة ذي القرنين تفترض ان يكون البطل هو الملك السومري جلجامش الذي حكم سلالة الوركاء الاولى حوالي العام 2650 ق.م ’ هذا الافتراض قائم على اساس ان رحلة ما بين المشرق و المغرب لم يتسن لاحد القيام بها الا ذي القرنين و جلجامش’ والتداخل النصي بين الرحلتين من بعض الوجوه حمل بعض الباحثين على الاعتقاد باتحاد الشخصيتين ’لكن لاعتبارات لغوية يصعب تفسيرها على الواقع الارضي اضطرهم الى قبولها كرحلة سماوية ’مع القيام ببعض التألف بين النصين لا يخلو من التعسف في ارضاخ النص لفكرة فضائية الرحلة.
باعتقادي ان السير في تلك الطرق البعيدة عن واقع النص واضافة خيال اوسع الى القصة التي هي اصلا مشوبة بالخيال لا ينفع النص بل يضره’ وما ينفع النص هو المعقولية في قراءته و جعله اكثر مطابقة للواقع’ واذا كانت المواصفات النصية لذي القرنين غير منطبقة على احد هذا لا يضطرنا الى الهروب من واقع النص و الذهاب الى الفضاء للبحث عن مفردات فضائية تجعلنا نحلق في مدارات بعيدة بعد المشرقين عن مراد النص ’كما في تعابير "و اتيناه من كل شئ سببا فاتبع سببه " المشابه لما جاء في الملحمة " انه راى كل الاشياء " بالاضافة الى ان كليهما بدا رحلته من مغرب الشمس و مشرقها ’ الى غير ذلك مما يعتقد انه تداخل نصي في كلتا الرحلتين .
و كذلك يستندون الى بعض المرويات المنسوبة الى الامام على في تفسير النص القراني {انا مكنا له في الارض }حيث يقول الامام بناء على هذه المروية انه "سخر له السحاب و مدت له الاسباب و بسط له في النور فكان الليل و النهار عليه سواء" ’ و ان اسم ذي القرنين هو عياش الذي يعطي ذات المعنى لجلجامش في البابلية وهو الطويل العمر .
لكن السؤال عن تلك الاشارات المروية هنا و هناك هل تشكل ادلة مقنعة تجعلنا نفسر مغرب الشمس في العين الحمأ على انها تمر من خلال المريخ لانه شديد العتمة ’ و ان مطلعها يمر من خلال عطارد لانه خال من الغلاف الجوي و هو معنى الاية {حتى اذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا }
و هناك خيارات اخرى في دراسة مثل هذه النصوص اكثر سلاسة يمكن القيام بها و هي القبول بالنص كما هو مع الاعتراف بتأثر النص بالخيال الاسطوري ’ كما فعل سيد القمني في قراءته لقصة ذي القرنين القرانية ’ حيث فسر الرحلة الى مطلع الشمس جغرافيا ببلاد الصين و السد هو سورها العظيم الذي بناه الامبراطور "شن هو انجتي " ليحمي بلاده من المتبربرين الشماليين ’ و فيه نوع اشارة لدرء خطر ياجوج و ماجوج المذكورين في النص مع تطبيق مواصفات ذي القرنين النصية على الاسكندر المقدوني و ملئ الفراغات في قضية السد الحديدي النحاسي و نسبته الى ذي القرنين بالخيال الاسطوري العربي .
و سواء صحت هذه القراءة او لم تصح تبقى اكثر معقولية من التفسير الفضائي الخيالي مع ملاحظة ان النصوص القرانية لا تهتم كثيرا بالتفاصيل بقدر ما تهتم بالعبرة من خلال السرد القصصي .
تبقى هناك نسخ اخرى لذي القرنين عربية و يهودية نسجها مخيال تلك الشعوب لاثبات انتماءه لها ’ و فرضية انه عربي يمني و ان اسمه يدل على اعربيته مضيعة للوقت ’ اذ لم يولد بعد قائد عربي صنديد بلغت فتوحاته المغرب و المشرق و انه بنى سدا من الطين و التبن فضلا عن بناءه من الحديد و النحاس .
والنسخة اليهودية بطلها راعي الرب كورش الكبير القائد الاخميني الفارسي لانه جال الارض و بلغت فتوحاته من اقصاها الى اقصاها ’ و ورد ذكره في التوراة ’ و السؤال الموجه للنبي كان من اليهود و ليس من قريش لمعرفة تلك الشخصية الغامضة في التاريخ صاحب الفضائل التي لا تنسى للشعب اليهودي .
لكن الاهم من كل تلك الفتوحات و بناء السدود انه انقذ اليهود من السبي البابلي و ارجعهم الى اورشليم فيكون المرشح الاقوى عند الميالين نحو الاتجاه الفارسي واليهودي.